الحُجُب تخلق الآلِهة!

شهباء شهاب

May 15, 2018

من بعيد يلوحون لنا، من خلف حُجُبهم المعتمة المسدلة، كآلِهةٍ من نورٍ يضيء ويبرق، فيخطف أبصارنا الناظرة لهم، والمحدقة في تفاصيلهم وحياتهم. لا نكاد نتصور أبداً أنهم بشرٌ مثلنا، من لحمٍ، ودمٍ، وحاجاتٍ، ونقاط ضعفٍ، وعيوبٍ، ونقائص، ومآخذ.

سبر عميق للحياة

لطالما أعجبت به هو، روبن وليامز، أحد نجوم هوليوود المفضلين لدي، بوجهه الذي تشع منه ومضات الطيبة، والوداعة، والسماحة. ومما زاد من إعجابي به، هو قوله الذي أصبح قولاً ماثوراً، أن الوحدة ليست هي أسوأ شيء في العالم، لأن أسوأ شيء في العالم هو أن تعيش، أو تصاحب، أو تعاشر من يجعلك تشعر على الدوام أنك وحيدٌ ومعزول. وهذا القول لا يدل إلاّ على سبرٍ عميقٍ للحياة، ومعاناةٍ سريةٍ كان النجم الكوميدي يعيشها داخل نفسه بعيداً عنا.
الحُجُب، والبعد، والمسافة هي التي ترفع البشر العاديين إلى منزلةٍ تجعلنا لا نراهم إلاّ آلهةً تدور حول رؤوسهم هالاتُ القداسةِ، وتحيطهم إشعاعات الغموض والعظمة. وكّلما كانت الحُجُب سميكةً، وعظمت المسافات بيننا وبينهم، كّلما إزداد الغموض، وأرتفعت مشاعر التقديس، والتأليه لدى الجمهور. الألفة، ورفع الكلفة، والمُباسطة، والتواضع الزائد مع من لا يستحق، أو من لا يقدر الأمور حق قدرها تُفسِد القداسة، وتخدش المقام، وتقلل القيمة.

المسافات مع الجمهور

فلازال الكثير من المبدعين من كتاب، أو فنانين، أو غيرهم من مشاهير يحرص على إبقاء هذه الحُجُب، والمسافات الضرورية، بينهم وبين جمهورهم، حفاظاً على الصورة المقدسة لهم في عقول الناس. بل حتى بيننا نحن وبين أصدقائنا، وأقربائنا، وجيراننا لا ينبغي لنا أن نزيح جميع الحُجُب، أو نزيل كل المسافات التي بيننا وبينهم، ولا أن نرفع كل الستائر الموصدة، بل لابد من ترك بعض الستائر مسدلة، ولابد من الإبقاء على بعض المسافات قائمة وفاصلة للحفاظ على الإحترام واللياقة الذين باتا أمران نادران، لا يفقههما الكثير من النـاس في يومـنا هـذا.
الكتاب الجديد، الذي يحكي سيرة روبن ويليامز، يطلعنا على الحياة المضطربة، والمرتبكة التي كان يعيشها هذا النجم بعيداً عنا، نحن جمهوره العريض شرقاً وغرباً.غيرُ المشاهير، من الناس، لايفهمون كيف يمكن لنجمٍ كوميدي، عريض الشهرة، وناجح أن يفشل كزوجٍ مثلاً، ولأكثر من مرةٍ. يصوّر كتاب السيرة الجديد روبن ويليامز على أنه كان شخصاً قلقاً، لا يشعر بالأمان والإستقرار، رغم كل نجاحاته، كفوزه بالأوسكار، وجائزتي إيميز وكراميز. كانت المنافسة مع نجوم الكوميديا الآخرين تقلقه، وكذلك كان يعاني قلقاً بشأن شؤونه المالية الشخصية، رغم أنّه كان يحصل على أجرٍ قدره خمسة عشر مليون دولار عن الفلم الواحد.

النجوم التعيسة

نحن أبناء الأرض يصعب علينا أن نصدِّق أن النجوم غير سعيدة، ونحن نراها تتلألأُ أمامنا كحباتِ لؤلؤٍ أبيضٍ منثورٍ، يملأُ حياتنا القاسية جمالاً ورونقاً. نحن أبناء الأرض نكاد لا نصدق أن النجوم تخون، أو ترتكب الفاحشة والمُوبقات، أو تُدمن العقاقير. نحن أبناء الأرض نكاد لا نستوعب أن الآلهة التي صنعناها نحن بإهتمامنا، وبعشقنا، وبعيوننا، وآذاننا، وعقولنا يمكن أن تهوي وتسقط إلى حضيضِ نقائصنا، وعيوبنا، وخيباتنا، وأخطائنا الفادحة، و زَّلاَّتنا والمُهْلكة، وجروحنا التي لا تُرَّمَمُ ولا تندمل.
عامة الناس لا يستوعبون أنّ المشاهير غير سعداء، وأن الحزن والتعاسة قد عرفا طريقهما إلى قلوبهم ونفوسهم. هل يعقل هذا، هل يعقل أن روبن ويليامز، أو ويتني هيوستن، أو داليدا، وغيرهم من النجوم الذين إنسحبوا من الحياة بإرادتهم، والذين عشقناهم حداً جعلنا نظن أنهم ليسوا بشراً مثلنا، هل يُعقل أنهم لم يكونوا سعداء، رغم كلّ الشهرة العريضة، ورغم كلّ الأضواء المسلّطة عليهم، ورغم كل الثراء الفاحش، ورغم تعدد تجارب الحب والزواج، ورغم عشق الجماهير لهم.

أماني البسطاء

لماذا تحزن النجوم، وتنطفئ، وتنسحب إلى الخلف، وتتوارى عن الحياة. ماذا سرقت الشهرة والثراء منهم. أقصى أمانِيّنا، نحن أبناء الأرض، فرصةَ عملٍ تدّر علينا ما يكفي لأن نعيش بسترٍ، وكرامة، بل أنّ أقصى أمانِيّ كثير من البشر أن ينام تحت سقفٍ مريحٍ، ويأكل ثلاثَ وجباتٍ يومياً، ولا يحسّ برداً، أو قيضاً. أقصى أمانِيّنا، نحن أبناء الأرض، أن يمرْ الحب بنا مرةً في العمر، وأن لا يتجاهلنا، أو ينسانا في زحمة الأبواب التي يطرقها، ويمرّ بها.
ولكن مَنْ الذي أعطى للنجوم، نجومنا، هذه الألوهية، وهذه القيمة، فأصبحنا لانراهم كائناتٍ تمشي على الأرض، مثلنا، بل كائناتٍ تحلِّق بعيداً في فضاءٍ آخر بعيد. نحن، جمهورهم، مَن أعطاهم هذه القيمة الكبيرة، وليس أيّ أحدٍ آخر، ونحن من رفعناهم إلى مرتبةٍ أسمى وأعلى من مرتبة أبناء الأرض.
وقد أصابت لعنة النجوم كثيراً منهم، فلم يعودوا يرغبون في خوض غمار حياتنا الدنيا، فإقتلعوا حياتهم من بيننا عنوةً، ورحلوا إلى حياةٍ أخرى، إختاروها كبديل لحياتنا هذه. حياة النجوم، تعطي القداسة، وتنزع أشياء أخرى كثيرة. وأهم تلك الاشياء التي تطفئها هو السلام الداخلي، وحماسة الحياة، والتفاؤل، والأمل، والثقة بالله. فمن مفارقات الحياة أن لا يشعر بالسعادة مَن يكون كلّ شيءٍ مباحا لديه، وكلّ شيءٍ عند أطراف أصابعه، وفي متناول بنانه.

كاتبة من العراق

الحُجُب تخلق الآلِهة!

شهباء شهاب

- -

3 تعليقات

  1. جميل جدا وعميق وانساني ماكتبتيه لنا اليوم وماتخطه اناملك دوما سيدتي الراقية…
    ذوق انساني رفيع في تحديد موضوعاتك…
    لكِ منّي كل الاحترام والتقدير…

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left