عن المر والحلو

لا صلة بين الأحداث في غزة وانتقال السفارة وإن كان الحدثان من شأنهما أن يؤديا إلى العنف

ناحوم برنياع

May 16, 2018

رينجلينغ برنوم وبيلي كان أعظم سيرك عرفه العالم. كان عظيما بحيث أن عروضه كانت تجري بالتوازي في ثلاث ساحات: في إحداها رقصت الفيلة، وفي الثانية زأرت الأسود، وفي الثالثة قفز المتأرجحون إلى الهاوية. كان شيء ما في أثناء الامور أمس يذكر بالسيرك إياه: احتفال نقل السفارة الأمريكية إلى القدس في جهة، الاندفاع نحو الجدار في غزة في جهة أخرى، وحفل فوز في ميدان رابين في جهة ثالثة. ثلاثة أمزجة، ثلاثة أطواق، في ترتيب معاكس: حلو، مر وغريب.
لقد كان ينبغي للاعتراف الأمريكي الرسمي بالقدس كعاصمة الدولة ان يأتي قبل 69 سنة، حين أعلنت إسرائيل رسميا عن القدس عاصمة لها. ورغم أنه جاء بتأخير كبير ينبغي الترحيب به: فهو يصلح تشويها. ولكن المدعوين الذين جاؤوا إلى المبنى في الطرف الجنوبي من القدس لم يكتفوا بذلك. فقد شبهوا نقل السفارة بتصريح بلفور، ليس أقل، وبقرار الرئيس ترومان الاعتراف بدولة إسرائيل. التزلف هو المعيار في أحداث من هذا النوع، ولكن حتى لهذا ينبغي للمرء أن يعرف كيف يضع له حدوداً.
في المحيط جلس الاثرياء اليهود الجمهوريون، هم ونساؤهم، وذابوا راحة. هم غريبون على الغالبية الساحقة من اليهود في الولايات المتحدة وغريبون علينا نحن ايضا. فهم كانوا ابدا في المنفى، حتى، وربما على نحو خاص، حين يزورون هنا. لقد كانت الاجواء مثلما في كنيس اصلاحي في همتونس. قال لي إسرائيلي ما كان هناك بحكم منصبه. ما هي هذه الرقصات امام الطاغية، تساءلت إسرائيلية اخرى.
وقد كانت محقة. دولة إسرائيل ليست حلما بعيدا مثلما كانت في عهد بلفور او رضيعا يكافح في سبيل حياته مثلما كانت في عهد ترومان. إسرائيل قوية وراسخة. وهي حليف، وليست مدعومة اغاثة. مسموح لها أن تتوقف عن الانبطاح. لقد عمل البروتوكول الأمريكي على إعادة الحدث إلى التوازن. نتنياهو أراد المشاركة في احتفال إزالة الستار: ايفانكا ترامب ووزير المالية منوتشن يسحبان من جهة وسارة وهو يسحبان من جهة اخرى. هذا لن يحصل، اوضح المسؤول عن البروتوكول: مندوبون أمريكيون رسميون فقط يسحبون الحبل. سارة نتنياهو ارادت ان تجلس إلى جانب ايفانكا: إلى هناك ستركز الكاميرا. نتنياهو نال عن حق وفرة من الشرف في الاحتفال، ولكنه اراد بعض المزيد، مثلما في احتفال الشعلات.
55 قتيلا في حدود غزة بنيهم 8 اطفال، هم ثمن باهظ أثقل من أن يحتمل يوم صراع على الجدار. حتى لو كان ممكنا تبرير كل اطلاق للنار، فإن طعماً مراً من الفشل يرافق على اليوم. لقد شرح أحد القادة في الميدان في استعراض عشية الاحداث بأن تعليمات فتح النار متشددة اكثر من كل مطلب مقبول. عندما يقترب غزي إلى الجدار لا تطلق النار عليه الا بعد أن تنكشف اقدامه. الاقدام ـ وليس فقط الارجل. والامر للقناصة هو التصويب نحو الاقدام.
السؤال مفتوح، هل عمل الجيش الإسرائيلي أمس كما يلزم، ولكن هذا هو السؤال الفرعي. السؤال المقلق هو لماذا ترفض القيادة السياسية البحث في كل بديل يغير الواقع في غزة وتفضل ترك الغزيين ينهارون على حافة بابنا.
لا صلة بين الاحداث في غزة وانتقال السفارة، وان كان الحدثان من شانهما ان يؤديا إلى موجة عنف في القدس وفي الضفة. لا صلة بين غزة والايروفزيون وان كان مشكوكا ان تكون نيتع برزيلاي ستحظى بكل تلك النقاط لو لم تكن المسابقة جرت بعد احداث امس.
كنت امس في ميدان رابين. والطعم كان حلوا. لم يسبق أن رأينا هذا العدد الكبير من الناس معا منذ موجة الاحتجاج في 2011. لم يسبق أن رأيت هذا العدد الكبير من الشبان يحتفلون معا، بقلب كامل، بلا غضب، بلا شماتة، بلا نزعة منافسة، منذ… الكثير من السنين. لقد كان الميدان مليئا بالفتيات وبالنساء، الممتلئات والنحيفات، بالفتيان وبالرجال، وبالعائلات. الطفلات بعثن من فوق اكتاف آبائهم وأمهاتهم نظرات إعجاب إلى نيتع برزيلاي، مثلما اعجبت الفتيات قبل سنوات جيل بعوفرا حزا ويردينا ارازي.
طبيعية، هذه كانت فرضية العمل، هذه كانت الرسالة. سألت نفسي أين هؤلاء الشبان في يوم الانتخابات، لماذا لا يوجد تعبير عن رسالتهم في قرارات السياسيين. برزيلاي، فضل عن كفاءتها الفنية تبدي في كل تصريحاتها نضجا، عقلا وتحكما ذاتيا، سعت إلى ان تقول لهم جملة متفائلة من المنصة: «فكر يخلق واقعا»، قالت. بكلمات أخرى ان شئتم فلن تكون هذه اسطورة. ام الجمهور ففضل الغناء.

يديعوت 15/5/2018

عن المر والحلو
لا صلة بين الأحداث في غزة وانتقال السفارة وإن كان الحدثان من شأنهما أن يؤديا إلى العنف
ناحوم برنياع
- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left