رجال الأعمال حصدوا مكاسب بالمليارات ولم يدفعوا ثمناً في الإصلاح الاقتصادي والغلاء يفترس المواطن

حسنين كروم

May 15, 2018

القاهرة ـ «القدس العربي»: لا يزال الاهتمام الشعبي والصحافي كبيرا بقرار الحكومة زيادة أسعار تذاكر مترو الأنفاق في القاهرة بخطوطه الأربعة، الذي يستخدمه يوميا ثلاثة ملايين راكب. والزيادة تمت بعد تقسيم المسافات وتحديد سعر لكل عدد من المحطات، بحيث لا تصل إلى أكثر من سبعة جنيهات، وزيادة طفيفة في الاشتراكات مع إمكانية التوسع فيها، بحيث تكون محتملة إلى حد ما، وهو ما أدى إلى زيادات كبيرة في عدد طالبي الاشتراكات. ومطالبة النظام بالأخذ من الاغنياء لا الفقراء.
وقامت الشرطة بالتواجد بكثافة وبشكل سري على أرصفة المحطات وخارجها، لمواجهة أي محاولة احتجاج، ولكن شيئا من هذا لم يحدث ومرت الأمور بسلام. ولم ينتبه أحد إلى أن هذه الزيادة تقررت، لأن الحكومة تجري مفاوضات مع عدة بنوك أوروبية للحصول على قروض لتطوير الخط الأول من المترو، الذي يمتد من حلوان جنوب القاهرة إلى وسطها في ميدان التحرير، وبالتالي اشتراط هذه البنوك أن يكون لشركة المترو عائد مناسب، بحيث تتمكن من تسديد القرض. والمشكلة ليست في هذه الزيادة لأنها تمس شريحة من المواطنين في القاهرة فقط، ممن يستخدمون المترو، وإنما في الزيادات التي ستحدث في يوليو/تموز المقبل مع الميزانية الجديدة، في أسعار الوقود والكهرباء والمياه، ويقدرها البعض بأنها ستصل إلى حوالي ثلاثين في المئة، وستؤدي تلقائيا إلى رفع أسعار كل السلع، بالإضافة إلى أن أسعار السلع الغذائية اشتعلت لدرجة كبيرة مع اقتراب شهر رمضان، ويبدو والله أعلم أن هذا هو السبب في أن الرئيس السيسي أعلن عن بدء تلقيه أسئلة المواطنين ليجيب عليها قبل رمضان. ومن الأخبار الأخرى التي وردت في الصحف المصرية الصادرة أمس الاثنين 14 مايو/أيار قرار النائب العام المستشار نبيل أحمد صادق بإحالة مئتين وثمانية وسبعين من أعضاء تنظيمي حسم ولواء الإسلام إلى المحاكم العسكرية، من بينهم مئة وواحد وأربعون محتجزون فعلا احتياطيا، بالإضافة إلى خمسمئة وخمسة وخمسين من الجماعات الارهابية في شمال ووسط سيناء، سبقت إحالتهم إلى محاكم عسكرية، وكانت قوات الجيش والشرطة قد حققت نجاحات كبيرة ضدهم، بعد أن طبقت خطة تقسيم شمال ووسط سيناء إلى مناطق حصار شديد لمنع تنقل الإرهابيين من مكان إلى آخر، أو هروبهم من المطاردات من المناطق الصحراوية والجبلية من المدن، ومحاصرة المدن أيضا، واتخاذ إجراءات عنيفة ضد كل من يأوي إرهابيا أو لا يبلغ عنه، سواء كان قريبه أم جاره، بعد عبارة الرئيس السيسي سوف نستخدم القوة الغاشمة وعبارة منتهي العنف، ما أدى إلى تدفق كميات كبيرة من البلاغات عن أماكن اختبائهم، وهو ما يتضح من مداهمة الشرطة والجيش لعدد من المنازل في العريش والشيخ زويد وقتل من فيها من الإرهابيين.
واستمرار الهجمات العنيفة ضد أنصار التطبيع مع إسرائيل ومن حضروا احتفال سفارتها في ذكرى إنشائها. ولا يزال الاهتمام الأكبر منصبا على رمضان ومسلسلاته وامتحانات الشهادات الإعدادية والثانوية ومباراة الزمالك وسموحة على كأس مصر. وإلى ما عندنا….

الرئيس والتجربة الروسية

ونبدأ بكيف سيكون مصير الحكم في مصر بعد انتهاء مدة الرئاسة الثانية للرئيس عبد الفتاح السيسي عام 2022، وعدم تمكنه من الترشح لها مرة ثانية بعد مرور مدة أخرى كما هو الحال مثلا في أمريكا، حيث يحق لأي رئيس ظل في الرئاسة فترتين أن يرشح نفسه لها بعد فترة أخرى لغيره، وكما هو الحال في روسيا، حيث يرأس بوتين حزب الأغلبية ويتقدم للترشح للرئاسة فترتين متتاليتين، ويعين ميدفيديف رئيسا للوزراء، وبعد انتهاء الفترتين يقدم للرئاسة ويتولى هو رئاسة الوزارة والحزب طبعا، وهذه المشكلة أثارها الصحافي ياسر رزق رئيس مجلس ادارة مؤسسة «أخبار اليوم» والمقرب جدا من الرئيس السيسي، في مقاله الأسبوعي يوم الأحد في جريدة «الأخبار» ونقل مخاوف تداعياتها عن الرئيس نفسه لعدم قدرة الأحزاب السياسية، وكذلك مدة السنوات الثلاث المتبقية للرئيس على تقديم شخصيات تصلح لقيادة البلاد، وتحظى برضا المؤسسة العسكرية ودعمها، والتي أطلق عليها ياسر اسم المؤسسة النواة، وحذّر من إمكانية وجود تنسيق بين بقايا نظام مبارك برئاسة جمال مبارك والإخوان المسلمين وما أثاره مشهد مصافحة المشير محمد حسين طنطاوي وزير الدفاع الأسبق لكل من جمال وعلاء مبارك في عزاء خالد محيي الدين من تعليقات في وسائل التواصل الاجتماعي. ومما قاله ياسر: «ثمة شعور بالقلق ينبغي عدم إنكاره على مستقبل الحكم في البلاد، رغم أن الرئيس عبدالفتاح السيسي لم يؤد بعد اليمين الدستورية لفترة الرئاسة الثانية، المقرر أن تبدأ مطلع الشهر المقبل. وثمة إحساس بالخطر يتعين عدم مداراته إزاء ثورة يونيو/حزيران ومكتسباتها، رغم أنها لم تكمل بعد سنواتها الخمس الأولى، التي تحل ذكراها في نهاية الشهر المقبل. القلق مشروع والخطر موجود. مبعث القلق هو عدم ظهور قوى سياسية أو كتل حزبية قادرة على إنتاج شخصيات مؤهلة لتحمل المسؤولية الأولى وتبعاتها، يلتف حولها الشعب وتؤيدها المؤسسة النواة ومؤسسات الدولة الدستورية. مصدر القلق أن ثلاث سنوات من الآن مدة غير كافية لظهور وجوه سياسية صاحبة رؤية وكفاية وذات أعمار لم تبارح سن الشباب قادرة على النهوض بمهام رئيس دولة بوزن مصر ومكانتها، ومن ثم تبدو الساحة السياسية في المستقبل المنظور قاحلة جدباء في وقت يحدد الدستور سنوات مدة الرئاسة بأربع سنوات ويحظر على الرئيس أن ينتخب لأكثر من مدتين، بل يمنعه من أن يترشح في ما بعد حتى لو خلفه في منصبه رئيس آخر لمدة واحدة أو مدتين متتاليتين، أي أن سيناريو «بوتين – ميدفيديف» غير قابل للتكرار في مصر وفق مواد دستور 2014 الذي نقول بحسن نية إنه صيغ بنوايا حسنة».

منبع الخطر

ويواصل رزق كلامه قائلا: «وفي شأن الدستور ومواده رؤى ومقترحات تتناول أكثر من باب من أبوابه، ينبغي من الآن أن تكون محل حوار سياسي في الإعلام ونقاش جاد تحت قبة البرلمان، بدون تأجيل أو تباطؤ. أما منبع الخطر على ثورة يونيو/حزيران ومكتسباتها فيكمن في فريقين: في رجال مبارك الابن الذين يعاد تقديمهم إعلامياً وسياسياً، بعد غسل وجوههم وأياديهم مما ألحقوه بالشعب وبالبلاد. ويكمن أيضاً في أتباع جماعة الإخوان ممن يوصفون بأن أياديهم لم تتطلخ بالدماء، بينما هم مفارز الجماعة في التغلغل من جديد في مفاصل الدولة والتوغل في مؤسساتها، وما يدرينا لعل هناك من يهندس صفقة أخرى لعام 2022 تبدأ من الانتخابات العمالية ثم المحلية ثم البرلمانية، وصولا إلى الرئاسية المقبلة، قوامها الحكومة والبرلمان للإخوان والرئاسة لجمال مبارك. ولست أرى في ترافق الترويج لحادث صورة العزاء مع رواج حديث المصالحة بين النظام والجماعة مجرد مصادفة بريئة، فقد جرى استثمار الصورة التي يصافح فيها المشير حسين طنطاوي جمال مبارك وشقيقه علاء على غير حقيقة مشهدها، وتم استغلالها في المواقع الإخوانية وحسابات التواصل الاجتماعي ذات الهوى المباركي، لتبدو وكأنها تعبر عن اعتذار المشير طنطاوي لجمال مبارك عما لحق به وبأبيه بعد ثورة 25 يناير/كانون الثاني أثناء إدارة المجلس العسكري للبلاد، وهو بالطبع أمر يثير السخرية من كذبه المفضوح. وقد يقول قائل إن جمال مبارك كوالده وشقيقه محكوم عليهم بحكم بات ونهائي بالسجن في قضية القصور الرئاسية، وإنه لا يمكنه الترشح لأي منصب أو مزاولة الحياة السياسية إلا بعد حصوله على حكم يرد له اعتباره، لكن الذاكرة تعي أنه عندما أُريد لخيرت الشاطر أن يرد له اعتباره قبيل إغلاق باب الترشح لانتخابات 2012 فتحت أبواب المحكمة في يوم الجمعة وصدر له الحكم التفصيل، ففي بعض الأحيان تكون البلد بلدهم والدفاتر دفاترهم، ولعلي أظن أن الأستاذ جمال مبارك في حاجة إلى من يهمس في أذنه ناصحاً إياه بأن يُقَبِّل كفيه حمداً وشكراً على أنه لم يُحاكم سياسياً على ما أفسده في البلاد، وعلى محاولته قلب النظام الجمهوري، وأن يقر في بيته ولا يتبرج إعلامياً تبرج جاهلية عهد أبيه. أما القلق على مستقبل الحكم بعد انتهاء مدة الرئاسة الثانية فيقيني أن هذا الشعور يلازم الرئيس السيسي، بقدر ما ينتاب الرأي العام وربما أكثر، وليس سرا أنني عندما سألت الرئيس عن ذلك الشعور قال: إن القلق يساورني من الآن، فلا أحد يضمن عمره دقيقة واحدة والأعمار بيد الله، وسمعت الرئيس يتحدث عن أن أحد أهم أولوياته في رئاسته الجديدة هو تأهيل وانتقاء عدد من الشخصيات ذات الكفاءة والمقدرة لخوض الانتخابات المقبلة. ويظل البرلمان ونوابه طرفا أساسيا في مسألة الدستور، فلا أحد يريد دسترة الحكم المطلق، وفي الوقت نفسه، لا أحد يقبل أن تكون مواده مقصلة للإرادة الشعبية».

«كورال ولا يوم من أيامك يا مبارك»

ولكن أمس الاثنين أثار محمد الدسوقي رشدي في «اليوم السابع» المخاوف من دعوات فعلية لأيام مبارك، إذ قال تحت عنوان «كورال ولا يوم من أيامك يا مبارك»: «إن حدثوك عن مبارك وأيامه تحسس عقلك وفتش عن مصالحهم أو جهلهم، هم الخطر الحقيقي فاحذرهم ولا يوم من أيامك يا مبارك. تبدو تلك النغمة شاذة وخبيثة وسلاحا جاهلا يستخدمه البعض عمدا للتلاعب بمشاعر المواطنين، الذين حاصرتهم خطوات وقرارات الإصلاح الاقتصادي الصعبة في حاضرها، الضرورية في توقيتها، المبشرة في مستقبلها بإعادة بناء الدولة، مستندة إلى أرض صلبة وليس إلى رفوف من أدوية المسكنات .يكفل لك دستور هذا الوطن حق الاعتراض والنقد على قرارات السلطة، ولكنه لا يمنحك حق النصب والتزوير والتلاعب بعقول وقلوب البسطاء من أهل هذا الوطن، كلما وقعوا في ورطة بسبب ارتفاع أسعار أو قرار ضمن منظومة خطة الإصلاح الاقتصادي تخطف أذهانهم وتلاعب قلوبهم بالعودة إلى الماضي عازفا لحن كانت الدنيا أرخص في زمن مبارك، كانت الأسعار أقل والأمن مستقرا والاستثمارات كثيرة والدولار بـ6 جنيهات. يلعب أصحاب المنطق السابق بالأرقام وبخبث يتلاعبون بمشاعر الناس لمضاعفة مساحات غضبهم وإحباطهم ضد السلطة الحالية، تصفية لخصومة سياسية يؤجج نارها أصحاب المصالح المزدهرة في زمن مبارك، والمفقودة في زمن إعادة ضبط اتزان الدولة من جديد في زمن ما بعد الثورتين، كانت الأسعار أرخص في زمن مبارك، ولكن رخصها كان وهما يرضيك في حينها ويحمّلك ويحمّل أولادك وأحفادك أعباء أكبر في المستقبل، كان الدولار بسعر أقل، ولكنهم كانوا يعوضون الفرق في قيمته من مستقبلك، ومما كان يجب إنفاقه على وطن يتضخم ويتسع ويحتاج إلى بنية تحتية قابلة للمزيد من الاستثمارات والإنتاج والتوسع، الذي يلبى احتياجات ملايين المواليد الذين يضافون إلى قوائم المصريين كل عام».

متى يعلنون وفاة العرب

وقد أخبرنا الرسام عمرو سليم في «المصري اليوم» أنه كان في زيارة قريب له فوجده يقرأ في صحيفة خبرا عن نقل السفارة الأمريكية إلى القدس ويستمع لمقدم الأخبار في التلفزيون وهو يقول بحزن شديد: «والآن نستمع لرائعة الشاعر نزار قباني متى يعلنون وفاة العرب».

إسرائيل والتطبيع

وإلى التطبيع مع إسرائيل، وبمناسبة حفل سفارتها في فندق هيلتون النيل ريتز، في ميدان التحرير وحضور البعض له، وترافق ذلك مع حفل نقل السفارة الامريكية إلى القدس، وما سبقه من غارات إسرائيلية على مواقع القوات الإيرانية في سوريا وتدميرها، بعد أن قالت إسرائيل إن الايرانيين أطلقوا على قواتها في الجولان المحتل صواريخ، وما تلا ذلك من ترحيب بعض العرب بهذه الضربات نكاية في إيران وتدخلاتها في الدول العربية، قال حسين الزناتي في «الأهرام» في مقال له تحت عنوان «الرفض الشعبي للتطبيع»: «سيبقى المصريون رافضين هذا الكيان الذي يُدعى إسرائيل، وسيبقى في وجدانهم أنه العدو الأول لهم في ظل نظام دولي معقد، هذا ما أوضحته مُجدداً تداعيات الاحتفالية التي أقامتها سفارة إسرائيل في أحد الفنادق المُطلة على ضفاف النيل في القاهرة بمناسبة مرور 70 عاماً على احتلاله الأراضي العربية، وأكدت لنا أن التطبيع لن يجد له مكاناً بيننا مع الإسرائيليين. الغريب أنه رغم كل الزخم ضد احتفالية هذا الكيان فقد حضره «نفر» من بيننا أهدروا قيمة هذا الشعور الشعبي وتلك الدماء الزكية. أما الصحافيون الذين يثبت حضورهم فإن أقل ما يجب اتخاذه ضدهم هو إحالتهم للـتأديب من باب مخالفتهم قرار الجمعية العمومية لنقابة الصحافيين بحظر جميع أشكال التطبيع مع الإسرائيليين، ولتجاهلهم دماء الشهداء والأبرياء الذين أسقطهم الكيان الصهيوني فوق أراضينا. إن احتفالية الكيان الصهيوني على ضفاف النيل ستبقى شاهدة على جموع رافضة أي تطبيع».

لا للتطبيع

وفي «الوفد» قال الدكتور مصطفى عبد الرازق: «من المؤكد لو أن الظرف مختلف لكان رد الفعل الشعبي مختلفا كل الاختلاف، غير أنه في حدود رصد ما صدر من ردود أفعال يمكن تفسير جوهر موقف المصريين تجاه عدوهم مهما حاول التقرب إليهم وهو أمر يفسر لماذا حظي مطرب شعبي مثل شعبان عبد الرحيم، وهو في عداد الطرب في أسفل سلم الفن، مكانة كبيرة في قلوب المصريين بالعزف على الوتر الحساس لديهم كراهية إسرائيل، ولماذا ارتفعت أسهم شخصية كبيرة مثل عمرو موسى لأنه عبّر عن نموذج هذه الكراهية في التصور الشعبي بفعل مواقفه المختلفة خلال توليه مناصب رسمية مصرية وعربية. من الواضح أن المصريين يتعاملون مع إسرائيل بمنطق أنكِ قد تسعين للتطبيع معنا كيفما تشائين وتفرضين من الظروف ما تريدين للإيحاء بمثل هذا التطبيع ولكن ما في القلب في القلب يا إسرائيل» .

أنسونا فلسطين!

وإلى مصطفى آخر في العدد نفسه من «الوفد» هو مصطفى عبيد، الذي قال والحزن يتملكه تحت عنوان «كيف أنسونا فلسطين؟»: «الكُل باطل. قتلة ضد قتلة، وكأن عدو العدو صديق، مهما كان تاريخ الدم بيننا. وكأننا نستجير من الرمضاء بالنار. هل صار مقدوراً علينا أمة العرب أن نختار بين قُبحين، وشرين، وخطرين. نيران إسرائيل تقصف سوريا، فتهلل أقلام عربية. تستبشر ألباب، وتُغرد حكومات، وتُبرر بذلات أنيقة. يستدرجنا الكاتب عبدالرحمن الراشد ليسأل فى جرأة: مع من نقف: إيران أم إسرائيل؟ يقول إن الضرورات السياسية تتغير حسب المصلحة، ويزعم أننا لو سألنا الشعب السوري لهتف مؤيداً ضرب قوات الحرس الإيراني داخل سوريا. كُلهم يتحدث باسم الشعب السوري، بينما لا أحد يُقاسمه العذاب والبؤس والخراب. وزير خارجية خليجي دافع عن حق إسرائيل في قصف سوريا قائلاً: «إيران أخلّت بالوضع القائم فى المنطقة، واستباحت الدول بقواتها وصواريخها، لذا يحق لأي دولة في المنطقة، ومنها إسرائيل أن تدافع عن نفسها بتدمير مصادر الخطر». لا ألوم ولا أعاتب. لا أتهم أحداً فأنا نفسي لم أعد أعرف أعداء بلادي كما كُنت فى الماضي. تبدلت أحوال، وتغيرت مفاهيم. لم نعد قادرين على أن نهتف كما كُنا نفعل ونحن طلبة يافعين قبل ربع قرن «دايماً دايماً جيل ورا جيل. بنعاديكي يا إسرائيل». لم تعُد قضية فلسطين تشغلنا، فلدينا ألف قضية وقضية. لم تعُد مأساة الشعب الفلسطيني محل اهتمام، فلكل شعب مأساته، ولكل دولة عذاباتها. ارتدت الحكومات العربية إلى مصائبها وشواغلها الداخلية. التفت البعض للخطر الإيراني وانشغل الكُل بالإرهاب المتأسلم. كانت إسرائيل ظُلمنا فصارت أمننا. كُنا نلعنها على المسابح ونسبها في القصائد فأصبحنا نتشاور معها سراً ونُبرئها علناً. سيفنا لم يعُد مُشهراً أمام بني صهيون، بل صار على استعداد أن يلتحم معهم ضد أعداء آخرين صنعوا سريعاً. لا ألوم أحداً ولا أتهم أحداً وإنما أحاول أن أتفهم كيف خططوا وصمتنا؟ كيف دبروا وسكتنا؟ كيف نجحوا وفشلنا؟ زُرعت فكرة الإسلاموية زرعاً فى مُجتمعاتنا. جُرجرنا نحو خرافات الخلافة واليوتوبيا ودولة الإيمان المنصورة. تم تثوير الإسلام وتحويله إلى آلة قتل بدعوى الجهاد. نُثرت فتن التكفير والمجتمعات الجاهلية واستحلال الغير وسُفكت الدماء غزيرة. نمت إسرائيل بتخلفنا. كبرت بفرقتنا وانقسامنا. ازدهرت بجهلنا وتمددت بحالة التفسخ التي أحدثها تسييس الدين الإسلامي وتثويره، ثُم صارت صديقاً وحليفاً ومسانداً رغم أنوفنا جميعاً. نفخت إيران بقصد. فُتحت لها نوافذ التوسع وشُجعت على لعب دور «البعبع». رُسم الطريق لحروب أخرى وعداءات جديدة وخصومات شرسة. جُمِّلت ثورات الشعوب ضد حُكامها المُستبدين. أؤدلجت ورُكبت واختطفت يميناً ويساراً فلم نعرف حقاً من باطل، ولم نفرق صواباً عن خطأ. ليس ما أكتب بجديد. أجهزة الدول العربية تعلم. قد تُراوغ حيناً، قد تؤجل المواجهة حيناً آخر، غير أنها تعي أنها ستسير في النهاية في الدروب المرسومة لمعارك خارج الحسبان. إذن لِم كتبت ما كتبت؟ لأن هناك أملاً؟ نعم.. رغم كل شيء. الأمل في أجيال أخرى. أطفال اليوم. ربما. عقول أخرى مُنفلتة خارج حسابات الأيديولوجيات، مُتسامحة مع ذواتها، مؤمنة بالسلام، ساعية للعلم وباحثة عن التقدم. اخلعوا كُل أردية الماضي. لا قومية ولا إسلاموية ولا ماركسية. ابحثوا عن نفع الناس. تهتدوا».

الدم الفلسطيني يسيل على أرض وطنه

وإلى «المصريون» ومقال جمال سلطان: «في احتفالية بلون الدم وطعم الدم، دشن الأمريكيون سفارتهم (اليوم) في القدس العربية، كان على الجانب الآخر من الاحتفال شعب ينزف، وقرابة أربعين شهيدا في غزة حتى كتابة هذه السطور، برصاص قوات العدو، الرصاص الحي، وهو أعلى رقم للمذابح المستمرة من جانب العدو الصهيوني تجاه مسيرات العودة، وهو أمر مفهوم، لأن الخطوة الأمريكية منحتهم المزيد من الجـــرأة والغطــــرسة واللامــــبالاة، كما أن التمزق العــــربي واتساع نطاق ملفات النار والدم في أكثر من موقع في بلاد العــــرب أضعف من الموقف العربي بشكل عام، وهو ما لفت إليه بيان الأزهر الشريف، وساعد الصـــهاينة على أن يكونوا أكثر جرأة، مطمئنين إلى أن الرد العربي سيكون متواضعا. كان مثيرا للأسى والسخرية معا، أن تدعو الجامعة العربية إلى اجتماع طارئ على مستوى المندوبين، وليس الوزراء، من أجل النظر في نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، وحددت الجامعة يوم الأربعاء المقبل للجلسة، مؤسف جدا، رغم أن أبعد سفير عربي عن مقر الجامعة في وسط القاهرة يمكنه أن يصل إلى هناك خلال نصف ساعة، كما أن موعد الجريمة كان معروفا ووصول ضيوفه الأمريكان حدث قبل يوم كامل أو أكثر، ولكن أمانة الجامعة تعمدت أن تؤخر موعد اجتماعها يومين كاملين حتى تتفادى عقده في أجواء ملتهبة والنفوس مشحونة بالغضب، والدم الفلسطيني الحرام يسيل على أرض فلسطين في معدل متزايد على مدار الساعة، هو موقف هروب بطبيعة الحال، وتسويف، ولم يعد جديدا على الجامعة العربية التي يعتبرها كثير من العرب بقايا كيان فولكلوري، من آثار الغابرين.
بيان الأزهر من أفضل البيانات التي صدرت في التعليق على الأحداث، وقد وصف الأزهر ما حدث بأنه: (يأتي متزامنا مع الذكرى السبعين لنكبة فلسطين، في تأكيد جديد على أن البعض يفضل الانحياز لمنطق الغطرسة والقوة على حساب قيم العدالة
والحق، ما يجعل عالمنا المعاصر أبعد ما يكون عن الاستقرار والسلام). بيان الأزهر لفت أيضا إلى أن التشتت العربي شجع «المتغطرسين» على فعلتهم، وقال البيان: (أن التشتت العربي والإسلامي شجع بعض الدول على الانسياق وراء القرار الأمريكي، والإعلان عن نقل سفاراتها إلى القدس، ما يمثل تحديًا لمشاعر مليار ونصف مليار مسلم عبر العالم، ممن يرون انتهاك مقدساتهم ومقدسات إخوتهم المسيحيين، والعبث بتاريخها وتهويد معالمها ومحاصرة أهلها، وسط عجز وتخاذل دولي غير مسبوق، والكيل بمكيالين في القرارات الدولية وقوانينها).
نقل السفارة الأمريكية إلى القدس هو القرار الذي حرص أكثر من رئيس أمريكي على تحاشي تنفيذه، وتأجيل ذلك إلى أجل غير مسمى، إدراكا من الجميع بخطورته وتهديده للسلام العالمي، حتى أتى رئيس معروف بالطيش والاستخفاف بعواقب الأمور، ويترقب قضية بالغة الخطورة قد تعرضه ليس فقط للعزل، بل السجن، ما جعله أكثر اندفاعا في خطوته، ففعلها هذه المرة.
في ظل الأوضاع الحالية لا يتوقع أحد أن تهتز الأرض أو أن تقع حروبا شاملة في المنطقة بسبب القرار في أيامنا الحالية، هذا صحيح، ولكن الأصح أيضا، أن ما حدث هو بمثابة تفخيخ لمنطقة الشرق الأوسط وربما غيرها بالكراهية والغضب والرغبة في الانتقام، وزرع ألغام بالغة الخطورة تسكن نفوس ملايين العرب والمسلمين، لا يعرف أحد كيف ستعبر عن نفسها ومتى، وهو ما يضر بالسلام العالمي الذي يتاجر الجميع بالبحث عنه والدعوة إليه».

حكومة ووزراء

وإلى الحكومة التي تتعرض لانتقادات بسبب زيادة أسعار تذاكر مــــترو أنفاق القـــاهرة بخطوطه الأربعة، كما أن هناك من دافعوا عن القرار لأنه ينقذ المرفق من الانهيار، بسبب ما يتكبده ممن خسائر، وقال أمس صلاح منتصر في «الأهرام»: «غضب ركاب المترو من زيادة أسعار تذاكر المترو لأنهم فوجئوا بها، ولم يعدوا الإعداد النفسي الواجــــب لها، في الوقت الذي تركوا لقوى الشر عــــدة ساعــــات، يشحنون نفوسهم بالأكاذيب والمبالغـــات من ناحية المسؤولين عن مرفق المترو، فهم يحاولـــون البقاء على خدمة المترو وصيانته وتكييفه لكي يخدم أكثر من ثلاثة ملايين راكب يوميا، فـــي ظـــروف تضـــاعفـــت فيها تكاليف الكهرباء والصيانة، وبالتالي فلهم كل الحق في رفع الأسعار وإلا فسينهار المرفق الحديث جدا بالنسبة للدول الأخرى، فهذا المترو بدأ في مصر عام 1987 بينما في لندن عام 1863 ونيويورك 1904 وموسكو عام 1935 ومع ذلك فكل هذه الدول تحافظ على مرفقها ضد الزمن، بينما المترو الحديث في مصر مهدد بالانهيار.
هناك عدالة واضحة فعلا في تحديد الأسعار الجديدة وإعطاء الطلبة والموظفين وكبار السن أصحاب المعاشات وأصحاب الاحتياجات الخاصة فرصة استخراج اشتراكات شهرية، أو كل ثلاثة أشهر بحيث لا تتجـــــاوز الزيادة التي يتحــــملونها سوى بضعة قروش، لكن عملية التوعية والإعلام لم تكن كافية، بحجة أن المسؤولين قصدوا إعلان زيادة الأسعار في آخر أيام انتهاء الموسم الدراسي، مراعاة للطلبة الذين يمثلون 28 ٪ من الركاب ولهذا فالدرس الأهم من حدث المترو، أن هناك فارقا بين زيادة سعر السجائر، وهي سلعة ضارة بصحة المدخن تحارب الدول من أجلها ويمكن مباغتة المستهلك بزيادتها، وزيادة أسعار الخدمات التي تقدمها الدولة مثل المواصلات».

فوضى غير خلاقة

بينما انتقد السيد البابلي في «الجمهورية» تصرفات بعض المواطنين من ركاب المترو وقال عنهم: «الذين قفزوا فوق البوابات الإلكترونية في بعض محطات المترو احتجاجاً على زيادة تعريفة المترو أخطأوا في التعبير عن موقفهم، وأظهروا نوعاً من الفوضى غير الخلاقة، وخرقوا القانون وارتكبوا عملاً يعاقبون عليه، إن من حقنا جميعاً أن نعرب ونعبر عن رفضنا لأي قرار، ولكن ذلك يجب أن يكون من خلال الحوار والنقاش، أما الاستهانة بالقانون وبالممتلكات والمرافق العامة فهذا طريق وعر أشبه بمن يخطف طفله لكي يطالب بفدية».

«متى يصبح العدل ظلما؟»

لكن هذا لم يعجب مستشار جريدة «الوطن» وأستاذ الإعلام في جامعة القاهرة فهاجم الحكومة ومريديها وقال تحت عنوان «متى يصبح العدل ظلما؟»: «العدل القائم على المساواة يقابله الناس بالرضا. لو رأى الناس عدلاً في توزيع أعباء برنامج الإصلاح الاقتصادي لتسلحوا بالمزيد من الصبر والتحمل، لكن العدل غائب. ضريبة الأرباح على البورصة لم تطبق، ضريبة الـ5٪ على من يزيد دخله السنوي على مليون جنيه (ضريبة الأغنياء) لم تطبق، رجال الأعمال الذين حصدوا مكاسب بالمليارات لم يدفعوا ثمناً في موضوع الإصلاح الاقتصادي، الحد الأقصى للأجور أصبح في خبر كان داخل العديد من المؤسسات، حيث يقبض كبارها مئات الآلاف من الجنيهات كل شهر، في صورة مكافآت ونفحات وغير ذلك.
مرتبات الوزراء والمحافظين زادت ويحصلون على أكبر معاش يحصل عليه موظف في مصر. شرائح أخرى عديدة زادت مرتباتها، في حين بقى المواطن محلك سر. مرتبات لا تزيد، بل تنكمش وتضمر بفعل التضخم، وسحب ممنهج من جيبه حتى وصل إلى مرحلة الصراخ بكلمة «مامعييش». أين العدل في أن يتحمل المواطن العادى فاتورة الإصلاح الاقتصادى كاملة، في وقت يُترك فيه الأغنياء يزدادون ثراءً؟ العدل المشفوع بالرحمة يقابله الناس بالرضا. قديماً قيل «الرحمة فوق العدل». منذ أن شرعت الحكومة في ما أطلقت عليه «برنامج الإصلاح الاقتصادي» والقرارات التي تصيب معيشة المواطن في مقتل لا تتوقف. عوّمت الجنيه، وتحللت من الدعم شيئاً فشيئاً، وفرضت ضرائب ورفعت جمارك. والنتيجة أصبح المواطن فريسة لغلاء الأكل والشرب والسكن والماء والكهرباء والوقود والدواء، كل شيء ارتفع سعره. قالت الحكومة إن العدل يعني تحرر الدولة من الدعم، وأن يدفع المواطن السعر الحقيقي العالمي لكل سلعة أو خدمة يحصل عليها. حسناً.. أين الرحمة؟ الرحمة تظهر في تدخل الأجهزة الرقابية من أجل ضبط الأسعار في الأسواق، وعدم ترك المواطن فريسة للتاجر والمحتكر والمسؤول الحكومي، ليمتص الجميع دمه (بالمناسبة هل تتذكر قرار كتابة السعر على كل سلعة؟). الرحمة تظهر في شبكة حماية اجتماعية حقيقية، وليس إلقاء 3 جنيهات لكل مواطن على بطاقة التموين، ليكون مجموعها بالنسبة للأسرة (كيلو سكر أو أرز). الرحمة تظهر في رفع مرتبات الموظفين الذين لا يملكون مثل الحرفيين رفع أسعار ما يقدمونه من خدمات، بدلاً من الدخول في «معايرات» فارغة تتحدث فيها الحكومة عن سعر خدمة مثل خدمة المترو في الخارج، فيعايرها المواطن بما يحصل عليه من مرتب أو دخل مقارنة بدول أخرى. العدل القائم على لوم الضحية لا يقابله الناس بالرضا.
لا يليق أن تسحق المواطن تحت عجلة الغلاء ثم تسبّه وتشتمه عندما يصرخ. لا يليق أن تخرج له وزيراً أو أحد الإعلاميين المرتزقة أو أحد «أُجَرية» التواصل الاجتماعي ليتهمه بأن همه على بطنه وأنه – كمواطن غني- يريد سرقة «الحكومة الغلبانة». لا يليق أن تتهمه بالإهمال في العمل وأنه «عاوز فلوس وخلاص» في وقت تعجز فيه عن تنشيط ماكينة الاقتصاد. العدل الذي تغيب عنه المساواة والرحمة واحترام الناس هو الظلم بعينه. على من يحرص على هذا البلد أن يفهم ذلك وينبه أولي الأمر إليه، وإلا أصبح آثماً في حق وطنه وشعبه، لا تتركوا الشعب يصل إلى مرحلة غضب لن تبقى ولن تذر».

رجال الأعمال حصدوا مكاسب بالمليارات ولم يدفعوا ثمناً في الإصلاح الاقتصادي والغلاء يفترس المواطن

حسنين كروم

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left