التراث كائن متجدد ذاتيا… دائماً يخاطب الحداثة

الفنانة الفلسطينية سناء موسى

مبروكة علي

May 15, 2018

تونس – «القدس العربي»: ككل الذين استمعوا لها وأغرموا بتلك الجرعة الهائلة من الشجن جمعتني بالفنانة «سناء موسى «صداقة إفتراضية» تحولت في ما بعد إلى صداقة حقيقية شكلتها بدرجة أولى ما تحمله هذه الإنسانة الفنانة ـ هنا أقول الإنسانة قبل الفنانة لأن أي إنتاج إبداعي ما لم يحمل روح الإنسانية فهو مجرد عبث لا أكثر ولا أقل ـ من سمو أخلاقي وتواضع يجعلها قريبة جداً من الآخرين.
«القدس العربي» التقت في تونس بمناسبة حفلها ضمن تظاهرة الموسيقى العربية الجديدة يوم 11 أيار/مايو وكان معها هذا الحوار:
■ سنبدأ بسؤال تقليدي عن بدايات الموسيقى، خصوصا وأنك من بيت موسيقي ما الذي جعل الموسيقى تصبح قدراً ؟
□ ولدت في بيت موسيقي، ذاكرتي الموسيقية كانت مع جدتي وهي «تهلل» لي مع وجودي في بيت موسيقي، والدي موسيقي متمكن جيداً وأخوتي أيضاً، ولكن لم أدرك قيمة الموسيقى إلا عندما خرجت للدراسة في الجامعة وأحسست بغياب شيء مهم عني
لقد كانت الموسيقى تحتلني، أدركتُ ما افتقدته، وتوافق ذلك مع حادث أليم وهو موت «جدي»، جدتي قالت بيتاً شعرياً غير مكتمل وأنا أكملته رغم أنني لم أفهم ما قالته «ستي» ولكن بعقلي رجعت لطفولتي وتهاليل جدتي، نحن لا ننسى ما سمعناه ونحن أطفال يظل قابعا فينا إلى أن يأتي ما يحركه.
■ ما الذي يربط بين علم المخ والموسيقى؟
□ الفن كل عالمي والعلم كل عالمي، لا أتصور نفسي من دون أي منهما، والتعامل مع التراث يحتاج للبحث والإلمام العلمي بالمادة الموسيقية وتقديم العمل الفني يحتاج لرهافة الموسيقى وحساسيتها.
الموسيقى والعلم يتغذيان من بعضهما البعض، لا يمكن أن أكون فنانة صرفة ولا دكتورة صرفة أنا خليط من الاثنين من هنا، من هذا المزيج كان مشروع «إشراق» حيث ذهبت برفقة فريق لزيارة نساء كن يغنين التراث، كان مهماً لي مقابلة النساء بعمر جدي، التعلم منهن، وملامسة المادة في محيطها وفهم مسيرتها التاريخية والحكائية.
■ في «إشراق» كانت الخلفية صوت النساء، في مشروعك الجديد «هاجس» رغم وجود بعض الأغنيات التي حملت ذات الخلفية إلا أنك أيضاً اعتمدت صوت الرجال كخلفية كأغنية «السامر» والتي تشاركت الغناء فيها مع أخيك الموسيقار «علي موسى».
□هذا صحيح، الاسطوانة كانت انعكاساً لصوت الرجل لنجد مقام السامر والعتابة والاغاني الغزلية التي تغنى على لسان الرجال ويأتي هذا من باب التنويع الموسيقى ومحاولة لمس الذائقة الموسيقية المختلفة لجمهوري. والحقيقة أن الاسطوانة جاءت لتطرح هواجس الإنسان عامة سواء كان رجلاً أم امرأة، وجاءت لتعري تلك الأفكار والمخاوف والأمنيات التي تمر علينا وبنا، الحب /الوطن/ الفقد… هواجس إنسانية بقطع النظر عن الجنس.
■ لتعامل مع الموروث الشعبي أمر ليس «سهلاً» عكس ما يظنه البعض نظراً لطبيعته التي تعتمد أساساً الذاكرة الشفاهية، سناء كيف تختار نصها الذي ستؤديه ؟
□ مهمة صعبة حتى نقدم المادة الموسيقية التراثية بشكل صحيح يجب أن لا ننزعها من سياقها.
كيف من الممكن تقديم مادة موسيقية بشكل عصري ولا نفسد الأغنية هذا هو التحدي، كيف نعطي الاغنية شأنها من حيث الاشتغال على الموسيقى يكون فيه بحث واستثمار كل ما وصلنا عن المادة التراثية ومن حيث الخلفية المعاصرة للموسيقى لدعم الأغنية التراثية وليس لتسخيف الأغنية وتقديمها بشكل سيىء، لذلك في مشروع «اشراق» قدمنا الأغنيات مع أسماء النساء اللواتي غنين الأغاني، لم نحاول اقتلاع الأغنيات من سياقها فقط اشتغلنا على طريقة التقديم ليصير للماضي عبق اليوم،
ففي أغنية «نجمة الصبح» استخدمنا أصواتاً طبيعية لنساء كبيرات في السّن، إضافةً إلى العزف على الفخارة، والزغاريد، والتصفيق بالأيدي المشكوكة بالأساور والخواتم.
■ سناء موسى، خلفية بعض أغانيك أصوات عجائز، لكنها أصوات يقظة فيها روح، هل هنَّ أداتك للربط بين تراث تحاولين المحافظة عليه وحاضر تريدين خوض التحدي فيه؟
□ بالضبط، ليس هناك حاضر بلا ماضي، حتى صوت سناء فيه صوت «ستي» وكل الجدات، من المهم لي إخراج الشيء الجميل فيّ/فينا وتقديمه، كثير من النساء اللواتي قابلتهن تركن فيّ أثراً وأحببتُ أن يرى جمهوري هذا الأثر وهذه النسوة، التراث أو المادة التراثية هي السحر، ونحن – أنا والجدات اللواتي التقيتهن أو اللواتي لم ألتق بهن بعد – أداءة الوصل، ثمة حوار خفي بيننا والجمهور وبيننا والأمس واليوم واليوم والغد.
■ الأكيد الصفة الأبرز للغناء الشعبي هو ما تحمله هذه النصوص، «الهوية الفلسطينية» سمة بارزة وربما الآن الصراع الحقيقي مع العدو الإسرائيلي هو هذا، مدى تمسك الفلسطيني بهويته والحفاظ عليها حتى في تلك التفاصيل الصغيرة. لو تحدثنا سناء موسى عن هذا الصراع الوجودي من خلال مشروعها الغنائي تجاه القضية الفلسطينية.
□ لا أغني التراث الفلسطيني لأنني متزمتة لمنطقتي ، أنا نطقت بالموسيقى التي سمعتها والتي هي أغاني الفلسطينيات والتي تعود للتاريخ الكنعاني وتعود جذور هذا الأغنيات لملايين السنيين. والتراث يحكي قصصاً، ثمة أغنيات تعود لملايين السنين كنا نغنيها في بلاد الشام عامة وفي فلسطين على وجه التحديد، الأغنيات هوية أيضا، تحمل رائحة الأرض والناس وتفاصيلنا، الأغنيات تغمرنا. ولكن هنا لا بد لي أن أقول أن ما يميز التراث العربي تداخله، هناك ألحان جاءت من مصر أو سوريا أو اليمن أو من أي مكان آخر ليست لدي مشكلة.. أحب الموروث الشعبي لكل المناطق العربية ولن أتردد بالتعامل مع أي مادة تراثية غنائية أستطيع تقديمها بطريقة لائقة بها وبي.
■ هل تريد سناء موسى أن تجدد ، أم أنها تريد إخراج تلك الفطرية التي ينطوي عليها التراث إلى العلن ليكون نموذجاً أو خطاً موسيقياً جديداً ومعتمداً؟
□ التراث كائن متجدداً ذاتياً، دائماً يخاطب الحداثة، أغاني الأمس تجد مبررات لتكون ملائمة دائما وتلك حكمة أهلنا في صوغ المادة، ليس هناك داع للتقوقع، ليس هناك داع للخوف من التجديد أيضا طالما التجديد امتداد ومدروس و يحترم المادة والجمهور وليس التعامل مع الجمهور بتهور، الفن نتيجة تخمر وهذا يحتاج لوقت وجهد كبير، هناك الكثيرون الذين قدموا المادة التراثية عربياً ولكن الكثير أيضا تعاملوا باستخفاف معها فوقع سلخها وتشويهها، لا بد من احترام المادة وسياقها.

التراث كائن متجدد ذاتيا… دائماً يخاطب الحداثة
الفنانة الفلسطينية سناء موسى
مبروكة علي
- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left