حيفا … تكرم سميح القاسم باحتفالية ثقافية في ذكرى ميلاده

May 14, 2018

الناصرة ـ «القدس العربي»: نظم منتدى حيفا الثقافي داخل أراضي 48 احتفالية ثقافية خاصة بمناسبة الذكرى السنوية لميلاد الشاعر الراحل سميح القاسم، تم خلالها تسليط الضوء على تجربتيه الشعرية والصحافية لعمله في مجال التحرير الصحافي سنوات طويلة.
في مداخلته قال الناقد نبيه القاسم إن سميح القاسم ازداد خلال مسيرته الإبداعية التصاقا بالجماهير وهمومها المختلفة، ولكنه لم ينشغل بها عن الهموم الكبيرة التي تُشغل أمته العربية وشعوب العالم قاطبة، الساعية نحو الحرية والعدالة والحياة الكريمة. لافتا لسعي سميح القاسم في حياته نحو تحقيق بعض الأهداف التي رآها الأكثر أهمية له لانتمائه الفلسطيني والعربي، فرفض التقسيم السياسي للعالم العربي ونادى للوحدة العربية، وحذر من مخاطر تقسيم جديد يُعد له أعداء العرب في هجومهم الشرس لتمزيق العالم العربي. لافتا أيضا إلى أن سميح القاسم رفض كل الدعوات الداعية إلى الكنعانية وغيرها، مؤكدا على أن الانتماء العربي هو للصحراء العربية، وقال إنه دأب على القول «جذورنا عربية ومآلنا الصحراء العربية فهي مصدر وجودنا وفخرنا وعزتنا». وتابع نبيه القاسم «عندما بدأت بعضُ الأصوات الفلسطينية ترتفع مُتعالية على العرب، ومُتنكرة للانتماء العربي، وباحثة عن الجذور الأخرى، والشواطئ الغريبة، كردة فعل على ما فعله الأشقاءُ العربُ بنا في المنافي العربية، كان سميح القاسم المتربصَ بأصحاب هذه الأصوات مُعلنا بكل قوة أن انتماءَنا فقط للعروبة وللصحراء العربية فهي قبلتُنا وموطنُنا:
هي التي رملُها من خلايايَ
من رملها نُطفتي
من لواعجها جُذوتي

ويؤكد القاسم في موقع آخر ذلك:
آمنتُ بالصحراءِ
كل الهاربين إلى البحارْ
سيقانُهم قَصَبٌ
فلا هم أهلُ ماءٍ
يومَ نُحصيهِم
ولا همْ أهلُ نارْ

سحر الكلمة
وأوضح أن سميح القاسم آمن بأهمية الكلمة وتأثيرها على الإنسان، ولهذا رأى في نفسه حامل الراية وصاحب الكلمة والقائد شعبه نحو النصر وتحقيق الآمال كما ينعكس بقوله:
هذي الحروفُ المدلهمة
يا سيدي أحزانُ أمة
فاشحذ مداك على جرحي
إنني قربان كلمة
مشيرا إلى أن سميح يؤكد أنه المخلص:
وأنا أومن أني باعث
في غدي الشمس التي صارت تراباً
وتابع «سميح القاسم آمن بالإنسان الفلسطيني وبأنه وقع ضحية الحكام العرب والقوى المعادية للعرب والفلسطينيين، لكن هذا الإنسان الفلسطيني عرف كيف يتحدى الموت ومؤامرات الجميع ويستمر في الحياة وينقل راية النضال من جيل إلى جيل، حتى أنه رأى فيه الإنسان الذي يعلو في مَراتبه حتى يحقق مكانة الألوهية، حيث يفرض رأيه ويجذر وجودَه ويُجبر العالمَ على الاعتراف به. وأنه سيكون باعث الشمس الحقيقية إلى شعبه وأمته، وهذه كانت ثمرة رؤية بعيدة ولحظة بوح نبوءة ورؤية مستقبل يُنكره الحاضر كما ينعكس بقوله:
زمليني يا خديجة
زمليني
فلقد أبصرت وجهي
في حراء الموت
محمولاً على رؤيا بهيجة
ويذكّر نبيه القاسم بأن الراحل طوّر مواقفه ودوره كقائد لهذه الأمة ومخلصها وباعثها، كما تجلت في قصائد دواوينه السابقة، ولا يكتفي بما وصله من الارتقاء إلى مصاف أنصاف الآلهة، فنراه من بداية المجموعة يحاول الانصهار بالذات الإلهية ويروي لنا قصة الرسول ـ أي الشاعر ـ الذي تركه الجميع وابتعدوا عنه. لكنه لم ييأس، وظل يجادل ويهدي ويُقاتل جيلاً بعد جيل ولا مَن يسمعه:
رسول
على جبل
غادرته القبائل
وحيداً
بعيداً
كما قال إنه نصير الفقراء، الكسحاء، المظلومين وهاديهم الى الصراط المستقيم واستذكر ما قاله الراحل:
إسمعوا أيها الفقراء
إنهضوا أيها الكسحاء
إسمعوا وانهضوا واخرجوا
في صراط دمي المستقيم
وهذا ما أكده وديع عواودة في الاحتفالية وقال: إن سميح القاسم ثار في القصيدة على الظلم والاحتلال والاستعمار والعدوان، وفي التجربة الصحافية ثار على التقاليد والمفاهيم والقيم الاجتماعية البالية منتصرا للحريات الشخصية وللمرأة وللفقراء والمضطهدين. واستذكر عواودة زمالته لسميح القاسم الذي حرر صحيفة «كل العرب» الصادرة في الناصرة من 1991 إلى 2004. وتابع «ظل سميح دبلوماسيا ومرنا وبراغماتيا في عمله الصحافي كونه شاعرا وطنيا وقوميا وله علاقات سياسية واجتماعية، ورغبة بالمحافظة على أوسع مساحة من الشعبية والنجومية، لكنه لم يخش التخاصم وقت اقتضت الحاجة لذلك دفاعا عن رؤية أو رأي، ولم يتردد بقوله بشجاعة». وأضاف عواودة إن هذه خلاصة تجربة سميح القاسم منذ عمل وهو في مطلع العشرينيات من عمره في عدة صحف عربية أو ناطقة بالعربية (اليوم، هذا العالم، الغد، الجديد، الاتحاد وكل العرب) حيث أبدى مرونة فائقة موظفا دبلوماسيته وطواعية اللغة له، لكنه في القضايا المبدئية ظل شجاعا مخلصا لرؤيته السياسية والاجتماعية، حتى لو اضطر لتقديم استقالته من عمله، كما حدث فعلا عدة مرات. موضحا أن التشبث بقيمة النقد في عمله التحريري الصحافي يؤكد وجود الصحافي الشجاع لجانب الشاعر الثائر البشير في شخصية القاسم.
 وأضاف «هكذا تجلت شجاعته في مذكراته «إنها مجرد منفضة» التي تحدث فيها عن طفولته وعن ذاته وأسرته وطائفته المعروفة، وعن شعبه الفلسطيني وأمته العربية بشجاعة وشفافية بأسلوب رشيق لازم المضمون العميق.. مكثرا من الإشارات والإيحاءات الثقافية والنكات والطرائف… وهذا أسلوب اتبعه الراحلون أدوارد سعيد وحنا نقارة وشفيق الحوت في سيرهم الذاتية وغيرهم وهو أسلوب موفق وجميل».
وقدّم عواودة بعض الأمثلة على مشاكسة سميح القاسم الشاعر والصحافي المشاغب، ومنها «حادثة المسدس» في حفل منحه جائزة فلسطين للشعر، جرى في بيت لحم حيث استشعر وقتها بالحاجة لإرسال رسالة للمحتفين به وعلى رأسهم ياسر عرفات حول خطورة الفساد فقال: والله يا أبا عمار، لو رأينا فيكَ اعوجاجاً لقومناهُ بأقلامنا! وقتها فهِمَ أبو عمار الإشارة التاريخية إلى عمر بن الخطاب، فوقف هاتفاً: يا محمد. أحضر المسدس ولما أتاه به رماه نحوه وهو يقول: لا يا خويا يا سميح. إذا رأيتَ في اعوجاجاً فقومهُ بمسدسي هذا، لا بالقلم. فعقب القاسم بالقول: لا يا أخي الرئيس. المسدس يوجه إلى الاحتلال. وأقلامنا كفيلة بتقويم أي اعوجاج في أي منا. وفينا جميعاً وبلا استثناء. ودوت القاعة بالتصفيق مرةً أخرى.. أما وسائل الإعلام الإسرائيلية والأجنبية فقد أسهبَتْ في الحديث عن «المشادة بينَ الرئيس والشاعر». واستذكر حادثة أخرى يوم التقى قادة منظمة التحرير هو والراحل توفيق طوبي وطلب الراحل أبو عمار إحضار هديتين لزوجتي القاسم وطوبي وهما سلسالان من الذهب معلقتان بهما خريطة فلسطين من الذهب أيضاً. تسلمت نوال القاسم الهدية في ما صمم سميح أن يبقى مشاغبا فقال متندرا: سبحان مغير الأحوال.. في ثورة 1936 كَتبَ أحدُ المجاهدين الأسرى على جدارِ سجنِهِ بقطعةِ فحم، قصيدة عامية من أجمل الشعر في العالم كله. وفي القصيدة مقطع يقول:
وبُكره المرَه كيف راح تقضي نهارها
وِيلهـا عَلَي وويلهـا عَ صغارهـا
يا ريتني خليـتْ بإيدها سْـوَارها
يوم دعاني الحرب تا إشتري سلاحو!
وأكمل سميح القاسم وقتها: سبحان الله. سبحان مغير الأحوال يا إخوان. كانت جداتنا وأمهاتنا يبعن مصاغهن الذهبي ليشتري الأجداد والآباء سلاحَ الثورة.. أما الآن فأرى أن الثورة هي التي توزع الذهب على نساء الشعب! ورد أبو عمار بلهجته المصرية الأبوية المعهودة: مشاكسة الشعراء هذه نعرفها جيداً.. مش كده يا أبو جه.
وشكر وطن ـ محمد نجل الشاعر سميح القاسم المشاركين بالاحتفالية الوافدين من الجليل والجولان والكرمل والساحل وحتى الضفة الغربية. وكشف وطن القاسم لمشروع بناء مؤسسة سميح القاسم وقال، ليس من السهل الانطلاق بمشروع بناء المتحف والضريح لأننا حين نفقد أعز الناس نحتاج للوقت لاستيعاب الفقدان، وربماً ايضاً نتهرب في بعض الأحيان من مواجهة الحنين والاشتياق.. ولكن خلال السنوات الأخيرة لم نتوقف عن المشاركة في مئات الفعاليات في البلاد والعالم العربي لإحياء ذكرى الأب الحنون والشاعر العملاق بنشر نتاجه بشتى الطرق». وكشف أنه بالإضافة للمتحف سوف يتم توزيع جائزة سنوية للمواهب الشابة وإنتاج فيلم وإصدار أعمال لم تنشر بعد وترجمة أعمال الوالد للعديد من اللغات وغيرها.

حيفا … تكرم سميح القاسم باحتفالية ثقافية في ذكرى ميلاده

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left