التحالف المسيحاني يتحكم في العلاقات الأمريكية ـ الإسرائيلية

أمام القتل في قطاع غزة فإن الادعاء بأن نقل السفارة سيسهم في تحقيق السلام مضحك

صحف عبرية

May 16, 2018

افتتاح السفارة الأمريكية في القدس أوضح أنه في إسرائيل التي تخص نتنياهو، فإن الشخص الوحيد الذي يقرر هو ترامب، وأنه منه سيأتي الخلاص.
التناقض المطلق الذي ظهر أمس على الشاشات بين احتفال إسرائيل في القدس والدم والنار على الفلسطينيين في غزة جدير بالافتتاحية الخالدة لتشارلز ديكنز في كتابه «بين مدينتين»: «كان هذا هو الوقت الافضل، كان هذا الوقت الاسوأ، كان هذا عصر الحكمة، كان هذا عصر الغباء، كان هذا دور الايمان ودور الشك، كانت تلك أيام النور، كانت تلك أيام الظلام، كان هذا ربيع الأمل، كان هذا شتاء اليأس، كل ذلك كان ممكنا، لم يكن هناك أمر ممكن».
سواء قبلنا الرواية الفلسطينية عن الجمهور اليائس الذي خرج للتظاهر، أو الرواية الإسرائيلية عن استخدام متهكم للبشر كغطاء لنوايا القتل، عشرات القتلى ومئات المصابين على حدود القطاع افشلوا العرض لنتنياهو وترامب. كلما زاد عدد المصابين كلما ظهرت الجماعة التي اجتمعت في مبنى السفارة الأمريكية الجديدة في حي ارنونا في القدس، كغريبة وبالاساس عديمة الرحمة. كلما ازدادت التقارير والتغريدات عن يوم دموي في القطاع، الاقسى منذ عملية الجرف الصامد، كلما تبلور الادعاء بأن نقل السفارة يمكن أن يساعد في تحقيق السلام بشكل مدهش، كادعاء متهكم وبالاساس مضحك.
الضربة الاعلامية القاضية كانت مفهومة في السيناريو. حيث من جهة يقف جيش حديث مسلح من قمة الرأس حتى أخمص القدم، ومن جهة أخرى جمهور مسلح بالطائرات الورقية والحجارة، فإن الإضرار بصورة إسرائيل معروف مسبقا. أمام هذا العدد الكبير من القتلى وأضعافه من المصابين لن تساعد حتى ادعاءات وسائل الاعلام الاكثر ذكاء، ومثل هذه الادعاءات لا يوجد لدينا، سوى للاستهلاك الداخلي.
حماس بلا شك استغلت مراسم احتفال السفارة لغاياتها، وجندته كذريعة لمظاهرات الغضب وكسب تغطية واسعة من المراسلين الاجانب الذين وصلوا إلى إسرائيل لتغطية الحدث. لكن الكثيرين في العالم سيعتبرون ذلك ضرورة لا مناص منها. نحن نقول لأنفسنا إن الامر يتعلق بمنظمة إرهابية قاتلة، فظة القلب تجاه رعاياها، تسيطر على منطقة انسحبت منها إسرائيل كليا، لكن الرأي العام العالمي يرى فقط القوي مقابل الضعيف، محتل مقابل الواقع تحت الاحتلال. دولة لا ترحم مقابل فلسطينيين لا أمل لهم.
إلا أن الاحتفال أظهر بمضمونه وبالمشاركين فيه أنه من ناحية نتنياهو والقيادة الحالية في إسرائيل فإن الرأي العام العالمي غير مهم. يوجد لإسرائيل ـ نتنياهو ملك واحد هو ترامب، الذي حظي من مؤيديه بلقب «الملك المخلص»، مثل قورش في حينه، ومنه سيأتي الخلاص.
مشاركة الواعظين الافنغلستيين في الاحتفال، جون هايغو وروبرت جيفرس، اظهرت حجم الانتصار وقوة سيطرة الاصوليين المسيحانيين الذين يتوقون لنهاية العالم على العلاقة المدهشة بين إسرائيل والولايات المتحدة كما يبدو. هايغو وصف هتلر ذات مرة بالصياد الذي أرسله الله، وجيفرس تنبأ بارسال اليهود الذين سيرفضون اعتناق المسيحية إلى جهنم. ولكن في عهد نتنياهو ـ ترامب فإن الكراهية الدينية ـ الجذرية لليهود هي باطلة ازاء التأييد الكبير لسياسة الحكومة الرافضة والاستيطانية. الكراهية المشتركة للإسلام الذي وصفه جيفرس في السابق كدين لمن يحبون ممارسة الجنس مع الاطفال، هي الصمغ الذي يربط الآن حلف المتطرفين.
بهذا المعنى، الاحتفال أمس عبر ليس فقط عن نهاية وهم الدعم الأمريكي من قبل الحزبين لإسرائيل، بل ايضا عن نهاية محاولة التظاهر بأن هذا مهم لأحد ما. لم يتم ضم أحد من اعضاء مجلس الشيوخ، الذين كان غيابهم بارزا، إلى البعثة الأمريكية. حتى من الجانب الإسرائيلي شارك رؤساء المعارضة، سواء من خلال الموافقة الكاملة أو خوفهم من الرأي العام. وقد كانت تمار زندبرغ (ميرتس) محقة عندما خرقت الاجماع المقدس وبقيت في المنزل. بالنسبة لامرأة من اليسار الحقيقي، حتى لو كانت تؤيد مبدئيا نقل السفارة، فإن المنتدى الوطني المسيحاني الذي اجتمع في حي ارنونا في القدس بادارة وزير متطرف يكره اليسار مثل ديفيد فريدمان، فإن ابعاد النفس عن ذاك اللقاء افضل.
أيضاً بالنسبة لغالبية يهود الولايات المتحدة ولا سيما الذين يعتبرون أنفسهم مؤيدين لإسرائيل، فإن مراسيم الاحتفال أمس كانت في نظرهم ضربة تحت الحزام. ليس فقط الضيوف المحترمون هايغو وجيفرس يعتبران في نظرهم منبوذين بسبب الكراهية، بل لأن الهتاف الصاخب للجمهور في القدس قبيل خطاب ترامب المسجل، الذي يمكن سماعه فقط في اجتماعات اليمين المتدين الارثوذكسي في الولايات المتحدة، أكدت على الشرخ الذي يتعمق بين إسرائيل والجالية اليهودية الاكبر في العالم. الامور التي نراها من هنا عن الصداقة الرائعة والدعم الحماسي المدهش للرئيس الأمريكي، لم تتم رؤيتها في أي يوم من هناك. بالنسبة لليبراليين، يهود وغير يهود، ليست هناك شهادة اكثر ادانة لابتعاد إسرائيل نتنياهو وانحرافها تحت رئاسته إلى جهة اليمين المجنون، من الاخلاص بارادتها لرئيس يثبت مجددا تقريبا في كل يوم كم هو كاذب وفاسد وفظ، وكم هو يشكل تهديدا على القيم المتنورة والمقدسة بالنسبة لهم.
كل ذلك بالتأكيد لا يقلق في الوقت الحالي نتنياهو. رئيس الحكومة محمول على موجة التأييد الجماهيري غير المسبوق، وفي أعقاب ما تم تفسيره في الرأي العام المحلي كتدفق لا يتوقف للنجاحات الظاهرية، من الغاء الاتفاق النووي مع إيران وحتى نجاح نتاع برزيلاي في الاورفزيون. ولكن نتنياهو يقف في ظل رئيس يعمل كما وصفته «واشنطن بوست» بطريقة «قم بالشراء الآن وادفع بعد ذلك». ترامب زاد رصيده على خرقه الاتفاق النووي بصورة أحادية الجانب، رغم الضرر الشديد الذي سببه لحلف شمال الاطلسي، ورغم أن تداعيات افعاله لم تعرف بعد. لقد توج كـ «ملك الاتقياء» حسب اقوال الحاخام اسحق يوسف، الذي ساوى بين السود والقردة. ورغم أن نتائج افعاله ومنها ابعاد الاحتمال الضئيل للسلام والتهديد بانفجار انتفاضة ثالثة، ستتضح في الاسابيع والاشهر القادمة.
في هذه الاثناء كان لليهود سعادة وسرور، وللفلسطينيين مرارة ويأس، وفقط الايام ستقول مثلما يقول الشعار هل «اليوم التاريخي» الذي أعلن عنه بضجة كبيرة يبشر بمجيء ربيع الأمل أو شتاء اليأس، وربما كليهما معا في نفس الوقت».

حيمي شليف
هآرتس 15/5/2018

التحالف المسيحاني يتحكم في العلاقات الأمريكية ـ الإسرائيلية
أمام القتل في قطاع غزة فإن الادعاء بأن نقل السفارة سيسهم في تحقيق السلام مضحك
صحف عبرية
- -

1 COMMENT

  1. نتن ياهو وترامب دادا مجرما حرب ويجب محاكمتهما، عنصريان فاشيان يدفعون العالم الى حرب عالمية كما فعل هتلر وموسوليني تحالف العنصرية والتطرف والاستبداد

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left