فنان الفوتوغرافيا أنور الدرويش: التوثيق جانب حرفي محدود من وظائف الكاميرا

حاوره: مروان ياسين الدليمي

May 15, 2018

يرى فنان الفوتوغرافيا أنور الدرويش أن «الصورة نص بصري تكتبه العين وتسجله (الكاميرا) بأدواتها، ومن ثم يتولى خيال المتلقي قراءته بوعيه ومخيلته، كل حسب ثقافته البصرية ورؤيته»، ويضيف مُعلقا على مسألة التلقي «من المنطقي جدا أن نجد فارقا بين مخيلة مشاهد عن آخر وذلك لتفاوت الفكر والذائقة، وأيضا لاختلاف الدلالات الرمزية في المشهد وتأويلاتها بين المجتمعات أو طبقات المجتمع الواحد، أو الحالات المختلفة للأشكال». «القدس العربي» التقت به وحاورته حول عالم الفوتوغراف الذي يمثل جزءا جوهريا من ميراث عائلته على مدى سنوات طويلة.
■ مدينتكم الموصل تعرضت لحرب شرسة، كيف تعاملتم مع الحرب فوتوغرافيا، وهل هناك مشروع لتوثيق ما وقع عليها، سواء في متحف أو مركز للتوثيق؟
□ صوت المدافع ونيرانها هو الفعل الوحيد الذي يتسيّد مشهد الحروب. والحرب في الموصل أحرقت الأخضر مع اليابس، بما في ذلك جميع المؤسسات الثقافية والفنية ومنها مقر جمعيتنا (الجمعية العراقية للتصوير/ فرع نينوى) بما كانت تحتويه من أرشيف وأوليات، والمبنى كان عبارة عن شقة سكنية مستأجرة في الطابق العلوي من إحدى العمارات في الجانب الأيمن من المدينة القديمة، التي تحولت جميع مبانيها إلى انقاض. نحن اليوم نسعى إلى جمع وأرشفة الصور التوثيقية للموصل قبل وبعد تحريرها، مع ما وقع عليها من خراب ودمار. ومن ثم إصدار كتاب مصوّر يكون وثيقة للإنسانية وللأجيال اللاحقة. أما عن المتحف أو مركز للتوثيق فالجمعية ومنذ عام 2003 لا تملك أبسط مقومات العمل الإداري، وفي مقدمة ذلك مبنى يليق بها كمؤسسة فنية بسبب عدم اهتمام الحكومات المحلية بهذا الموضوع.
■ هل من مواقف صادفتكم أثناء المعركة من الصعب نسيانها؟
□ لا يوجد موقف بعينه يمكن أن يمحو عشرات المواقف التي شاهدناها وعايشناها، ولهذا لا أستطيع أن أحدد موقفا بارزا ومؤثرا على حساب مواقف أخرى، فكل ما شاهدته العين أثناء المعارك والنزوح هو كارثي بكل ما تحمله الكلمة من دلالة ومعنى. ومهما تكلمت ووصفت هول المصاب لا أستطيع أن أنقل لك عشر الذي جرى.
■ عندما تنوي التقاط صورة ما الذي تضعه نصب عينيك وبماذا تفكر؟
□ التصوير الفوتوغرافي يتضمن محاور عديدة، منها ما يعتمد على استيقاف اللحظة للمشهد البصري، كالمحرر الصحافي مثلا، فهو يعتمد على مكان الحدث والتركيزعليه وسرعة البديهة ومحاور أخرى توثيقية، مثل تصوير المعالم الأثرية، فهي تعتمد على اختيار الوقت المناسب لاستثمار الضوء والزوايا التي تبرز القيمة الشكلية للمعلم الأثري. ومحاور أخرى تتطلب إخراجا مسبقا للكادر بالعناصر التي تتشكل فيه وتسليط الضوء المناسب في المشهد كمحور (الستل لايف) مثلا. ومحاور أخرى كحياة الناس اليومية في الشارع أو الإنسان والعمل، أو البورتريت وغيرها من محاور التصوير المتعددة ولكل محور خصائص ومتطلبات يطول شرحها إن أردنا الحديث عنها، فالتصوير الفوتوغرافي علم واسع لا يقف عند حد معين.
■ ما الذي حصل من تغيرات في مفهوم الصورة الفوتوغرافية؟
□ لم يعد فن التصوير الفوتوغرافي اليوم يقتصرعلى المفهوم التقليدي السائد، الذي يعتمد على الرؤية الجامدة للأشكال، أو عملية استيقاف اللحظة الهاربة من الزمن، وإعادة استحضارها في وقت لاحق على الورقة، أو على شاشة الحاسوب، كما في بعض المحاور التوثيقية وحسب، بل إن التصوير الفوتوغرافي اليوم أصبح منافسا قويا للفنون الأخرى، خصوصا بعدما انتقل من مرحلة المشهدية التسجيلية المنقولة حرفيا من الواقع إلى ما هو أعمق فلسفيا وفكريا وفنيا. لقد كان للتطورات المتسارعة في التقنية دور كبير في ذلك، ليس بسبب آلية العمل فقط، بل لأن ذلك يعود إلى تغير الشكل العام لمفهوم الصورة الفوتوغرافية على كافة الأصعدة، بما حققت للمصور من مشاهدات وتجارب مختلفة وأفكار مغايرة، وهي حالة إيجابية حتما، كونها خدمت المصور بشكل عام والمصور الشاب خصوصا، لأنه الأكثر مواكبة مع هذه المتغيرات التقنية، والأكثر إدراكا لها، والنضوج الفكري لديه تحقق من خلال هذه التجارب والمشاهدات والاستفادة ممن سبقوه عن طريق التواصل مع العديد من المواقع الفوتوغرافية العالمية المتخصصة. والإبداع عملية خلق وتجديد، وهذا لا يأتي من فراغ، بل من خلال تجريب وبحث متواصل، والصورة الفوتوغرافية الفنية تعتمد غالبا على التهيئة والإخراج وبناء المشهد مع توليف الفكرة بشكل متوافق ومنسجم.
■ هل لديك قواعد فكرية معينة تستند دائما إليها في عملك؟
□ لا تقتصر وظيفة الكامير على نقل الواقع فقط، أو تنحسر عند سطحية المشهد المنقول بشكل مباشر، ولكي احرص كمصور فوتوغرافي مواكب للتطور والتقدم في الجانب الفني، يتوجب عليّ أن أحمل الصورة الفوتوغرافية فكرة، أو أمنحها بعدا فلسفيا من خلال رؤيتي الفنية، باعتمادي على التقنية كأداة، والثقافة البصرية كرؤية. لكنني في الوقت ذاته لا أدفع باتجاه الخروج عن روحية الفوتوغراف وخصوصيته كفن بصري مستقل، بل أسعى دائما إلى البحث والتجريب لإيجاد خط بياني يسير بالواقع الفوتوغرافي باتجاه التقدم، مستعينا بالتقنية ومرتكزا على الفكرة وإيصالها كرساله للمتلقي من خلال الشكل. أنا أدعو للخروج عن النمطية ودائرة التوثيق في الصورة الفوتوغرافية، كون التوثيق لا يعد أكثر من جانب حرفي محدود من وظائف الكاميرا، وغالبا ما يكون خاليا من الإبداع. وعلى المصور الفنان المتجدد أن يمتلك وعيا فكريا وإحساسا معمقا بالتأثيرات التعبيرية للمشهد البصري.
■ هناك أجيال من المصورين في العراق ما هي أبرز الأسماء من وجهة نظرك وأهم ما تتميز به؟
□ على الرغم من وجود عدد كبير من المصورين المميزين والمبدعين من الشباب بالذات، وخصوصا في العشر السنوات الأخيرة تقريبا، لكنني أعتقد أن الإبداع لا ينحصر في الأشخاص وأسمائهم وعناوينهم، إنما بقيمة ما يقدمون من أعمال مميزة. وبالنسبة لي كمهتم ومتابع في مجال التصوير الفوتوغرافي أفاجأ أحيانا بعمل مميز للغاية ويتضح لي في ما بعد أن هذا العمل هو منجز لشاب مبتدئ أو مصور غير معروف، ومن هذا المنطلق اعتقد أن لزاما علينا كمهتمين ومحبين لهذا الفن، إن كنا حقا نسعى لتقدمه وتطوره ورقيه، أن نقدَّم للمصور ايّاً كان اسمه الدعم المعنوي اللازم وبأي شكل من الأشكال التي نستطيع تقديمها. كأن نتيح له الفرصة في أن يشارك في المعارض والمسابقات المحلية والخارجية، لتكون حافزا له على الاستمرار والتطور، أو التركيز على الصور المميزة التي نشاهدها على صفحات التواصل والمواقع الفوتوغرافية من خلال القراءات النقدية البناءة وتوجيه المصور فنيا وأكاديميا ليكون على المسار السليم والجادة الصحيحة. وأعتقد أننا نتقدم خطوة للأمام من أجل بناء جيل فوتوغرافي سليم يحسن اختيار موضوعاته ويقدم رسالته الفنية على أتم وجه.
■ هل التصوير الفوتوغرافي يملك مساحة من الاهتمام في المشهد الثقافي والفني؟
□ على المستوى العام أرى أن التصوير في العراق ينهض كثورة فوتوغرافية، وأن جيلا كاملا من المصورين الشباب يتحرك بقوة محاولا الخروج بالصورة من محيطها المحلي. ويبدو ذلك جليا من خلال التكتلات والمجاميع التي ارتبطوا بها بصيغة جمعيات ومنتديات فوتوغرافية، تجمع الهواة وتؤسس لقواعد أكاديمية تنطلق من خلالها وتتقدم. وفعلا استطاع عدد لا بأس به أن يمثل الصورة العراقية أفضل تمثيل في المشاركات والمسابقات العربية، على الرغم من عدم وجود الدعم المناسب لهم، بل على العكس منه تماما بالنسبة للمؤسسات الحكومية المعنية، حيث لا يوجد أي شكل من أشكال الرعاية والاهتمام بهذه الجمعيات، أو يوفر لها أقل ما يمكن من الدعم المطلوب، مثل القاعات ووسائل العرض المتخصصة. فنجد أغلب المعارض التي تقيمها هذه الجمعيات بطريقة بسيطة جدا وربما بائسة لأنها تعتمد على الركائز الثلاثية لحمل الأعمال بدل البارتشنات، وغالبا ما تقام هذه المعارض في الحدائق والمنتزهات، مع أن من أبسط مقومات العرض الصحيح يقتضي وجود قاعة مغلقة تعلق على جدرانها الأعمال ويسلط عليها الضوء بطريقة فنية سليمة.
■ الدراسات التي تتناول الفن الفوتوغرافي تكاد أن تكون شحيحة إلى ماذا تعزو ذلك؟
□ إن جهل وتخلف الجهات المعنية وعدم وجود مدارس أو معاهد متخصصة في مجال التصوير، باستثناء القليل من الأقسام الفرعية ضمن كليات الفنون، ربما هو من أهم أسباب شحة الدراسات والبحوث، أضرب لك مثلا على ذلك، فبعد سبات طويل أضيف هذا العام 2018 على مناهج معاهد الفنون الجميلة درس التصوير الضوئي، ولكن عليك أن تتصور المفارقة الغريبة في الموضوع عندما تجد منهج التدريس يعود لخمسينيات القرن الماضي، فهو يتكلم بنسبة 90٪ إلى 100 ٪ عن الصندوق المعتم واللارجر وغرفة التحميض والكاميرا الفيلمية. بينما نحن اليوم نعيش في عصر الكاميرات الديجتال والتقدم التقني.
■ ما هي خططكم لإشاعة وتطوير الاهتمام بفن الفوتوغراف، وهل في النية مثلا افتتاح مركز للتدريب أو إقامة مسابقة دولية؟
□ أنا بصفة شخصية أحلم بأن يؤسس في كل محافظة من محافظات العراق معهد تخصصي يدرّس فيه التصوير الضوئي بطريقة منهجية أكاديمية صحيحة، ويؤسَّس لمسابقة عالمية باسم المصور العالمي مراد الداغستاني. فليس كثيرا على بلد مثل العراق أن يقيم مسابقة عالمية تخلد فيها ذكرى أهم مبدعيها. يؤلمني أن أرى أصغر الدول حجما وتاريخا تقيم مسابقات عالمية كبيرة تستقطب من خلالها أهم الفنانين العالميين.
■ هل كانت لديكم مشاركات في مسابقات دولية؟
□ شاركت في مسابقتين دوليتين، وفزت في إحداها وكان ذلك في عام 2006 مع زميلين لي كأفضل مجموعة مشاركة، وذلك في مسابقة فينيسيا في إيطاليا، والمسابقة الثانية لم أحقق فيها نتيجة مميزة، وعلى الرغم من أهمية المسابقات للاطلاع على المستويات المشاركة إلا أنني لا أعتبر المسابقات مقياسا أساسيا لتحديد إمكانية الفنان الفوتوغرافي، في الوقت نفسه الظروف القاهرة التي نعيشها في العراق منذ 15 عاما حرمتنا من فرص كثيرة ربما نحن نستحقها خارج البلد أكثر من آخرين.
■ ما الذي يقف حائلا أمام تحقيق ما تصبون إليه من مشاريع؟
□ كثيرة هي العراقيل التي تقف أمامنا وأمام طموح كل عراقي في كل المجالات الفنية والثقافية وغيرها، ولعل أولها مسألة استقرار البلد ويمكن لبقية العوائق الأخرى تبدو أمامها فرعية وسرعان ما تزول إذا ما تحقق الاستقرار.

سيرة ذاتية للفنان أنور الدرويش

إضافة إلى كونه فنانا فوتوغرافيا فهو فنان تشكيلي وناقد فني ينشر مقالاته في الصحف المحلية، والده الفنان الفوتوغرافي المعروف في العراق علي الدرويش. وعمه المصور الفوتوغرافي إبراهيم الدرويش. نال الجائزة الأولى في مجال التصوير الفوتوغرافي للأعوام 92 ،94 ،2011 . الجائزة الثالثة في مسابقة البوستر عام 2000 ..أقام معرضين شخصيين في الفن التشكيلي عامي 88 ـ 1996. معرض تشكيلي مشترك مع الفنانَين حازم صالح وطلال غانم . معرض فوتوغرافي مشترك عام 2011 مع الفنان وصفي محمد طاهر. عضو الهيئة الإدارية للجمعية العراقية للتصوير/ فرع نينوى/ . عضو جمعية الفنون البصرية المعاصرة. عضو هيئة تأسيسية لجماعة ابن الهيثم للتصوير الضوئي.

فنان الفوتوغرافيا أنور الدرويش: التوثيق جانب حرفي محدود من وظائف الكاميرا

حاوره: مروان ياسين الدليمي

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left