من المستفيد من انسحاب ترامب من الاتفاق النووي الايراني؟

صادق الطائي

May 16, 2018

لماذا انسحب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الاتفاق النووي الإيراني مع مجموعة دول (5+1)؟ لا أحد يمتلك إجابة قاطعة على هذا الأمر، حتى المقربين من الرئيس ترامب. هل كان قرر الانسحاب مفاجئا؟ بالتأكيد لا، بل كان متوقعا وحاول زعماء الدول الموقعة على الاتفاق ثني الرئيس ترامب عنه، وتبصيره بخطورة الخروج منه، لكنهم فشلوا في ذلك. ويبقى السؤال الأهم، إذا خرجت الولايات المتحدة الامريكية من الاتفاق الآن، فمن هو المستفيد؟ ومن هو الخاسر الأكبر من هذه الخطوة؟
في إعلانه الرسمي عن انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من الاتفاق النووي الإيراني، قال الرئيس دونالد ترامب في كلمة له من البيت الأبيض، الثلاثاء 8 مايو 2018؛ «أعلن اليوم انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من الاتفاق النووي الإيراني»، قبل أن يقوم بالتوقيع على القرار الذي اتخذه. وأضاف في كلمته؛ «من الواضح أننا لن نستطيع منع إيران من تصنيع قنبلة نووية بهذا الاتفاق ذي البنية الضعيفة»، وتابع كلمته قائلا؛ «هناك خلل في جوهر الاتفاق النووي مع إيران، ونعلم جيدا ما الذي سيحدث إذا لم نفعل شيئا». وتوعد بفرض عقوبات اقتصادية «على أعلى مستوى» على إيران، وهدد الدول التي تدعم مشروع طهران النووي بالعقوبات نفسها من قبل الولايات المتحدة.
مجلة «فورن بوليسي» التي تعنى بقضايا السياسة الخارجية الأمريكية، قرأت قرار الرئيس ترامب باعتباره نذير شؤم، ليس على الولايات المتحدة وحدها، بل على العالم أجمع. وقالت المجلة في تعليق لها على الموضوع ، «إن آخر مرة انسحبت فيها الولايات المتحدة الامريكية من اتفاق أمني دولي كانت عاقبتها اندلاع حرب عالمية لم تبق ولم تذر»، في اشارة إلى رفض الولايات المتحدة لنتائج معاهدة فرساي للسلام عام 1919، التي أسدلت الستار رسميا على الحرب العالمية الأولى، وكان أن أدى ذلك الرفض في خاتمة المطاف إلى نشوب أشد الحروب فتكا في تاريخ الإنسانية وهي الحرب العالمية الثانية.
وأشارت «فورن بوليسي» إلى أن الولايات المتحدة استطاعت بإبرامها ميثاق الأمم المتحدة (1944) واتفاقية بريتون وودز(1944) التي أرست نظاما نقديا دوليا جديدا، جعل الدولار العملة المرجعية العالمية، ومعاهدة شمال الأطلسي (1949) التي تأسس بموجبها حلف الناتو، ووثيقة هلسنكي الختامية (1975) التي نظمت أسسا جديدة للأمن والتعاون بين الدول الأوروبية ، كل ذلك أدى إلى تعضيد مصادر قوتها السياسية والعسكرية والاقتصادية، التي مكنتها من أن تكون القوة الأولى عالميا. بيد أن الحال لم يعد كما كان، فالقوة العسكرية الأمريكية وجدت ما يضاهيها، بل أخفقت في تحقيق أهدافها في أفغانستان والعراق وسوريا وأماكن أخرى عديدة منذ 11 سبتمبر 2001.
إجراءات الرئيس ترامب، منذ تسنمه سدة الحكم حتى الآن، ساهمت في انهيار ما وصلت ‘ليه مكانة الولايات المتحدة دوليا، نتيجة سياسته الطائشة المتمثلة بالانسحاب من الاتفاقات الدولية، مثل اتفاقية باريس للمناخ، وانسحاب أمريكا من اتفاقية التجارة عبر المحيط الهادئ، وفرض القيود على التجارة الخارجية مع الحلفاء الاوربيين، والتنصل من دور الولايات المتحدة القيادي في حلف الناتو. إنها سياسة تنفير واشنطن لحلفائها منها، رغم حاجتها لدعمهم في التزاماتها الدولية، والنتيجة أن للعالم من الأسباب ما يجعله يتساءل – بعد رفض ترامب اتفاق إيران مثلما حدث بعد فرساي- عما إذا كانت الولايات المتحدة ستلتزم بالاتفاقيات الأمنية الأخرى، بما في ذلك معاهدة حلف الناتو التي صاغتها ورعتها؟
اتسم موقف الدول الاوروبية بالامتعاض من انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، ولطالما أعلن المسؤولون في حكومات روسيا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا والاتحاد الأوروبي تأييدهم القوي للاتفاق النووي الموقع مع إيران، ما دامت طهران ملتزمة به. وقد صرّح المتحدث باسم الرئاسة الروسية ديمتري بيسكوف قائلا «إن التغييرات في الخطة الشاملة المشتركة بشأن إيران ستؤدي إلى عواقب وخيمة، لذلك فإن روسيا ترى الحفاظ على الاتفاق النووي الأساس الحقيقي الوحيد للحفاظ على الوضع الراهن». وقال بيسكوف في مؤتمر صحافي يوم الثلاثاء 8 مايو 2018 «أنتم تعلمون عن اتصالات الرئيس بوتين الأخيرة مع المستشارة الألمانية ميركل والرئيس الفرنسي ماكرون ورؤساء دول أخرى. وتعلمون نهج الرئيس الثابت، الهادف إلى ضرورة الحفاظ على الاتفاق النووي، باعتباره الأساس الحقيقي للحفاظ على الوضع الراهن. كما أنكم تعلمون جيدا موقف الجانب الروسي والرئيس بوتين من العواقب الوخيمة، التي لا مفر منها لأي إجراءات موجهة لإلغاء هذه الاتفاقيات».
أما الموقف التركي فيمكن قراءته في تصريح الرئيس اردوغان، الذي أكد أن أمريكا لم تلتزم بالاتفاق النووي الإيراني، وأنها ستكون الخاسرة بانسحابها من الاتفاق. وقال – وفقاً لوكالة الأناضول – الأربعاء 9 مايو 2018 تعليقاً على خروج الولايات المتحدة الأمريكية من الاتفاق النووي الإيراني، إن «أمريكا ستكون الخاسرة لأنها لم تلتزم باتفاقية هي التي أبرمتها»، وأضاف «لا يمكن تعطيل أو إبرام الاتفاقيات الدولية بشكل كيفي».
أكبر المحتفين بالانسحاب الامريكي كان الاسرائيليين، وبحسب بعض المحللين أن سبب ذلك يرجع إلى الخلاف العميق بين نظريّتين: نظريّة أوباما والأوروبيّين (فرنسا، بريطانيا، ألمانيا) التي تفصل بين الاتّفاق والسياسة الإيرانيّة التوسّعيّة في المنطقة، والنظريّة (الإسرائيليّة – الخليجيّة) التي انحاز إليها ترامب، مسلّحاً بانتصار دبلوماسيّ على الجبهة الكوريّة، ومفادها استحالة الفصل بين الاتّفاق النووي وما سيمنحه لايران من قوة، والسياسة الإيرانيّة التوسّعيّة في المنطقة. وتبعاً لهذه الاستحالة فإنّ كلّ دولار يصل إلى إيران نتيجة رفع العقوبات سينتهي في جيوب حزب الله والقوى المشابهة، التي تزعزع استقرار المنطقة، وتهدد أمن اسرائيل.
اما الموقف الخليجي فتجلى في مجموعة تغريدات مستبشرة، نشرها وزير الدولة الإماراتية للشؤون الخارجية أنور قرقاش، في يوم اعلان الرئيس ترامب الانسحاب من الاتفاق، اذ قال، «إن الإجراءات الإقليمية الخطابية والعدوانية لإيران كانت بمثابة خلفية لصفقة معيبة»، وأضاف «أن قشرة امتثال طهران تتناقض مع سياساتها العدوانية»، وشدد على أن قرار الرئيس ترامب هو القرار الصحيح. وبيّن، «لقد فسرت إيران خطة العمل المشتركة الشاملة (JCPOA) على أنها موافقة على هيمنتها الإقليمية، إذ اشتدت عدوانيتها ونتيجة لذلك أصبح برنامجها للصواريخ الباليستية قابلا للتصدير».
أما الموقف السعودي فجاء في بيان رسمي، رحبت به المملكة بالقرارات التي أعلنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني. وجاء في البيان الذي نشرته صحيفة «الرياض»، أن السعودية تؤيد ما تضمنه الإعلان الأمريكي من إعادة فرض العقوبات الاقتصادية على إيران، التي سبق أن تم تعليقها بموجب الاتفاق النووي. وزعم البيان السعودي أن ايران استغلت العائد الاقتصادي من رفع العقوبات «واستخدمته للاستمرار في أنشطتها المزعزعة لاستقرار المنطقة، من خلال تطوير صواريخها الباليستية ودعمها للجماعات الإرهابية في المنطقة، بما في ذلك حزب الله وميليشيا الحوثي، التي استخدمت القدرات التي نقلتها إليها إيران في استهداف المدنيين في المملكة واليمن والتعرض المتكرر لممرات الملاحة الدولية».
أما الموقف الايراني فقد توزع بين موقف موجه للداخل الايراني، تمثل في خطاب ذي نبرة حماسية تصعيدية تقول للشارع الإيراني اننا قادرون على تحدي الولايات المتحدة والعودة للبرنامج النووي المحظور، ورفض التعاون مع منظمة الطاقة الذرية الدولية، ومثّل هذا الخطاب الجناح المتشدد في الادارة الايرانية القريب من المرشد علي خامنئي، بينما نجد أن الوجه الآخر للخطاب الايراني تمثل بالطروحات العقلانية للرئيس روحاني، الذي شدد على أهمية استمرار الاتفاق النووي، وأكد على التعاون بين إيران وبقية الدول الموقعة على الاتفاق للبرهنة على حسن نوايا ايران والتزامها بتعهداتها، وقد كان هذا الخطاب مصدر ارتياح المجتمع الدولي في تعاطيه مع الأزمة.
ويبقى شبح اندلاع حرب إقليمية أو حتى اجتياح أمريكي للمنطقة مشابه لما حصل في العراق عام 2003 هو المسيطر على الكثير من التحليلات السياسية، فقد قال بول بيلار كبير محللي الاستخبارات الأمريكية في الشرق الأوسط للفترة من 2001 إلى 2005 «ثمة أوجه شبه مزعجة وعجيبة في إساءة استخدام الاستخبارات آنذاك والآن». وأضاف «إن وجه الشبه الأساسي يتمثل في استخدام الاستخبارات «على نحو شديد التحامل والانتقائية أساسه: نحن نعرف لب الموضوع». فهل سيسير ترامب على خطى المحافظين الجدد ويشعل حربا في الشرق الاوسط بتخبطه وقراراته غير المدروسة ؟هذا ما يأمل أغلب الفرقاء عدم حدوثه.
كاتب عراقي

من المستفيد من انسحاب ترامب من الاتفاق النووي الايراني؟

صادق الطائي

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left