تداعيات انسحاب ترامب من الاتفاق النووي على دول الاتحاد الأوروبي

بيير لوي ريمون

May 15, 2018

هل تحطمت امال صمود اتفاق فينا الموقع سنة 2015 بين الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس أمن الأمم المتحدة زائد ألمانيا، وايران ؟
بعد أن استشرف العالم آفاقا وردية تنذر بانقشاع الغيوم بين قوى المعسكر الغربي -وعلى رأسه امريكا -وايران، بدا وكان إعلان ترمب عن قرار كان متوقعا ان يفرض على الجميع منطق الخطوات إلى الوراء، جسد فعلا مبدأ إدارة أحادية الجانب للعلاقات الدولية. 
صار التحدي الأكبر إذن تفنيد هذا الاعتقاد، وبات السؤال معرفة إلى أي حد يمكن تحويل دفة قيادة أحد أعوص الملفات الراهنة في اتجاه مختلف.
يمثل هذا التساؤل السيناريوالمطروح الآن أمام القيادات الأوروبية وفي مقدمتها فرنسا التي استشعر رئيسها مبكرا تصدعات في موقف ترامب من الاتفاق جمعت بين رغبة لا رجعة فيها في فسخ إنجازات اوباما، ونقطة محورية تكمن في شن حرب اقتصادية على باقي دول العالم (ان استثنينا الصين التي يجد ترمب نفسه مضطرا إلى تليين عريكتها).
في ظل اتخاذ المحور الاقتصادي إذن كوسيلة لانسحاب أمريكي من الاتفاق، ماهي الخيارات المطروحة أمام الاتحاد الأوروبي، وقد صارت قيادتها بوضوح من نصيب ايمانويل ماكرون من الآن فصاعدا، للإبقاء على اتفاق عدول إيران عن تطوير السلاح النووي ؟
لوحصرنا حجم الاستثمارات الأوروبية في إيران في الحالة الفرنسية لامكن لنا قياس مدى أهميتها لفرنسا وحدها : في قطاع الطيران، تصدر شركة إيرباص إلى ايران 100 طائرة في العام الواحد، أما شركتا رونووبيجوPSA لتصنيع السيارات، فينتج كل منهما 300000 و700000 نسخة من سياراتها في ايران سنويا. هذا وقد وقعت شركة توتال اتفاقا للامدادات الغازية وصل إلى 3.4 بلايين من الدولارات. كما استثمرت شركة Accor للفنادق في إيران منذ فترة. 
أمام هذا الوزن الاقتصادي الذي تمثله الشراكة الفرنسية الإيرانية، لم يكن بدا لايمانويل ماكرون من أن يشمر عن ساعده لإنقاذ الاتفاق. 
والتحدي لن يكون سهلا. يظل عالقا بذاكرة الفرنسيين كيف فرضت الولايات المتحدة على شركة BNP Paribas المصرفية الفرنسية في سنة 2015، في خطوة وصفت انذاك بغير المسبوقة، غرامة 9 ملايير من الدولارات لتخطي الشركة باستثماراتها في القطاع المصرفي الإيراني، الحظر المفروض الأمريكي على إيران وكذلك كوبا والسودان. وبالتالي، أصبح التفكير قائما أوروبيا في اعتماد عملة غير الدولار للقيام بالتحويلات المصرفية بينها وايران لتفادي عقوبات أخرى مستقبلا. 
والسؤال المطروح هنا، هوما إذا كان الاتحاد الأوروبي قادرا على مواجهة الحرب الاقتصادية التي ستفرضها الامبريالية الأمريكية من الآن فصاعدا على باقي الدول وقد بدأت فعلا بفرض الرسوم على واردات الفولاذ والالمينيوم وتتواصل الآن بالانسحاب من الاتفاق النووي مع ايران. لكن يجب النظر أيضا إلى كيفية معالجة الأمور إيرانيا. من المهم الإشارة إلى أهمية الاتصال الهاتفي الذي أجراه الرئيس ماكرون من المانيا مع الرئيس الروحاني، ومن المهم التنويه بتشديد الأخير على رغبته ب»عمل كل ما يمكن» من أجل صمود الاتفاق، لكن هناك نقطتين لا ينبغي اهمالهما:
- تذكير الرئيس الإيراني أن هذا الاتفاق مرهون بال»منافع الاقتصادية» التي يمكن لإيران أن تجنيها منه.
- ضغط الجناح الإيراني المحافظ الذي يرفض الاتفاق رفضا قاطعا.
يظل هامش مناورة الاتحاد الأوروبي الأوفر حظا الاعتماد على ما يسمى بـ»قانون التجميد الأوروبي « القائم على تجميد التبادلات الأمريكية الأوروبية تضامنا مع الشركات الأوروبية التي صار يزداد حجم استثماراتها في إيران من الآن فصاعدا.
ومن منظور جيوسياسي وليس اقتصادي بحت، يجب التذكير بأن الاتفاق الموقع اتفاق لا يزال يجمع إيران بخمس قوى دولية، الدول دائمة الأعضاء في مجلس أمن الأمم المتحدة ناقص امريكا وزائد ألمانيا، ويجب التذكير أيضا بأن هذا الاتفاق أفرز عن قرار أممي (2231). كما لا ننسى دعم كل من الصين وروسيا للاتفاق.  كل السؤال المطروح الآن هوهل يمكن لباقي دول العالم أن تفرض مواصلة دخول مرحلة جديدة من العلاقات بين إيران والعالم رغم العراقيل التي ستواجهها من امريكا وحليفها التقليدي إسرائيل، مدعومتين بالمملكة العربية السعودية. 
باحث أكاديمي وإعلامي فرنسي

تداعيات انسحاب ترامب من الاتفاق النووي على دول الاتحاد الأوروبي

بيير لوي ريمون

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left