متى تُهزم الأمم؟

د. بسام الساكت

May 15, 2018

تمر الأمم كما يمر الفرد في مراحل نموٍ وتراجعٍ وجمودٍ ونهضةٍ وكسادٍ ونصر وهزيمةٍ، وجميعها حالات عابرة، تطول وتقصر، ولها أبعاد كبيرة. والأمر الذي يديم الفرد والمؤسسة والدولة هو إعمال العقل لغاية «إدراك فحوى المحنة أو المرحلة» والعمل على تجاوزها، باستثمار طاقات الفرد وذكائه وطاقات الأمة/ من رؤوسٍ مفكرةٍ، وقيادات ومؤسسات قدوة، واتباع نهج تمتين طاقات الوقاية من الحرائق، أكثر من العناية بمكافحتها.
لقد شاهدنا وعبر العقود والقرون الماضية، كيف أن دولا تجاوزت بعزمها، المحن الذاتية والأزمات، وواصلت الإنجاز وأدامت المسيرة.
ويحضرني هنا كيف تجاوزت ألمانيا وكوريا الجنوبية، انهزاماتهما العسكرية بفعلٍ جاء من الخارج فقط، حيث هدمت بنيتهما المادية، وتهدم اقتصادهما، لكنهما وقفتا مجددا، واستخدمتا «الآلية الناعمة» من عقل وذكاء أبنائهما، وثروة معرفية، وسيادة القدوة الحسنة في المواقع، وسيادة النظم والقانون والعدالة، وحسن التدبير في الإدارة والموارد، وتواصلتا مع العلم والعالم، فأعادتا البنيان وأكثر. إنهما لم «تهزما من الداخل». ذلك هو السر وراء صمودهما، وتفوقهما، واستمراريتيهما وتراكم ثرواتهما المادية والمعنوية .
ولا أراني أغفل أبداً عن تذكر حال أمتنا العربية والإسلامية، حين غزاها الإفرنج بعد تفرقٍ وضعف، ثم وقفت، وانتصرت بقيادة صلاح الدين الأيوبي، فأعادت البنيان، وتقدمت ووحدت الأمة. ولا أراني هنا أركز على الماضي حتى لا أتهم باجتراره. ما أود قوله، هو قناعة مدروسة. ويكفي ذوو العقل منا، في بعض أقطارنا العربية، أن يفتحوا أعينهم وعقولهم عما يجري حولهم ليصلوا فوراً إلى حقيقة الخطر الذي يهدد أمتنا، وسيداهمنا أكثر، إن استمرت الأحوال.
إنني لا أعد الفقر المادي تخلفاً وهزيمةً للفرد والمؤسسات، بل العجز المعنوي هو الهزيمة الحقيقية؛ ولا أعد تدمير البنية المادية، والضعف، وسيطرة الخارج على البلاد عسكرياً في الحروب، وحتى في ظروف السلم، هو انهزامٌ، بل اليأس والانهزام من الداخل، هو الهزيمة الحقيقية: أليس الجهل وتردي مستوى التعليم صورةً من صور الفقر والهزيمة؟ أليس تولي ضعافٌ أو متدنو الكفاءة إدارة المؤسسات أو الشركات، هو حالةٌ تُفشل ولاة الأمر والمؤسسات وتضعفهما؟ وحين تغيب القدوة الحسنة عن مواقع المسؤولية العامة، وتضعف أو تغيب المساءلة، أليس ذلك كله عجز وثقب كبير في البناء الوطني ونماذج إحباطٍ تنشر حالة تيئيسٍ للفرد والوطن، ومعادلة رياضيةٍ هي مقدمةً للهزيمة من الداخل؟ وحين تسود البيروقراطية وتهبط الكفاية والنمو وهيبة القانون وأهله، ويغلق المسؤول بابه أمام المواطن، أليست تلك «مقدمات لضعف في المناعة الداخلية؟ أليس تكاثر المصفقين والمبخرين حول المسؤول، وضعف الرقابة والمساءلة، هي تجذيفٌ عكسيٌ وحوافز سلبية تعزز إساءة استخدام السلطة، بل خطر على أمن المسؤول نفسه، وعجز وثقب كبير في الجدار الوطني؟ وصدق من قال: «من مأمنه يؤتى الحذر»؛ أليس تجاهل البناة، هو صورة سلبية تولد الإحباط والاغتراب عند الأجيال – الحاضرة والقادمة؟ وحين يكون نموذج التنمية المطبق نموذجاً «لا قلب» له على المواطن الأقل حظاً، وحين تطول إجراءات التقاضي وتضعف سيادة القانون، ويضعف استقلال القاضي أمام تدخل ونفوذ الأقوياء، أليس ذلك هو مقدمة تيئيس للمواطن من تحقيق العدل، وضياع حقوقٍ، وخفةٌ في الموازين، تدفع الفرد الى اللجوء إلى العشيرة والطائفة والعرق، لا للاحتكام للتشريع والقانون.
إن ذلك تجاوزٌ على الشرعية وقواعد المواطنة وبوابة للقوى الخارجية ؟ أليس ذلك كله مقدمات للهزيمة من الداخل؟ ألم يكن ابن خلدون، العالم التونسي صادقاً ومصيباً، قبل أكثر من سبعة قرون، حين اعتبر حتى هبوط «الكلمة» في «صناعة الغناء» مقدمةً وقرينة لخراب العمران، ومن بعد الهزيمة؟ أليست اللامبالاة وانشغال الشباب والشابات، وبالأخص المتعلمين، وابتعاد ذوي القدرة المالية والمترفين، عن المساهمة في البناء وتهربهم من الضريبة وتحمل المسؤولية الاجتماعية الوطنية، وشغفهم بقشور سلوكيات أمم متقدمة بعيداً عن هموم الوطن والامة العربية، والانشغال المتزايد بالتباهي الاستهلاكي الاستعراضي وملاحقة تطورات أنماط اللباس والغذاء والغناء، في بلاد الأثرياء، بدلا من التنافس على المعرفة والعطاء، وحفظ التراث والتطوع، وإنقاذ الأقل حظاً؟ ألا يعد ذلك هبوطاً وعجزاً معنوياً وهزيمةً ثقافية؟ إلخ من الشواخص والمقدمات للهزيمة من الداخل. إن الأمم الحية لا تهزمها القوى الخارجية بالضرورة. وأمتنا العربية، رغم كل الضعف لم تمت. وإن حدث وغلب على أمرها وتفوقت القوى الخارجية عليها، فذلك أمر مرحلي، لا يستديم، بقدر ما تهزم الأمة نفسها، بإهمالها الداخل .
وزير أردني سابق

متى تُهزم الأمم؟

د. بسام الساكت

- -

1 COMMENT

  1. اين كنت ايها المواطن المسؤول الشريف !!!!
    كيف يمكن للدولة ان تستغني عنك وترضى بان تتركها بدون نصائحك الحقيقية الصادقه والنابعة من صدق الانتماء للارض ..
    فليبارك الله بك لاجل ان تساهم فانت لا يمكن للدولة الحضاريه ان تتركك.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left