رحيل جيرار جنيت المُنظِّر الأدبيّ المُولَع بخلق المصطلحات

May 14, 2018

تونس ـ «القدس العربي» من عبدالدائم السلامي: رحل الناقد والمنظّر الأدبيّ الفرنسي جيرار جنيت عن عمر بلغ 87 سنة، وهو أستاذ مبرّز في الآداب، تتلمذ على رولان بارت، وزامل جاك دريدا. عمل مدرّسا في السوربون، ثم التحق بالمدرسة العليا للدراسات، باقتراحٍ من بارت ودعمِه، وصار مديرا لها حتى أُحيل على المعاش، كما أشرف على سلسلة «الشعرية» في دار سوي للنشر، واهتمّ بالسرديّات (هذه التسمية وضعها زميلُه تودوروف) التي كان هو قد عرّفها بقوله إنها «معرفةٌ لم تبلغ درجةَ العِلم، وساهمت لغتُها الخاصّة في اشمئزاز كثير من الأُمِيّين من الأدب»، وصدرت له دراسات وكتب كثيرة اتصلت بالأشكال الأدبية والشعريّة وأنطولوجيا الإبداع وفلسفته. ومن أشهر كُتُبه «وجوه» (وهي أطروحة دكتوراه دولة نشرها في ثلاثة كتب) و«عتبات»، و«خطاب الحكاية» و«مدخل لجامع النصّ».
وكان لبحوثه دورٌ بارزٌ في انتعاش الدراسات النقدية حتّى عُدَّ إلى جانب رولان بارت من أهمّ أسماء النقد الجديد في فرنسا، خلال فترة الستينيات والسبعينيات. تقوم كتابتُه على استعمال الجمل الطويلة، الشغوفة بتصنيع المصطلح، التي لا تخلو أحيانا من سخرية أو مزاح، وهذا ما ميّز أسلوبه البحثيّ وجعل كتابتَه لا تفقد، كأغلب التنظير الأدبيّ، طابعَها النقديَّ الإبداعيَّ.
حقّق جنيت إضافات كبيرة في مجال الدرس النقدي، حيث طور عدة مفاهيم لدراسة النصوص الأدبية، في سعيٍ منه إلى إقامة علمٍ للسرد، ومن تلك المصطلحات مصطلح «تداخل النصوص» الذي حلّل به العلاقات، الظاهرة أو الخفية، بين نصّيْن أو بين نصٍّ ومجموعة نصوص. كما تنبّه في دراسته لأعمال مارسيل بروست إلى ظاهرة «الشعريّة» بوصفها نظريّة عامّة للأشكال الأدبية، خاصة منها السرديّة.
فالنصّ، على حدّ قوله، إنّما هو «موضوع الشعريَّة، بل جامع النصّ، أي مجموع الخصائص العامّة أو المتعالية، التي ينتمي إليها كلّ نصّ على حدة. ونذكر من بين هذه الأَنواع: أَصناف الخطابات، وصيغ التعبير، والأَجناس الأدبية. ولقد اجتهدت الشعريَّةُ الغربيَّةُ منذ أرسطو في أَن تُشَكّل من هذه الأنواع نظاماً موحَّداً قابلاً للإحاطة بكامل الحقل الأَدبيّ، ولم تتمّ تلك الجهود من غير التباسات أَهمُّها التقسيم الثلاثيّ المعترف به منذ القرن الثامن عشر، الذي أُسند خطأ لأرسطو نفسه، وهو تقسيم الحقل الأدبيّ إلى ثلاثة أنماط أساسيَّة، صُنِّفت تحتها الأَجناس والأنواع الأَدبيَّة: الغنائيّ والملحميّ والدراميّ. وبما أنّ إسناد نظريّة الأجناس الثلاثة الأساسيّة لكلّ من أفلاطون وأرسطو خطأ تاريخيّ، سبّب خلطًا نظريًّا ونَمّاه، فأعتقد أنه من الواجب التخلّص منه». ولتحقيق ذلك اقترح جنيت مصطلح «جامع النصّ».
غير أن جهود جنيت التنظيرية، التي ظلّت غير جماهيرية وانحصرت في فئة الطلبة وأساتذة الجامعات، لم تخلُ من نقدٍ سواء في فرنسا أو في البلدان الفرانكفونية، حيث بالغ هذا الباحث في اهتمامه بـ«خارج النصّ» أي: بما هو خارج متنه، وهو ما حوّل مصطلحاته بكلّ شروطها النقدية إلى ما يشبه «اللعبة النقدية» التي شَغِفَ بها الجامعيون العرب، وراحوا ينتصرون لها في دروسهم عبر كشف بنية النص وما يتصل بها من زمان ومكان وشخصيات ونمط رؤية، واسم دار النشر، ونوع خطّ الكتابة ونصّ الإهداء، وصورة الغلاف ولونه، وكلمة الناشر وهلمّ جرّا ممّا أُغْرِم به جيرار جنيت (وهل ترك جنيت من الكِتاب شيئًا لم يتحدّث عنه سوى أنْ يذكُرَ بالتدقيق تفاصيلَ ملابِسِ زوجةِ كاتبِه الداخليّةِ؟) بل وعَضّوا عليها بالنواجذ كأنها الدِّينُ الجديدُ المُخلِّصُ لهم من كُفْر النصوص، فأضاعوا بذلك كثرةً من المعاني الساكنة مُتون نصوصنا وأضاعوها، بل أخرجوها من «كمال البيان إلى مجال الهذيان»، على حدِّ عبارة عبدالقاهر الجرجاني في «أسرار البلاغة»، فجنوا بها على طلبتهم بعد أن جنى بها عليهم جيرار جنيت نفسه. ولا شكّ في أنّ هذه «اللعبة» لا تُمكِّنُ القارئَ من شيءٍ سوى تهييج النصّ عبر مداعبة تكوينه الفنيّ.
فالقرّاء وهُمْ يهتمّون بشكل النص وببنيته بدون اهتمامٍ منهم بمضمونه، يمنعون المقروء من الإفصاح عن معناه الذي هو جوهرُه ومُنْتَهى غاياته، ويحرمونَه من الإحساس بمتعة أن يكون مقروءًا في كُلّيته، بل يمنعونه من بلوغ أقصى حالات تلك المتعة؛ وهي الوعيُ بوحدةِ كيانه والانتشاء بحضوره فيه. ومن هذا المنعِ ما يرقى إلى مستوى الجريمة الأدبية التي يمكن أن أسمّيها جريمة خِصَاء المعنى، لأنّ الخِصاء من «أفْحَشِ الظُّلمِ وأشدِّ القَسْوةِ».

رحيل جيرار جنيت المُنظِّر الأدبيّ المُولَع بخلق المصطلحات

- -

1 COMMENT

  1. رحلوا ولم يعلموا بانهم كانوا يساعدوا العرب والمسلمين من عباد الله من فهم القراءن الكريم ,
    ولو ادركوا ذلك لما ساهموا بكل امانة , ولله في خلقه شؤون رب ضره نافعه ( وخصوصا اذا حاول الفرد المستفيد من علومهم_ التي حللوها من كاتب مسلم تأثر وبني على اساس القران _ان يدخل عالم المصحف الورقي لا النتي فانه سيقترب اكثر من معرفه الله ..
    مساهمات الانسان الخيريه سواء بقصد او بدون قصد لا تكفل للانسان الخلاص من عذاب الله للانسان روحيا بعد الموت // واول طريق للنجاة من العذاب الحقيقي هو الايمان بالله ووحدانيته واعمار الارض لا افسادها وحب مخلوقات الله باعتدال والاهتمام بحياة وطعام الجوعى من المؤمنيين اولا والمجاوريين للمنزل الانسان ..

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left