تنظيم الدولة يضرب في باريس ويعزز الجدل حول مقاربة ماكرون الأمنية

May 13, 2018

1

 باريس-”القدس العربي”- آدم جابر:

سارع تنظيم الدولة الإسلامية إلى تبني الاعتداء بالسكين، ليلة السبت بالقرب من دار الأوبرا في قلب العاصمة الفرنسية باريس، الذي أدى إلى مقتل أحد المارة وإصابة أربعة آخرين بجروح، وذلك بعد نحو شهر ونصف من اعتداء بلدة تريبب بجنوب البلاد، ما من شأنه أن يعيد إلى الواجهة الجدل حول المقاربة الأمنية للرئيس إيمانويل ماكرون وحكومته، ويضعهما من جديد في مرمى سهام المعارضة اليمينية خاصة.

الرئيس إيمانويل ماكرون أعلن عن أسفه لأنّ فرنسا تدفع ’’مرة أخرى الثمن بالدم’’، مشددا على أن فرنسا لن تتراجع أمام ’’أعداء الحرية’’. وغرد ماكرون على تويتر قائلا:’’أحيي باسم جميع الفرنسيين شجاعة رجال الشرطة الذين حيّدوا الإرهابي’’ منفذ الاعتداء، الذي وقع في الدائرة الثانية لباريس، بالقرب من دار الأوبرا، وهي منطقة تضم مطاعم ومقاهي وتعج دائما بالناس. فيما أكد وزير الداخلية جيرار كولومب على هامش اجتماع أزمة، الأحد، في مقر وزارة الداخلية، أن اعتداء عملية الطعن الإرهابية في قلب باريس، التي كشفت التحقيقات الأولية أن منفذها الذي قتل برصاص الشرطة، هو شابٌ من مواليد عام 1997 في الشيشان، حصل على الجنسية الفرنسية في عام 2010.

السلاح الأبيض

ويعيد هذا الاعتداء بالسكين إلى الأذهان الاعتداء ، يوم الأول من أكتوبر الماضي، الذي تبناه أيضا ’’تنظيم الدولة’’، حيث قام منفذه بذبح إمرأة وطعن أخرى من نفس العائلة بالسكين، أمام محطة القطار الرئيسية في مدينة مارسيليا جنوبي فرنسا، قبل أن يطلق عليه رجال شرطة كانوا يقومون بدورية أمنية النار ويقتلوه. ويبدو أن اعتماد الإرهابيين في فرنسا على السلاح الأبيض في الآونة الأخيرة هو ناتج عن سهولة استخدامها وكونها غير مكلفة مادياً ولا يحتاج صاحبها إلى تدريب. إذ اعتبر مختصون فرنسيون في شؤون الجماعات الإرهابية أن ’’الهزائم التي مني بها تنظيم الدولة في السنتين الأخيريتين وأدت إلى عدم توجه فرنسيين وأوروبيين إلى مناطق القتال، هي التي دفعت بالموالين للتنظيم داخل فرنسا إلى استخدام السكاكين في عملياتهم الارهابية نظرا لبساطة استخدامها بحكم أنهم لم يتلقوا التدريبات الميدانية التي تخولهم القيام بعمليات كاعتداء الباتكلان عام 2015 . لكن التعلميات تأتي غالبا من مقاتلين فرنسيين في صفوف التنظيم موجودين خارج البلاد’’.

كما أن اعتداء، ليلة السبت، أتي في قت لايزال فيه الفرنسيون تحت وطأة صدمة الاعتداء الإرهابي الذي نفذه رضوان لقديم (26 عاما)، وهو فرنسي من أصل مغربي، يوم 23 مارس/آذار الماضي ببلدة تريب جنوب البلاد. وقد راح ضحيته أربعة قتلى، بينهم الكولونيل آرنو بلترام، الذي تطوع وبادل نفسه برهينة من الرهائن الذين احتجزهم الإرهابي، ليطلق عليه هذا الأخير النار قبل أن تتدخل قوات الأمن وتردي بدورها الإرهابي الذي أعلن ولاءه لتنظيم الدولة قتيلا.

فشل استخباراتي؟

ويرى مراقبون فرنسيون أن توقيت اعتداء باريس، ليلة السبت، سيئ جدا بالنسبة للحكومة الفرنسية التي تمر بمرحلة انتقالية، إذ اعتبر الباحث السياسي في باريس حمدي جووارا أن :’’حصول هذا الاعتداء في هذا التوقيت، لاشك أنه سيزيد الطين بلة بالنسبة للرئيس إيمانويل ماكرون، الذي يواجه موجة مظاهرات واضرابات ضد خططه الاقتصادية و بعض خياراته السياسية. حيث إن أحزاب اليمين لن تترك الفرصة تمر دون استغلالها لضرب قانون ماكرون لمكافحة الارهاب’’’. هذا القانون الذي حل بديلاً عن حالة الطوارئ التي فرضت في أعقاب اعتداءات باريس الدامية عام 2015، وأعطى السلطات صلاحيات جديدة دائمة لمداهمة منازل وإغلاق مراكز عبادة وتقييد حرية الحركة، وهو ما سمح بإحباط مخططي اعتداءات جنوب وغرب البلاد منذ مطلع العام الجاري، استهدفا منشأة رياضية كبيرة والقوات المسلحة، و إغلاق ثلاثة مساجد في مناطق مختلفة بالبلاد لتعاطفها مع الإرهاب، حسبما أكد وزير الداخلية الفرنسي جيرار كولومب في وقت سابق.

كما سمح هذا القانون الجديد بترحيل أحد الأئمة من مدينة مارسيليا إلى الجزائر، في شهر إبريل/نيسان الماضي، تتهمه وزارة وزارة الداخلية بإلقاء خطب تحرض على الكراهية والتطرف. غير أن الصحافية في باريس جميلة أبو شنب اعتبرت أن اعتداء باريس ليلة السبت يؤكد أن ’’ التهديد الإرهابي ، و إن تراجع من حيث عدد الضحايا، إلا أنه مازال قائما. وأن القانون الجديد لمكافحة الاٍرهاب لم يغير كثيرا خاصة وأن الأساليب المعتمدة من قبل السلطات الأمنية والاستخباراتية الفرنسية باتت مكشوفة للتنظيمات الإرهابية’’.

ورأت هذه الأخيرة أن هذا الاعتداء: ’’ يعكس أيضا فشلا استخباراتيا في تعقب الذئاب المنفردة التي يجندها تنظيم الدولة، في فترات قصيرة. كما يعكس عدم قدرة السلطات الأمنية والاستخباراتية الفرنسية على فهم استراتيجية التنظيم الدولة الارهابي وتكتيكته المتغيرة حسب المكان والزمان. أضف إلى ذلك أن تصفية أغلب منفذي هذه الاعتداءات، إن لم نقل جميعهم، تخدم التحقيقات’’.

’’فيشيه-س’’ في قلب الجدل

كما يواجه قانون مكافحة الإرهاب الجديد موجة انتقادات على يمنيه ويساره. فبينما ترى أحزاب اليسار أنه ’’يقوض الحريات العامة’’، تعتبر أحزاب اليمين، في المقابل، أنه غير كاف وأن الاجراءات التي يتضمنها، من قبيل فرض الإقامة الجبرية وعمليات التفتيش وغلق دور العبادة المشبوهة، لا تعدو كونها اجراءات ’’بوليسية بسيطة لن تغير من الواقع الحالي’’. وفي هذا الصدد تصعد مارين لوبان زعيمة حزب الجبهة الوطنية من لهجتها وانتقاداتها في أعقاب كل اعتداء إرهابي، مطالبة بحل جميع الجمعيات الاسلامية في فرنسا، والطرد الفوري للأجانب أو الفرنسيين مزدوجي الجنسية المدرجة أسماءهم ضمن قائمة ما يعرف ب”فيشيه-س’’ للأشخاص الذين تراقبهم الأجهزة الأمنية والاستخباراتية، للاشتباه في أنهم قد يمثلون خطرا ، وهو ما ينطبق على معظم منفذي الاعتداءات الأخيرة في فرنسا، بمن فيهم منفذ اعتداء باريس، ليلة السبت، البالغ من العمر 21 عاما، والذي كشفت التحقيقات الأولوية أنه كان مدرجا ضمن قائمة « فيشيه-س » منذ عام 2016، للاشتباه في علاقته بمتطرفين. وأنه كان على تواصل بزوج شابة فرنسية كانت قد إلتحقت بصفوف تنظيم الدولة في سوريا.

لكن هذا الأخير ليست لديه أي سوابق قانونية. وقد تساءلت مارين لوبان في تغريدة ، الأحد، على حسابها على تويتر عن ’’ الفائدة من قائمة « فيشيه-س »، ما دام كل الذين يقومون بعمليات ارهابية ، يروح ضحيتها فرنسيون، مصنفون ضمن هذه القائمة؟ ’’. و قالت لوبان و لوران ووكيز، زعيم حزب الجمهوريين اليميني المحافظ إنه ’’ في مواجهة التهديد الإرهابي.. الكلمات ليس كافية، بل القيام بأفعال’’. لوران ووكيز كان قد دعا أيضا في أعقاب اعتداء بلدة تريب بجنوب البلاد، قبل نحو شهر ونصف، إلى إعادة النظر في كيفية التعامل مع المدرجين ضمن قائمة الملاحقين من قبل الاستخبارات وأجهزة الأمن للإشتباه في تطرفهم. وطالب بإعادة فرض حالة الطوارئ مادام التهديد الارهابي قائما.

وخلال مقابلة تلفزيونية، في منتصف شهر إبريل/نيسان الماضي، توعد الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون بطرد الأجانب الذين لا يحملون إقامة شرعية والذين يعتبرون متطرفين، وأيضا بطرد أولئك المقيمن بصفة شرعية بمن فيهم الطلبة في حالة كانت هناك اثباتات تبرر طردهم. لكنه رفض في المقابل وضع المصنفين ضمن قائمة «فيشيه- س » ، مؤكدا أن ’’ذلك غير متسق مع سيادة القانون وسيقود إلى نتائج عكسية’’.

وتجدر الإشارة إلى أنه يوجد حالياً نحو 25 ألف شخص مدرجين ضمن قائمة « fichié S »، حوالي 10 آلاف منهم مشتبه في أن هناك احتمالا أن ينفذوا عملا ارهابياً يوما ما، بينهم إسلاميون متطرفون وأفراد قد تكون لهم صلة بتنظيمات إرهابية أو مشاغبون أو أفراد في جماعات من اليسار و اليمين المتطرفيين.

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left