وداعاً مي عريضة أيقونة مهرجانات بعلبك الدولية

عروس مدينة الشمس تغيب بعد تحقيق حلمها

ناديا الياس

May 14, 2018

بيروت – «القدس العربي»: غيّب الموت سيدّة الزمن الجميل مي عريضة الرئيسة الفخرية لمهرجانات بعلبك الدولية التي صنعت لبعلبك عزّاً وللبنان مجداً ثقافياً وجمالياً وابداعياً، وذلك عن عمر يناهز الـ 92 عاماً هي التي وصفت بأنها أيقونة بعلبك.
وعاشت ميّ عريضة حياة ثرية بين لبنان والعالم سواء الطفولة المغناج أو المراهقة الشقيّة التي قضتها مع شقيقها رينيه بين التزلّج والسباحة وصولاً إلى قصر سرسق وزواجها من إبراهيم سرسق، الاّ أنّ هذا الزواج لم يخل من وقع الخيانة والحياة المتقلبة. والسّر الذي لا يعرفه كثيرون أن مي عملت مديرةً لمكتب الجنرال سبيرز في بيروت وسكرتيرته الخاصة، والسرّ الأكبر انها سافرت إلى مصر والتقت الملك فاروق الذي دعاها إلى الرقص معه قبل أن تهرب منه هي وزوجها إلى بيروت إثر اكتشافهما رغبته فيها… هكذا كانت حياتها بين الرخاء والشقاء، بين الخيانة والتحرش. عاشت مي لبنان المعاصر منذ تأسيسه في بداية العشرينات، مروراً بمرحلة الانتداب وصولاً إلى مرحلة الحرب المرّة وتداعياتها، ويبقى الأبرز في حياتها الارستقراطية، مهرجانات بعلبك الدولية.
هذا ما يمكن اختصاره عن حياة عريضة نقلاً عن كتاب «مي عريضة حلم بعلبك « للشاعر المسرحي والمخرج نبيل الأيض الذي ضمّ مجموعة من الذكريات والروايات التي قصّتها عليه عريضة بنفسها .
ومن الذكريات التي ترويها عريضة كيف تحوّلت إلى سفيرة لكريستيان ديور في نيويورك يوم زارت المدينة برفقة النجمين السينمائيين بربارا ستانويك، وروبرت تايلور، حيث التقط المصوّرون يومذاك صوراً لها وهي ترتدي ثوباً من تصميم ديور، ونُشرت هذه الصور في الجرائد، وكانت بمثابة إطلاق موضة «نيو لوك». أمضت مي مع زوجها عشرين يوماً في نيويورك، ثم انتقلت إلى لندن حيث حلّت في ضيافة الرئيس كميل شمعون وزوجته زلفا لأسباب طارئة، وتابعت هناك أهم النشاطات الموسيقية والمسرحية، وافتتنت بمارغوت فونتاين، (بعد ثمان وعشرين سنة، استقبلتها في بعلبك حيث لعبت المسرحية نفسها مع نجم صاعد يُدعى رودولف نورييف). قال لها كميل شمعون: «لو ساعدني الله، ولو وصلت إلى الحكم، سأعمل شيئاً من أجل قلعة بعلبك». وبقيت هذه الكلمات محفورة في ذاكرتها. في صيف 1955، مرّت «فرقة الكوميديا الفرنسية» في لبنان، وقدمت على مسرح باخوس أربع مسرحيات كبيرة وفتحت هذه العروض الباب أمام تحقيق حلم بعلبك. وفى الرئيس شمعون بوعده، وشكّل لجنة بعلبك. ضمّت هذه الجنة ايليا أبو جودة، كميل أبو صوان، نينا جيديجيان، جان فتال، سليم حيدر، خليل هبري، جان سكاف، فؤاد صروف، وعيّنت إيميه كتانة رئيسة لها، واختيرت سلوى السعيد مسؤولة عن النشاط المسرحي، وعُهد إلى مي عريضة كل ما يختص بالحفلات الموسيقية.
كما تروي مَيّ عريضة مطالع المهرجان: نحن سنة 1957، إِيغور مُويـيـسِّـيـيڤ في لبنان، تطلب إِليه اللبنانيةُ الأُولى زلفا شمعون تدريبَ مدرّبين على الرقص فكان مروان وبديعة جرار، ثم تطلب إِلى عاصي ومنصور الرحباني تحضيرَ مسرحيةٍ غنائية وقَّعَت لها فيروز على عَقْدٍ بليرةٍ لبنانيةٍ واحدة تخفيفاً لمصاريف اللجنة فكانت «إِيّام الحصاد» لَيلتَين (31 آب/أغسطس و1 أَيلول/سبتمبر 1957) بأَلحان الأَخَوَين رحباني وفيلمون وهبي وزكي ناصيف، وإِخراج صبري الشريف، وكوريغرافيا مروان ووديعة جرار، وتوفيق الباشا لقيادة الأُوركسترا، ومحمد شامل ومحيي الدين سلام للإِدارة، ودهشة الجمهور من عتمةٍ كاملةٍ على أَدراج هيكل جوﭘـيتر ثم شَعَّ نورٌ من أَسفل الأَعمدة أَطلَّت منه فيروز كما من فراغ الليل تُنْشد «لبنان… يا أَخضر حلُو عَ تلال»، وكان تصفيقٌ طويلٌ من جمهورٍ موشَّحٍ بدموع المشهد الرائع تَبِعَتْهُ أُغنية زكي ناصيف «طَلُّو حبابنا» ورقصة «هيك مشق الزعرورة» وغناء نصري شمس الدين.
وتوالَت بعدها إِلى هياكل بعلبك الأعمال الابداعية: لويس آراغون، جان كوكتو، إِيلاّ فيتزجيرالد، ﭘلاسيدو دومنغو، أُمّ كُلثُوم، فرَانْك سيناترا، هربرت ﭬـون كارايان، شارل مونش، ماتيسلاڤ روستروﭘوﭬـيتش، موريس بيجار، إِيغور مويـيسِّـييڤ، مارغو فونتين، جان لوي بارو، جنـﭭياڤ ﭘاج، مادلين رينو…
وزير الثقافة غطاس خوري نعى عريضة بقوله «انّ لبنان فقد برحيل السيدة مي عريضة لبنان شخصية نسائية رائدة عملت على إبراز وجه لبنان الحضاري والثقافي وحفظ مكانة له على خارطة المهرجانات الدولية، ولا يمكن ذكر مهرجانات بعلبك إلا ويكون اسم السيدة عريضة حاضراً في بالنا».
واضاف: «مي عريضة عروس مدينة الشمس، المواكبة دائماً لكل الفاعليات على مدرج جوبيتر وهيكل باخوس، حيث أثبتت انها السيدة الجديرة بقيادة المهرجانات ولجنته إلى المستويات اللائقة محليا وعالميا».
واختتم: «نتقدم من عائلة الراحلة ومن لجنة مهرجانات بعلبك رئيسة واعضاء، وجميع اللبنانيين بأحر التعازي سائلين المولى ان يتغمدها بواسع رحمته، وأن يلهم أهلها ومحبيها الصبر والسلوان».

وداعاً مي عريضة أيقونة مهرجانات بعلبك الدولية
عروس مدينة الشمس تغيب بعد تحقيق حلمها
ناديا الياس
- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left