العراقي محمد عباس يعالج الألم باللون الأسود

May 16, 2018

بغداد ـ «القدس العربي» من علي لفته سعيد: ربما هي محاولة جديدة أن يقوم فنانٌ شابٌّ برسم لوحاتٍ تعتمد على شخصياتٍ عالميةٍ، تركت أثرًا كبيرًا ليرى ذاته فيهم.. لكن الدهشة هنا ليس فقط في أفكار اللوحات أو ما تعكّز عليهم من شخصيات، بل ما أثاره من استخدامه للّون الأسود، حيث أراد الفنان محمد عباس أن يلوّن الواقع العراقي ويعطيه صبغته الحقيقية ويقدّم احتجاجه عن طريق خطوطٍ تتقاطع، فتنتج رسوماتٍ تريد أن تعالج ما هو مكنون في الذات.. الفنان الشاب الذي تخّرج من كلية التربية لغة إنكليزية في جامعة كربلاء، لم يكن يحمل في جعبته عن الأمل إلّا ما يمكن أن يطلق عليه اليأس، فأراد أن يحوله الى فنٍّ تشكيلي تبرز فيه المخيلة القاضمة لهذه الروحية اليائسة التي تأكل من كتف الحلم فتحيله الى أرضٍ بور.

سواد وعلاج

كل شيء أسود داخل بياضٍ وإذا أريد قلب المعادلة من قبل المتلقّي المتفائل، فإن ما يراه أبيض داخل سواد.. الفنان الشاب محمد عباس من مواليد 1994 ربما يمثل اللوحة العراقية الجديدة لجيلٍ لم يجد أمامه غير هذه الألوان، ليعبّر عن واقعه وأمراضه أو على الأقل عن روحه وشقاها.. فيعبّر عن جملةٍ من المتراكمات اليومية التي انبثقت في ولادته بزمن الحصار ويتركها في عبورها الى زمن الاحتلال ليتوّجها في التعبير عن حالاته المرضية، التي يعترف بأنها تؤثّر عليه ويبرزها في لوحاته.. فهو يقول إن «استخدامي للون الأسود فقط لأن جميع لوحاتي تمثل مرحلة علاجية بالنسبة لي. فأنا مصابٌ بصداعٍ نصفي حاد اسمه الأمل في الوطن. وأرسم فقط عندما تأتيني نوبة الألم من هذا الواقع الذي فتت كلّ الأحلام. واللون الأسود أجده أكثر إيقاعًا وضربًا من الألوان الأخرى. في حين أستخدم الألوان في لوحاتٍ قليلةٍ جدا».
لوحاته عبارة عن لحظة علاج من حشد غرائزٍ مختلفة.. هكذا أرادها الفنان أن تتحدّث نيابةً عنه.. غرائز تتحرّك وتتقاطع وتتعارك وتتخاصم لتنتج مفهوم الواقع العراقي المأزوم، غرائز متأثّرة بالحالة السايكولوجية والرؤية السوداوية للمستقبل، فصارت مرضًا يشبه عمليةٍ مخيالية احتاج إلى ترتيبها كأهدافٍ فنيةٍ مزاحةٍ عن الأثر المرضي، ليحوّلها إلى موازنةٍ صعبة بين اليأس الواقعي وما يمنحه الفن من قدرة التعبير على صناعة الجمال.. كل اللّوحات تتحدّث عن مفهومٍ خاصّ لهذه الغرائز، الغرائز بمفهومها العام.. غريزة الحياة.. غريزة التفكير.. غريزة الجنس.. غريزة الأمل، وكأن الفنان عباس يرى العالم من خلال مجموعة غرائز وهي التي تحرّكه فيترك بدلًا عنها خطوطه السود تتحرّك بما لعله يخط ما يشبه هذه الغرائز، وهو ما يؤكده الفنان بقوله «أرى أن الإنسان مجموعة غرائز، وهي في صراع مستمر»، ولهذا نجده في المعرض وقد علق لوحات بين كتب مكتبة النادي، أو أسفل لوحاتٍ ملوّنة معلّقة على الجدران، لكي يشعل منطقة الفراغ في التلقّي والتحديق.

شخصيات وتناصات

في المعرض الجديد الذي أقامه على قاعة نادي القراءة في كربلاء عرض لوحات كثيرة ربما لا تناسب عمره، لكنها كانت معبرةً عن المكنون والمخزون.. فقد تم عرض 98 لوحةً جزءٌ كبير منها من المدرسة التجريدية، التي تمنح الفنان طاقة تشكيلية تعبر عن تلك التقاطعات التي يعيشها بازدواجية الواقع والحلم. وبعض من عناوين اللوحات ربما هي تعبير عن البحث عن المقارنات أو التناصات، سواء تلك التي ركّز فيها على ما منحته شخصيات عالمية أدبية، أو وردت كشخصياتٍ في أعمالٍ أدبيةٍ مثل عناوين لوحات «الأخوة كارامازوف» أو «سالومي تقلب الطاولة على نيتشة» وكذلك «سيوران وأدباء باريس» و«راقصات البالية» و«خريطة المدينة» وكلّها توحي بأن المعنى المضاف له جذرٌ في الواقع، وهو ما جعله يؤكّد في تفسيره عن مثل عناوين ثقافية أو أدبية كهذه من إن الهدف هو» تسليط الضوء على المدرسة التجريدية.. ورفد المشهد الثقافي العراقي في هذا المجال، بل يضيف إن «الأدب والفن وجدا لمعالجة النقص في النفس الإنسانية أو لتشذيب النفس الإنسانية».
ربما الفنان عباس لا يريد لفنه التشابه مع الآخرين، سواء من جيله أو الذين سبقوه.. ورغم أن لوحاته وخطوطها وحتى أفكارها لم تأت بشيء جديد، إلا أن الجدية وطريقة استخدام الخطوط والتعبير عن المكنون جعلته يختار وهو في بداية مشواره إيجاد وصناعة أسلوب خاص يحتوي أفكاره ويترجم ما يود قوله. وهو بهذا يريد التفرد بالأسلوب الخاص المختلف عن الآخرين من الفنانين.. بل يؤكد في بحثه عن الأسلوب الخاص وبطريقة من يشعر دائما بالأزمة التي حوله، أو التي يعيشها، أو التي يدخلها عنوة عن الواقع والمرض، أنه يشعر دائما بالفراغ الذي لا فكاك منه، وهو يسعى لتأسيس مدرسة فنية، وهو الآن قيد العمل عليها.
إنه يرسم الخطوط التي تتحوّل الى مستطيلاتٍ ومربعاتٍ تنتج أشكالًا تعبيرية لا تخطئ عين المتلقّي.. فهي قد تنتج راقصات بالية مأزومات أو طيرًا مختنقًا بالخيوط، أو وجه رجلٍ يعيش محنة التناقض بين الضوء والظلّ، أو الخنوع الذي يعيشه الإنسان مع العالم.. إنه يسعى.. يبحث عن الصراع دائما.. صراع الذات والواقع .. ثم يبحث عن شخصياتٍ عالمية تشبه ذاته أو أنه تأثّر بها ثقافيًا أو أدبيًا وحتى نفسيًا، ليكوّن معها علاقة تقاربٍ وانصهارٍ وكلّها يضعها في بوتقة اللوحة التي يريدها أن تدقّ جرس فكرته، ليسمع صوت أنغامها المتلقّي بطريقته الخاص.. فهو يضع لونه الأسود أمام ستارةٍ عرض التلقّي، وبإمكان المتلقّي أن يضيف للون ألوانًا أخرى.. إنه يحمل اللّون الأسود معه باحثًا عمن يشاركه الصراع ذاته.

العراقي محمد عباس يعالج الألم باللون الأسود

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left