المخرج السوري محمد ملص: خلص الكلام! أفلام روسية وإيرانية في «كان» من غير أصحابها… وكيف وظّف إعلان تجاري لاجئاً سورياً

راشد عيسى

May 15, 2018

ضحك المخرج السينمائي السوري محمد ملص عندما سأله مضيفه توفيق مجيد في برنامج «ثقافة» على شاشة «فرانس24»: من غيّب الكاميرا؟». ضحك واكتفى بالقول، كما لو أن الأمر مجرد مزحة: «آه.. من غيّبها»، ثم تابع حديثه ولا كأن السؤال سؤال.
محمد ملص معروف كواحد من الأسماء الثقافية التي، على الأقل، لم تكن قبل الثورة على وئام مع السلطة. ناقد لها كسينمائي ومثقف. قلّما غاب عن أي جدل يتناول أزمة السينما في البلاد، الرقابة، احتكار الإنتاج، بيروقراطية وتسلّط «المؤسسة العامة للسـينما».. لكـن ما الذي حدث الآن حتى يكتفي أحد أبرز سينمائيي سوريا ليكتفي بالـ «آه»؟ خصوصاً بعد أن رفعت الأحداث في البلد سقف القول كأمر واقع، أو ربما لانشغال النظام بما هو أعظم شأناً من السينما وحرية التعبير.
بالكاد تحدث ملص عن «منطعف»على صعيد السينما، فسّره بالإشارة إلى ازدهار وسائل التواصل الاجتماعي، من دون أي تلميح للثورة (سمّها ما شئت، لكن لن تستطيع تجاهل آثارها) التي كانت الكاميرا عمادها. الثورة التي وضعت الكاميرا في كل يد، وكان أول ما فعلته أن داست تلك اللافتة التي لم تخل زاوية في البلد منها «ممنوع الاقتراب والتصوير». انتعشت السينما الوثائقية. اغتنى المشهد بعشرات السينمائيين الشبان الذي يتابعون تدريبهم هنا وهناك، ويخوضون مشاريع تحقق حضوراً لافتاً للسينما السورية هنا وهناك، وصولاً إلى ما يمكن اعتباره أرضاً صلبة تبشر بسينما يستحقها هذا البلد.
لكنها كانت مقابلة رديئة في الواقع، لم يبدُ فيها أن المخرج جاهز لقول شيء ذي قيمة، ولا أن إعلاميّ «فرانس24» جاد في أسئلته. توفيق مجيد، كعادته، يطرح أسئلة لا يبدو معها أنه حريص على جواب، بقدر ما هو حريص على اصطياد نكتة أو تعليق لن يضحك له سواه. أسئلته ارتجالية، ليس من الواضح أنه بذل أدنى جهد في تحضيرها، بدا وكأنه يجهد في تبديد الوقت، لا أكثر.

خلف الستار الحديدي

مخرجان لم يحضرا مع فيلميهما إلى مهرجان كان السينمائي المنعقد في هذه الأثناء في فرنسا، الروسي كيريل سيريبرينيكوف والإيراني جعفر بناهي، الأول لأنه تحت الإقامة الجبرية بدعوى الاختلاس، والثاني ممنوع من السفر.
الفيلم الروسي «الصيف» يتناول حكاية انتشار موسيقى الروك بين شباب الاتحاد السوفييتي الأمر الذي اعتبر نوعاً من الأمل، أما فيلم الإيراني جعفر بناهي «ثلاثة وجوه» فيفضح، على ما تقول أخبار «كان»، ما يعيشه الفنانون في بلاده.
الفيلمان، الروسي والإيراني، يتناولان إذاً قضية الحريات، ويتعرض مخرجا الفيلمين في الوقت ذاته وبسبب من موضوعيهما للقمع والمحاكمة.
وزير الخارجية الفرنسي بعث برسالة إلى الرئيس الروسي بوتين لـ «تشجيعه» على السماح لسيريبرينيكوف بالذهاب إلى «كان»، لكن بوتين عبّر، في رسالة إلى المهرجان عن «رغبته الصادقة في المساعدة»، قال لأن «القضاء الروسي مستقل». أما بخصوص المخرج الإيراني فيبدو أن أحداً لن يحاول حتى أن يتوسط له بالسفر.
ليست مصادفة أن تجتمع روسيا وإيران في قضية واحدة، خلاصتها قدرة المنجز الفني في الوصول إلى «كان»، وعدم قدرة المبدعين من ذلك. قوة الستار الحديدي وقوة الأمل وراء الستار.

نحب الشاي

الإعلانات التجارية سيئة السمعة على الدوام، يصعب أن نتخيل إعلاناً تجارياً، مهما كان ذكياً ومتقناً، من دون أن يقوم في جوهره على التلفيق واستعمال البشر نساءً وأطفالاً في سبيل ذلك.
لذلك سرعان ما سيستفز البعض من ظهور لاجئ سوري في إعلان هولندي للشاي. سيفترضون سلفاً أن الشركة ستحوّل اللاجئ والشهداء الذين يتحدث عنهم ضمن الإعلان إلى سلعة تجارية.
يبدأ الإعلان بكأس الشاي، ثم بيد تمسك بالكأس، لنرى بعدها اليد تربت على يد أخرى قربها. هذه هي إذاً وظيفة الشاي الأولى. لكل منا حكاياته مع جلسات الشاي الدافئة مع الأسرة والأصدقاء.
الكاميرا في بيت طارق، اللاجئ السوري الحلبي، يتحدث بالعربية (فيما الكاميرا تحوم في البيت فتصوره وهو يعطي ولده الرضيع زجاجة الحليب، تصور الطفل في السرير، الفراشات الوردية الملصقة على الجدار..)، يحكي كيف كان واحداً من فريق نادي الحرية في حلب، وهو قد توقف بسبب «الأحداث»، حيث استشهد بعض أصدقائه الرائعين.
يحلم طارق بالحياة من جديد، يريد أن يؤسس حياته هنا. سنراه على دراجته بعد قليل، يقول إنه ذاهب لفريق المدينة، وفي استراحة الشاي سيسألهم إن كان بإمكانه الانضمام إليهم.
في غرفة الاستراحة سيقرأ طارق من ورقةٍ بلغة هولندية بسيطة، يسألهم إن كان في إمكانه اللعب معهم. طارق سمين بعض الشيء، متلعثم على الدوام، كأي لاجئ جديد في مدينة غريبة، ولعلها رسالة أخرى أيضاً، ليس صعباً أن يأتي الإعلان بشاب أكثر رشاقة ووسامة وأقل تلعثماً، لعله أراد أن يقول إن لا شرط للاندماج، إلا رغبتك بالاندماج (وربما رغبتك بشرب هذه الماركة من الشاي).
سيضحك الجميع في غرفة الاستراحة مع كأس الشاي الساخن، سنراهم يتراكضون بعد قليل فوق عشب الملعب، ومعهم طارق.
لا يوظف إعلان الشاي هذا الناس لخدمة المنتج، إنه يوظف الأخير لخدمة قضية نبيلة، إنه يذكّر أولاً بما يجري في بلده، ثم يؤكد ثانياً على قضية القبول والاندماج.
نحب الإعلانات عادة لأنها ذكية، ومتقنة بصرية، ومختصرة جداً. لكننا نحبها هذه المرة لأنها ممتلئة بالنبل، والعاطفة، والأمل.

كاتب فلسطيني سوري

 

المخرج السوري محمد ملص: خلص الكلام! أفلام روسية وإيرانية في «كان» من غير أصحابها… وكيف وظّف إعلان تجاري لاجئاً سورياً

راشد عيسى

- -

2 تعليقات

  1. كنت أعتقد بأن القهوة هي المشروب الأول في أوروبا عدا بريطانيا, وها هي هولندا تتبع الإنجليز! ولا حول ولا قوة الا بالله

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left