لماذا كانت حرب 1948 محسومة والنكبة محتومة؟

عوني فرسخ

May 16, 2018

سؤال في الإجابة عنه نذًكر بالحقائق التاريخية التالية :

1 – جاء في وثيقة رسمية من السفارة البريطانية في واشنطن إلى الخارجية الأمريكية سنة 1946 أن القوات الصهيونية في فلسطين يومذاك كانت تتألف من:
أ – الهاغاناه وتضم ما بين ستين إلى ثمانـــين ألف جندي مسلح، منهم ستة آلاف من قوات البالماخ (الكومندوز ).
ب – الأرغون وتضم ما بين ستة إلى سبعة آلاف مقاتل.
ج – منظمة شتيرن المتخصصة بالعمليات الخاصة. وتقرر الرواية الإسرائيل ية الرسمية عن حرب فلسطين 1947 – 1948 أن الهاغاناه كانت تمتلك صناعة سلاح متطورة.

2 – إلى جانب تأييد المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي قرار التقسيم التقيا على دعم القوات الصهيونية بالسلاح والمستشارين العسكريين والمتطوعين اليهود وغير اليهود.

3 – عملا بقانون الدفاع للعام 1945 فرضت حكومة الانتداب عقوبة الإعدام على كل عربي تضبط لديه قطعة سلاح، بحيث جردت الشعب العربي الفلسطيني من السلاح تماما.
ويذكر بهجت أبو غربية انه عند صدور قرار التقسيم في 29/11/1947 لم تكن في القدس قطعة سلاح واحدة.

4 – في أواخر ديسمبر / كانون الأول 1947 قدم عبدالقادر الحسيني إلى بيرزيت، يصحبه خمسة وعشرون مناضلا، واتخذها مقر قيادة «الجهاد المقدس»، لتوسطها قضاء رام لله، الخالي من المستوطنات الصهيونية ومعسكرات الجيش البريطاني، ولموالاة غالبية مواطنيه للمفتي والحزب العربي بزعامته، ويقدر منتسبو «الجهاد المقدس « في أوج نشاطه ما بين الخمسة والسبعة آلاف مناضل، يسندهم قرابة عشرة آلاف متطوع كانوا يشاركون في المعارك التي كانت تدور بجوارهم. وفي 5/4/1948 ذهب عبدالقادر إلى دمشق لمقابلة «اللجنة العسكرية « التابعة لجامعة الدول العربية طالبا السلاح لحسم معركة القدس وتصفية المستعمرات المحيطة بها. غير أنه جوبه برفض طه الهاشمي، المفتش العام للجنة، وأحمد الشرباتي وزير الدفاع السوري، لمعاداة اللجنة السياسية للمفتي و»الهيئة العربية العليا « بزعامته، و»الجهاد المقدس التابع لها. وبعدم الاستجابة لطلبه اتهم الهاشمي والشرباتي بالخيانة وانطلق للقسطل ليحررها وليستشهد على ثراها. ولم يعمل الذين تولوا القيادة بعده لتطوير أداء «الجهاد المقدس» بحيث تراجعت فعاليته.

5 – برغم كل المعوقات وخاصة محدودية السلاح والمعدات، تمكن «الجهاد المقدس « و«جيش الانقاذ» والنجدات الشعبية العربية من امتلاك المبادرة الاستراتيجية في القتال خلال الشهور الاربعة الأولى من الحرب. وقد أوردت الرواية الإسرائيلية الرسمية تقريرا قدمه يغال يادين، رئيس هيئة الأركان، إلى بن غوريون في 1/4/1948 تضمن قوله. «يجب أن نذكر أن كل مراحل القتال حتى الآن أملاها علينا العدو، ولم نتمكن حتى الآن من التأثير في المستوى الاستراتيجي والعملياتي، التي تطورت من أحداث إلى حرب بين قوتين شبه نظاميتين. والحل الوحيد هو أخذ المبادرة العملياتية بأيدينا، متطلعين إلى إحراز حسم عسكري ضد العدو».

6 – في اليوم التالي لاستشهاد القائد عبدالقادر الحسيني اقترفت منظمة الأرغون مجزرة دير ياسين، القرية القائمة على طريق القدس الغربية إلى الساحل. ومع أن أهاليها كانوا قد تصدوا لقوات العدو رغم تفوقها بالعدد والعتاد وأوقعوا بها قتلى وجرحى بما يقارب عدد ضحايا القرية الباسلة، إلا أن د. حسين فخري الخالدي، مدير مكتب «الهيئة العربية العليا» في القدس أصدر بيانا لم يأت فيه على ذكر مقاومة أهالي دير ياسين للعدو وايقاعهم بقواته خسائر فادحة، وإنما ركز فقط على تفاصيل المجزرة مستهدفا التشهير بالصهاينة واستثارة النخوة العربية، دون أن يأخذ حسبانه الحالة النفسية للجمهور العربي بعد استشهاد القائد عبدالقادر الحسيني، حيث أسهم بيانه في إشاعة الرعب والهلع على نطاق واسع، وبالتالي صب في قناة استراتيجية التطهير العرقي الصهيونية.

7 – في 10/3/1948 أقرت هيئة أركان الهاغاناه الخطة «دالت» التي استهدفت السيطرة على جميع المستعمرات القائمة ضمن القسم اليهودي من قرار التقسيم والتوسع بالقدر المستطاع خارجه، واعتماد استراتيجية التطهير العرقي والتهجير القسري «الترانسفير» لطرد غالبية المواطنين العرب من الأراضي التي يجري احتلالها. وكان بن غوريون وأركان القيادة الصهيونية سياسيين وعسكريين قد أداروا الصراع باعتباره حرب مصير و»معركة طارق» تقود للنصر أو الفناء، ويقرر المؤرخ الإسرائيلي بني موريس أنه كانت هناك مجازر كثيرة، وكثير من حالات الاغتصاب، وأن الدولة اليهودية ما كانت لتقوم بدون اقتلاع 700 ألف عربي، وكان من الضروري تطهير المناطق الساحلية والطرق الرئيسية، والقرى التي اطلقت النيران على قواتنا ومستوطناتنا.

8 – في المقابل احتل الزعيم المقام الأول في القيادة العربية التي لم تخض الحرب بذهنية النصر أو الشهادة. ومع أنه كانت لها تجارب غاية في المرارة من الرهان العبثي على «المجتمع الدولي»، والاتكال غير المبرر على الأنظمة العربية، دون أي محاولة جادة للاستقواء بالعمق الاستراتيجي الشعبي العربي الذي كان في قمة انفعاله وحماسه للقتال في فلسطين.

9 – غير صحيح الادعاء الشائع أن جيوش سبع دول عربية شاركت في حرب 1947 – 1948. بل بقوات محدودة من مصر وسوريا والعراق والأردن، وبعض السرايا السعودية واليمنية. ويذكر الخبير العسكري العربي د. هيثم الكيلاني : «لقد ترتب على غياب الاتفاق على استراتيجية قومية لإدارة الصراع، وفقدان الثقة بين القادة السياسيين والعسكريين، دخول كل قوات عربية من حدود بلادها مع فلسطين، مع غياب للتنسيق الكامل بين قياداتها والقيادة العليا. بل مضى كل طرف يضع في ميدان القتال ما يقرره بذاته من قوات، بغير التزام محدد بما يقتضيه منطق العمل المشترك، خصوصا في مجال الحرب بالسلاح.
فيما أسندت القيادة العليا للجنرال غلوب، الذي يقرر أنه كان ممنوعا علينا تجاوز حدود التقسيم.

10- انتهى الكاتب الفرنسي دومينيك فيدال، استنادا لما ذكره المؤرخون الإسرائيليون الجدد، إلى أن اليهود في معظم المعارك الحاسمة كانوا أكثر عددا من خصومهم، وأفضل تسليحا وتدريبا، كما تميزوا بالتنظيم والقيادة والثقة بالنفس.
وفي ضوء ما سبق تتضح تماما مصداقية القول أن حرب 1947 – 1948 كانت محسومة لصالح إسرائيل والقوى الدولية الداعمة لها، وأن النكبة كانت محتومة على شعب فلسطين وأمته العربية.
وبعد سبعين عاما من التآمر الدولي، والتخاذل الرسمي العربي، تؤكد المسيرة المليونية المنادية بعروبة القدس، وحق العودة، وفك حصار قطاع غزة. على أن القوى الملتزمة بخيار المقاومة غدت صاحبة المبادرة الاستراتيجية في صراع الوجود واللاوجود مع التجمع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني، وأنها المعبر الحق والصادق عن إرادة الشعب العربي الفلسطيني، والثابتة الالتزام بالتحرير والعودة التي تشكلت على النضال لتحقيقهما منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964.

كاتب فلسطيني

لماذا كانت حرب 1948 محسومة والنكبة محتومة؟

عوني فرسخ

- -

1 COMMENT

  1. شكرا للكاتب المحترم و ارجو ان اضيف:
    1- ان اليهود كان لهم فيلق يهودي يحارب الى جانب الحلفاء في الحرب العالمية الثانية اكتسب خبرات عالية و فيه ضباط كبار.
    2- كان لليهود كليات عسكرية متخصصة في فلسطين في الوقت الذي كان الفلسطيني يسجن 3 شهور لحمل سكين صغير
    3- الجيوش العربية دخلت فقط الى المناطق المحددة للدولة العربية بموجب قرار التقسيم..و عند سؤال النقراشي باشا رئيس وزراء مصر عن دخول مصر الحرب قال انها عملية استعراضية و ان الحل سياسي..(حل الدولتين آنذاك الذي رفضته الدول العربية علنا و عملت به فعلا…من سخرية القدر الذي يتكرر).
    4- بلغ مجموع القوات العربية نحو 25000 بينما بلغ مجموع القوات اليهودية نحو 65000
    5- اسوأ قرار اتخذه العرب في حرب 1948 هو خذلان المقاومة المحلية و الاعتماد على الجيوش النظامية
    6 -اكبر الهزائم كانت لاكبر قوات دخلت حيث خسرت القوات السورية كامل الجليل و سبعة قرى سورية محاذي لبحيرة طبريا. و خسر الجيش المصري معظم جنوب فلسطين المخصص للدولة العربية كما خسر ام الرشراش (ايلات) المصرية. اما القوات السعودية و اليمنية فكانت بضع مئات ملحقة بالجيش المصري و لم يكن لها دور يذكر
    7- استطاع الجيشان الاردني و العراقي الاحتفاظ بمعظم المناطق المخصصة للدولة العربية من جهتهما. و لكن الدولة لم تقم لانه جرى ضم هذه الاراضي و من عليها الى الاردن تحت مسمى الضفة الغربية.
    8 – اعلنت حكومة عموم فلسطين في 23/9/1948 و لكنها لم تلق الاعتراف من الدول العربية ذاتها. و انتقلت الى غزة بعض الوقت ثم الى القاهرة حيث تم تقليصها في 1952 الى شخصين و تخصيص دعم سنوي لها هو 1500 جنيه الى ان تم اغلاقها نهائيا في 1955 و الغاء الدعم العربي لها من جامعة الدول العربية!!!

Leave a Reply to خليل ابورزق Cancel reply

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left