كيف غَيَّر تعويم الجنيه العادات الاستهلاكية الغذائية للمصريين في رمضان؟

May 14, 2018

القاهرة – د ب أ: لطالما كان معروفا أن استهلاك المصريين من السلع الغذائية يرتفع في شهر رمضان بنسبة تتراوح بين 50% و80%، إلا أن العين لا يمكن أن تخطئ أن عادات المصريين الاستهلاكية الغذائية لم تعد كما كانت عليه قبل «تعويم الجنيه».
فمنذ أعلن البنك المركزي المصري في الثالث من نوفمبر/تشرين ثاني من عام 2016 تحرير سعر صرف الجنيه، تغيرت عادات المصريين وأصبحوا أقدر على ترشيد عاداتهم الشرائية. وإذا كان هذا واضحا في الأشهر العادية، فإنه بلا شك يكون أكثر وضوحا في شهر رمضان، حيث عادة ما يزداد الطلب على منتجات الألبان والدقيق والسكر والزيوت والسمن، فضلا عن تبادل العائلات للدعوات للمآدب وما يشكله هذا من عبء مالي أضافي.
ورغم أن قرار التعويم كان متوقعا من أجل معالجة نزيف الاحتياطات الأجنبية الذي كانت تعانيه البلاد، فإن ما تسبب فيه التعويم من فقدان الجنيه لنحو نصف قيمته أمام الدولار لم يكن متوقعا.
ورغم مرور 19 شهرا على التعويم لا يزال سعر صرف الجنيه حاليا يتراوح بين 17 و 18 جنيه للدولار الواحد مقابل نحو تسعة جنيهات قبل التعويم.
وكشفت شعبة العطارين في الغرفة التجارية المصرية مؤخرا أن استيراد الياميش هذا العام تراجع بنسبة 40%، مرجعة ذلك إلى تخوف التجار من التراجع الكبير في معدلات الاستهلاك.
ورغم أن الزيادة في أسعار الياميش (المكسرات والفواكه المجففة التي يتم استخدامها على موائد الإفطار في رمضان وتستورد مصر معظمه من الخارج) لم ترتفع مقارنة بالعام الماضي إلا بنسبة تتراوح بين 10 – 15%، فإنه يبدو أن معدلات الشراء تراجعت بصورة أكبر بكثير.
وقال تجار إنهم لجأوا إلى تقليل أحجام بعض العبوات لعدة منتجات للبيع بسعر أقل من أجل تحريك السوق، خاصة وأن بعض الأسر أصبحت تكتفي بأقل القليل حتى لا تقطع عاداتها الاستهلاكية بصورة كاملة.
تقول إيمان ( 28 عاما) ان «التعويم لم يُعلّم المصريين فقط ثقافة الترشيد، وإنما أيضا ثقافة الاستغناء … فأنا أقف أمام سلعة في المتجر وأقول لها: كم كنت أحبك ولكن سعرك ارتفع بصورة كبيرة. ثم أمضي في طريقي».
وأخذت ربات البيوت على عاتقهن مهمة توفير بدائل لبعض السلع الغذائية التي ارتفعت أسعارها بصورة كبيرة. وتقول هناء (35 عاما) أنها أصبحت ماهرة في صنع الزبادي والكعك والفول واللحوم المصنعة كاللانشون والشيكولاتة السائلة. وأضافت «بعدما كان أطفالي يعشقون منتجات بعينها، أصبحوا يعشقون منتجاتي أنا».
وتابعت «عندما كنت أذهب للمتجر الكبير، كنت أتوجه إلى منتجات شركات بعينها، ولكن بعد التعويم أصبحت أتوجه إلى المنتجات الأفضل سعرا حتى وإن تخليت في سبيل ذلك عن مستوى الجودة الذي كنت أرى أنه الأفضل».
أما أميرة، وهي ربة بيت في الخامسة والأربعين من العمر، فتقول «إذا ما جربت طبخة جديدة أو سلعة لم أكن قد استخدمتها من قبل وأعجبتني، أو إذا كان هناك محل يقدم خصومات، أخبر أقاربي وأصدقائي. وكذلك يفعلون هم. إننا نتبادل الخبرات … أحيانا عندما أجد خصومات كبيرة في المتاجر على سلع بعينها أشتري لأخواتي وصديقاتي. هذه أمور فرضها الوضع الجديد».
وترى دعاء (31 عاما)، التي تعيش في إحدى قرى محافظة القليوبية، أن عادة تخزين المنتجات الغذائية لم تعد كما كانت، وتضيف «كنا نشتري الأرز والمكرونة والسكر بالأشولة (الأكياس). وكنا لا ننتبه كثيرا لكمية الطعام التي نعدها، لأنه كانت هناك دائما طيور على سطح المنزل تأكل ما يتبقى من طعام. ولكن الوضع الآن تغير كثيرا. أصبحنا نشتري الاحتياجات بكميات أصغر، ونعد من الطعام ما يكفي». وتروي أن من العادات التي رصدت تغيرها بعد تعويم الجنيه عدم إسراف أبناء القرية في الحصول على الخبز المدعوم حكوميا، وتوضح ذلك بالقول «كان الناس يحصلون على كامل حصتهم من الخبز المدعم (خمسة قروش للرغيف الواحد) رغم أنهم يعرفون أنه قد يكون أكثر من استهلاكهم. كانوا يأكلون ما يأكلون ويلقون بالباقي إلى الطيور، ولكن بعد برنامج (فارق نقاط الخبز)أصبح الناس يحصلون على ما يحتاجونه فقط ويوفرون الباقي للحصول على سلع مدعومة أخرى كالأرز والسكر».
أما تغريد (35 عاما، فقد رصدت تغيرا في نمط الكثير من برامج الطهي، وتقول «كنت أرى أن معظم برامج الطهي تركز على عنصر الإبهار، حيث يقوم الطاهي باستخدام مكونات ربما لم يسمع عنها أكثرنا، وعادة ما لا تكون متوفرة في الكثير من المتاجر. أما حاليا فتركز معظم البرامج على كيف يمكن إعداد أصناف بأقل التكاليف وأبسط المكونات».
وتضيف «لم أعد أشتري أي حلوى لرمضان من المحال الشهيرة، فأسعار منتجاتها أصبحت خيالية. عندما أريد أن أصنع شيئا أفتح اليوتيوب وأبحث عن الصنف الذي أريده وأنفذه خطوة بخطوة. كما أصبحت أستخدم الخضر والأجبان وليس اللحم المفروم مثلا كحشوات لمعظم الأطباق التي أعدها. وأصبحت أعتمد على الزيوت أو السمن الأقل سعرا نظرا للارتفاع الكبير في أسعار السمن البلدي. التعويم تهذيب وإصلاح».
وأعلن «الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء» مؤخرا انخفاض معدل التضخم السنوي لشهر أبريل/نيسان الماضي، حيث ارتفعت الأسعار بنسبة 12.9% مقابل 32.9% لشهر نفسه من العام السابق. ورغم أن التضخم تراجع من الناحية النظرية، فإن المواطن المصري لم يشعر بهذا التراجع لأن دخله الإسمي منذ التعويم لم يرتفع إلا بنحو 20% في المتوسط.
وفي ظل ارتفاع أسعار الفوانيس المستوردة، بصورة أساسية من الصين، والتي عادة ما تكون على شكل عرائس لشخصيات حقيقية وكرتونية ومزودة بإحدى أغاني شهر رمضان، ظهرت أشكال مبسطة تقليدية مصنوعة محليا وتحظى بإقبال كبير نظرا لسعرها المنخفض. فبينما يصل سعر الفانوس الصغير الصيني إلى مئة جنيه، لا يتجاوز سعر المحلي العشرين جنيها. وقد تصدرت الفوانيس التي تحمل صورة النجم الرياضى المصرى محمد صلاح المبيعات هذا العام.
ويرى عبد الرحمن، وهو أب لطالب في الثانوية العامة، أن تزامن رمضان مع امتحانات الثانوية العامة، التي تبدأ في الثالث من الشهر المقبل ويخوضها نحو 580 ألف طالب هذا العام، سيؤثر أيضا على الاستهلاك في رمضان هذا العام.
ويقول :»رغم أن الأسعار لم ترتفع قبل رمضان هذا العام بنفس نسبة الزيادة العام الماضي، فإنني أتوقع ألا يتحسن الإقبال على شراء مستلزمات رمضان؛ حيث أن جميع الأسر التي يوجد لها أبناء في الثانوية العامة توجه تقريبا جزء كبير من دخلها في الشهر السابق للامتحانات للدروس الخصوصية. وفضلا عن ذلك، فإننا سنعتذر عن تلبية أي دعوة للإفطار من أي قريب أو صديق ، كما أننا لن ندعو أحدا للإفطار هذا العام».
إلا أنه استطرد «هذا لا يعني أننا لن نستعد لرمضان أو أننا لن نشتري الياميش. سنقوم بكل ذلك لكن بالحد الأدنى، فأنا لا أريد أن يشعر أبنائي بأي تغيير أو أن أقطع عادة وجدنا عليها آباءنا وأجدادنا».

كيف غَيَّر تعويم الجنيه العادات الاستهلاكية الغذائية للمصريين في رمضان؟

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left