تداعيات انسحاب ترامب من الاتفاق النووي

د. سعيد الشهابي

May 14, 2018

برغم اهمية تطورات المنطقة في السنوات الاخيرة الا ان ما جرى خلال الايام السبعة الاخيرة يتميز باهمية قصوى لانه أظهر بوضوح خريطة تحالفات مرعبة حرصت اطرافها على ابقائها بعيدة عن الرأي العام العربي والاسلامي. ولكي تتضح صورة ما جرى بجلاء فان من الضرورة بمكان وضع تلك التطورات ضمن المشهد السياسي الذي يرسم، هذه المرة، بعيدا عن اية مشاركة جماهيرية، وفي ظل تعتيم غير مسبوق، وحروب سرية وعلنية ذات دوافع تختلف جوهريا عن الوقائع.
بدأت التطورات باعلان الرئيس الأمريكي قراره سحب بلاده من الاتفاق النووي الذي وقعته في العام 2015 الدول الست مع إيران. وقد لا يكون انسحاب احد الاطراف الستة ذات اهمية قصوى لو أصرت الاطراف الاخرى على التمسك بذلك الاتفاق، ولكن ذلك يتوقف على مدى استعداد الدول الاوروبية الثلاث (المانيا وفرنسا وبريطانيا) لتحمل تبعات الانسحاب الأمريكي، خصوصا انعكاساته الاقتصادية. فالاتحاد الاوروبي يستطيع ان يتخذ ذلك القرار الذي قد يؤدي في النهاية لنتيجة تأملها شعوب العالم: الاطاحة بالرئيس دونالد ترامب من منصبه ليس بسبب رعونته فحسب، بل لأن الشعب الأمريكي وممثليه في الكونغرس سيصلون إلى قناعة بخطر بقائه على المصلحة الوطنية. ولكن هل لدى اوروبا الارادة القوية المطلوبة لموقف كهذا؟
الحقيقة التي يجب ان يدركها القادة الاوروبيون ان خضوعهم لاملاءات دونالد ترامب سوف يشجع صعود اليمين المتطرف في بلدانهم وسيدفع اوروبا نحو المزيد من التطرف اليميني الذي لا ترغب فيه غالبية سكان القارة. يضاف إلى ذلك ان هذا الخضوع سيؤدي إلى مزيد من التوتر بمنطقة الشرق الاوسط، الامر الذي سيدفع اسعار النفط نحو الارتفاع، وليس مستبعدا ان يصل سعر البرميل إلى 100 دولار بسبب ذلك. كما انه سيلغي مبدأ العمل الدولي المشترك ويؤدي إلى تلاشي الثقة في الموقف الدولي والامم المتحدة، ويؤثر سلبا على التوازن القلق الذي حال دون وقوع حروب عالمية كبرى منذ ثلاثة ارباع القرن. ويدرك الاتحاد الاوروبي ان القرار الأمريكي ساهم في تخفيف الغلواء تجاه إيران التي بقيت مناوئة للولايات المتحدة منذ انتصار ثورتها قبل قرابة الاربعين عاما. هنا تبدو إيران ملتزمة بالاتفاق التاريخي الذي وقعته مع الدول الست واضفى على الرئيس الأمريكي آنذاك، باراك اوباما، سمعة ايجابية لأنه قلص الاحتكاك مع إيران وكوبا اللتين تميزت علاقاتهما مع بلاده بالتوتر والعداء.
ربما لم يكن قرار ترامب مفاجئا للكثيرين، ولكن المفاجآت تمثلت بعدد من التطورات. اولها انه أكد الشعور بالاستعلاء لدى الرئيس الأمريكي بلا حدود، فهو يرى نفسه تجسيدا للحقيقة والصواب، ولم يفتح قلبه للنداءات التي اطلقها زعماء الدول الاوروبية الثلاث والامين العام للامم المتحدة ومسؤولي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وعدد من السياسيين الأمريكيين ومن بينهم رؤساء سابقون، بعدم الغاء الاتفاق. كما انه اظهر عمق ازدرائه للزعماء الاوروبيين الذين كانوا يتصورون ان الضغوط المتواصلة في الايام القليلة التي سبقت اعلان موقفه سوف تغير قراره. ولكن فوجئوا باصراره غير المنطقي او المعقول على افشال واحد من اكبر المشاريع الدولية للحفاظ على السلام والامن الدوليين في العصر الحديث. فقبل توقيع الاتفاق النووي كان القلق مستمرا من نشوب حرب مع إيران. وجاء توقيع الاتفاق ليلغي شبح الحرب ويضع العالم امام واقع جديد تلعب فيه الدبلوماسية الهادئة دورا يحقق نتائج ملموسة ويحفظ السلم الدولي. وكان مفاجئا للزعماء الاوروبيين كذلك مدى تجاوب ترامب مع ادعاءات رئيس الوزراء الاسرائيلي حول الاتفاق واصراره على استهداف إيران، وبروز مؤشرات على تحركاته ومواقفه الهادفة لدفع أمريكا لحرب مع إيران، نيابة عن «اسرائيل» المتهمة بارتكاب جرائم ضد الانسانية خصوصا بعد قتل ما يقرب من 50 فلسطينيا شاركوا في مسيرات العودة.
يعرف الزعماء الاوروبيون حقيقة الدوافع الاسرائيلية لممارسة تلك الضغوط على واشنطن، خصوصا بعد ظهور نتنياهو مدعيا حصوله على وثائق قديمة حول المشروع النووي الإيراني، الامر الذي رفضته المانيا وفرنسا وبريطانيا وقالت انه لم يضف شيئا لما هو معروف، وان ما قاله نتنياهو يؤكد ضرورة وجود الاتفاق وليس الغاءه.
ما هي حقيقة المشكلة؟ لماذا هذه الحساسية المفرطة ازاء الاتفاق النووي الذي ساهم في تخفيف التوتر واحتمالات الحرب؟ وهل ان «اسرائيل» وحدها هي التي عملت خلال العام الاول من رئاسة ترامب للضغط على الولايات المتحدة للانسحاب من الاتفاق؟ وما البديل الذي يريده ترامب لهذا الاتفاق؟
تعلمت إيران من الحرب العراقية ـ الإيرانية درسا بليغا: انها لن تستطيع بناء قوة جوية قادرة على توفير غطاء دفاعي فاعل. فالدول الكبرى لن تزودها بالطائرات العسكرية المتطورة، كما ان قدراتها الاقتصادية لا تسمح لها بشراء الطائرات التي يبلغ سعر الواحدة منها في الوقت الحاضر اكثر من 100 مليون دولار. ولذلك انتهجت استراتيجية عسكرية تعتمد على الصواريخ بدلا من الطائرات. وعملت طوال العقود الثلاثة التالية لتطوير صناعتها العسكرية بالتركيز على صناعة الصواريخ على اختلاف انواعها.
ومع ان المواجهة الاخيرة في سوريا اظهرت عدم كفاءة تلك الصواريخ لمواجهة التهديد الذي تمثله الطائرات العسكرية الحديثة، الا انه بقي مصدر قلق شديد لطرفين بشكل خاص: الكيان الاسرائيلي والمملكة العربية السعودية. فكلا الطرفين يعاني من هذه الصواريخ التي لولاها لحسمت «اسرائيل» حروبها الثلاث ضد حزب الله وحماس. تلك الحروب ازعجت الاسرائيليين كثيرا واصابتهم بالهلع بعد ان ثبت بالدليل الميداني استحالة تكرار نتائج الحروب التي خاضتها قوات الاحتلال ضد الجيوش العربية في العقود الستة السابقة. ومع ان من يمتلك هذه الصواريخ قد لا يستطيع حسم الحروب لصالحه، ولكنها ايضا تمنع الطرف الآخر من حسم الحرب لأنها تبقى مصدر تهديد لمنشآته وامن شعبه. وهذا ما ادركته السعودية منذ ان شنت الحرب على اليمن قبل اكثر من ثلاثة اعوام. فبرغم امتلاكها احدث الطائرات الأمريكية القادرة على اختراق الحدود والحاق اذى بالمنشآت والارواح، الا ان هذا التفوق النوعي لم يساعد القوات السعودية والاماراتية على تحقيق انتصار حاسم في الحرب التي كانوا يعتقدون انها لن تطول. وقد اصبحت المدن السعودية الكبرى، ومنها الرياض، هدفا للصواريخ اليمنية.
عندما وقعت الدول الست (أمريكا وروسيا والصين وبريطانيا وفرنسا بالاضافة لألمانيا) الاتفاق النووي قبل ثلاثة اعوام، رفض الإيرانيون طرح مشاريعهم الدفاعية ومنها الصواريخ للنقاش او التفاوض. وبرغم الضغوط الاسرائيلية على ادارة اوباما الا ان الجميع أصر على الاتفاق. ولكن تغيرت الامور في السنوات اللاحقة. فدخلت السعودية على الخط بعد شنها الحرب على اليمن، فقد حالت الصواريخ اليمنية التي تتهم إيران بتزويدها لحلفائها اليمنيين، دون تحقيق انتصار حاسم، وشعرت بما شعر الاسرائيليون به، فبدأت هي الاخرى، خصوصا بعد ان اصبح محمد بن سلمان هو الحاكم الفعلي للمملكة، بممارسة ضغوط هائلة على البيت الابيض للتخلي عن الاتفاق واعادة مناقشة اتفاق آخر يتضمن المشروع الصاروخي الإيراني. وقد رفض الإيرانيون ذلك تماما واعتبروا ان شؤونهم الدفاعية لا يمكن اخضاعها للنقاش او التفاوض.
الاوروبيون ما يزالون مصرين على الاتفاق النووي، ولكن الايام المقبلة ستكشف ما إذا كان هذا الاصرار صادقا ام خاضعا للاعتبارات الا خرى خصوصا الاقتصادية. كما سيتضح تدريجيا ما إذا كانت «المسايرة» الاوروبية الظاهرة للاتفاق تخفي أجندة سرية للضغط على إيران للقبول بمبدأ مناقشة مشاريعها العسكرية الاخرى ومنها المشروع الصاروخي.

٭ كاتب بحريني

تداعيات انسحاب ترامب من الاتفاق النووي

د. سعيد الشهابي

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left