الحرية الرئيسية في المغرب هي حرية رفع الأسعار

 

د. حسين مجدوبي

May 15, 2018

يخوض جزء مهم من الشعب المغربي حملة مقاطعة مجموعة من المنتوجات الاستهلاكية، ردا على رفع الأسعار، بعدما أصبحت الحرية الوحيدة في البلاد هي حرية رفع الأسعار. وبدأت هذه الحملة تؤدي إلى نتيجة أخرى، وهي التساؤل حول مآل ثروات البلاد الموزعة بشكل غير منصف نهائيا، وتريد الدولة المغربية، رغم انقسامها مواجهة الحملة بعنف القانون.
اندلعت الحملة منذ شهر تقريبا، وتثير الكثير من التساؤلات بحكم من يقف وراءها، ولماذا استهدفت منتوجات معينة وهي، مياه معدنية وشركة للحليب وشركة لتوزيع الوقود والغاز دون منتوجات أخرى. ورغم التساؤلات وبعضها مغرض، استقبل جزء كبير من الشعب المغربي الحملة بحماس حقيقي، وانخرط فيها بقوة، وتراجعت في بورصة الدار البيضاء أسهم الشركات المنتجة للمواد المستهدفة من الحملة.
وبدون البحث عن أسباب كثيرة لتفسير هذه الحملة أو تأويلها، فهناك سبب مركزي ورئيسي وراء انخراط المغاربة في الحملة، هو المعاناة اليومية مع قوت العيش، ما يجعل المقاطعة مشروعة. ونسرد أبرز الأسباب التي يبرر بها دعاة المقاطعة هذا العمل السياسي والاجتماعي في آن:
أولا ـ ارتفاع الأسعار في المغرب بشكل جنوني، وقد أصبحت أسعار بعض المواد الاستهلاكية الرئيسية تتجاوز أسعار نظيرتها في دول الاتحاد الأوروبي، علما بوجود فارق شاسع بين دخل الفرد في الدول الأوروبية ودخله في المغرب، وهو فارق يصل إلى عشر مرات على الأقل، لو قارنا مثلا إسبانيا مع المغرب. ومن المظاهر المأساوية حول الغلاء الجنوني يعد المغرب ربما البلد الوحيد في العالم الذي تتجاوز فيه فاتورة الماء والكهرباء أجور بعض المتقاعدين من المواطنين.
ثانيا ـ تقاعس الدولة عن تفعيل مجلس المنافسة المنوط به مراقبة تلاعب الشركات بالأسعار، وعدم تفعيل الدولة للمجلس يجعلها شريكة في جريمة التلاعب بالأسعار، لأنها تركت المواطن بين مخالب شركات تسعى فقط وراء الربح السريع وبطرق بشعة. وصرح رئيس مجلس المنافسة الاقتصادي عبد العالي بنعمور، أن الدولة تجنبت تعيين أعضاء مجلس المنافسة منذ سنوات، ما جعل المواطن فريسة سهلة في يد الشركات. والمفارقة هنا أن الدولة التي تسارع إلى استعمال العنف السياسي في مواجهة الاحتجاجات الاجتماعية، كما جرى في الريف، تتآمر بطريقة أو بأخرى ضد مصالح الشعب بعدم تفعيل مجلس المنافسة منذ سنوات.
ثالثا ـ تحولت المقاطعة الى تعبير شبه جماعي عن رفض تحويل المسرح السياسي، على الرغم من سلبياته، إلى ساحة يتحكم فيها البارونات الجدد للاقتصاد، الذين يجمعون بين المال والتحكم في قرارات الدولة. وعلاقة بهذا، من ضمن الشخصيات المستهدفة بالمقاطعة وزير الزراعة والصيد البحري عزيز أخنوش، صاحب شركة إفريقيا لتوزيع الوقود، يفترض أنه مرشح لرئاسة الحكومة سنة 2021، وهو الثاني أو الثالث في ترتيب المليارديرات في البلاد.
رابعا ـ هذه المقاطعة هي نتاج فشل النموذج التنموي، الذي اعترف به المسؤول الأول في هذا البلد، الملك محمد السادس في بعض خطاباته، لكن بدون تصحيح هذا الفشل بنموذج بديل. كما تأتي في ظل ارتفاع خطير للفوارق الطبقية في البلاد، حيث يزداد بارونات المال والسياسة غنى ويتم تفقير الشعب. وهذه الطبقية ليست من سنن الحياة، أي وجود فقير وغني، أو عبر الممارسة الشريفة التي تعني النجاح للكثيرين، بل هي في العمق نتاج الاحتكار المقيت من طرف شخصيات وعائلات لقطاعات معينة مرتبطة بالاستهلاك. وهذه المقاطعة تطرح بشكل أو آخر ضرورة الجواب على السؤال الذي يطرحه الشعب، بل حتى الملك والمعلق منذ سنوات: أين هي الثروة؟
والبحث عن حل مقنع للمقاطعة، يجب ألا يتم عبر تكرار الدولة سياستها الخاطئة التي نهجتها في الريف، المتمثلة في الاعتقالات التعسفية وتوظيف قضايا مثل الانفصال في مواجهة مطالب اجتماعية بسيطة، وهي السياسة التي وظفتها ضد حراك جرادة شرق البلاد، بل عبر حلول راديكالية وشجاعة، لمواجهة تردي الأوضاع المعيشية، جراء الاحتكار المقيت لقطاعات حيوية تعتبر ضمن الأمن القومي الشامل للبلاد. وما قامت به الحكومة المغربية حتى الآن هو صب الزيت على النار، فقد صدرت نعوت قدحية من وزراء ضد المقاطعة، وهددت المقاطعين، خاصة ناشطي شبكات التواصل الاجتماعي بالملاحقة القضائية تحت مبرر نشر أخبار زائفة، اي ما يدخل في «فايك نيوز».
ويسود قلق حقيقي في دواليب الدولة المغربية من احتمال انتشار المقاطعة لتمس منتوجات بارونات آخرين مسيطرين على الاقتصاد، ويحتكرون قطاعات معينة. فقد أدركت الدولة تحول المقاطعة الى أهم سلاح سلمي في يد الشعب للجواب على تردي الأوضاع.
وفي غضون ذلك، يعيش المغرب تراجعا في الحريات، ومنها حرية التعبير المرتبطة بالإعلام، فقد احتل المغرب هذه السنة المركز 135 في سلم تقرير مراسلون بلا حدود في التقرير الأخير، ويسجل تدهورا في حرية الاحتجاج السلمي، ويكفي الاستشهاد بما جرى من اعتقالات بالمئات في منطقة الريف شمال البلاد. بينما تبقى الحرية الوحيدة في البلاد التي تكفلها الدولة بدون رقيب هي حرية رفع الأسعار، لأن المغرب سقط في يد بارونات الاقتصاد. ولهذا، تبقى المقاطعة عملا مشروعا طالما لم يتم تصحيح الاختلالات التي أفقرت الشعب المغربي.
كاتب مغربي من أسرة «القدس العربي»

الحرية الرئيسية في المغرب هي حرية رفع الأسعار
 
د. حسين مجدوبي
- -

3 تعليقات

  1. بل الحرية الوحيدة في المغرب هي حرية رفع الاسعار من طرف الاحتكاريين الذي جمعوا السلطة والمال في يد واحدة واذا قاطعت فأنت خائن للوطن أو معتوه أو تحركك أيادي خفية للنيل من نجاح الناجحين فكل ناجح محسود ،، اللهم كثر حسادنا ،، هكذا يقولون في المغرب

  2. نعم هكذا نقول في المغرب: اللهم كثر حسادنا، والدليل أنك هرعت من بلدك لتعلق على أمر لا يهمك و لاصلة له ببلدك وتركت التعليق على ما يجري في بلدك. كيف لم تلتفت إلى السلخة التي كانت من نصيب الأطباء البارحة في وهران وفي غيرها؟؟؟ وكما يقول المثل عندنا: تركتْ باب منزلها وذهبت تكنس أمام بيت الجيران. اللهم كثر حسادنا. وأما أنت فاستيقض باكرا من أجل كيس حليب من الغبرة. وأما البطاطس فكان الله في عونها وقد أهل الله علينا اشهر الفضيل. رمضانَ مباركا كريما لمن صامه وصان جوارحه، وكل عام أنتم بخير.

  3. بلقاسم. على الأقل عندنا حرية وحيدة مع أنني لا أتفق في هذا مع الكاتب لأننا أحرار في حق التظاهر إبداء الرأي وما الحراكات إلا دليل على ذلك (ريف-جرادة-زاكورة الخ). أما عندكم يا مساكين لا حق في التظاهر، لا حق في إختيار الرئيس، لا حق في إبداء الرأي وكانكم غير موجودين. لذا أوصيك بالعهدة الخامسة وربما السادسة وما خفي أعظم

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left