غزة تعيش حالة الصدمة وبيوت العزاء تعمّ القطاع من شماله لجنوبه

رضيعة شهيدة وعوائل مكلومة… وسيدة تنتحب «تركونا لحالنا» وتروي مذابح «مليونية العودة»

May 16, 2018

غزة ـ «القدس العربي»: من ممر ضيق مرتبط بباحة المنزل المعتمة، التي توصلك إلى غرفة أكثر ظلمة بسبب انقطاع التيار الكهربائي، سُجّي جسد الطفلة الرضيعة ليلى الغندور ابنة الثمانية أشهر، وهي أصغر ضحايا العنف الإسرائيلي في «مسيرة مليونية العودة» ملفوفة بقطعة قماش أبيض يكسوها علم فلسطين. وعلى فراش مهترئ، تجلس بجوارها والدتها تبكي بحرقة، قبل خروج جثمانها من المنزل وتشييعه إلى مثواه الأخير. وهو مشهد تكرر في عشرات المنازل الغزية، التي فقدت أحد أفرادها في تلك المسيرة السلمية.
في ذلك البيت الذي يحمل عشرات القصص الإنسانية، لم تكن الطفلة ليلى تدري كغيرها من الشهداء بما يدور حولها، غير أن وجهها الملائكي الذي تجلى من بين اللفائف البيضاء، ساكنا بلا حركة على غير عادتها، بعد أن فاضت روحها إلى السماء، يحمل لائحة إدانة واضحة للكيان الصهيوني القاتل، الذي أودى جنوده بحياتها إلى جانب العشرات، فقط لأنها وجدت عند نقطة حدودية برفقة أسرتها، مشاركة بـ«مليونية العودة».ورغم صغر سن الطفلة ليلى، إلا أن وفاتها أحدثت صدمة كبيرة لوالديها، فأمها مريم، تقول إن أول أطفالها توفي منذ عامين مريضا، عندما كان يبلغ من العمر عاما فقط. وتضيف لـ «القدس العربي» اليوم ماتت ليلى، وتستمر في الحديث والدموع تنهمر من عينيها «حسبي الله والله ما عملت إشي (لم تفعل شيء) لليهود ليش قتلوها (لماذا قتلت)».
وكانت والدتها برفقة العائلة تشارك في المسيرة السلمية التي وصلت إلى الحدود الشرقية لمدينة غزة، ضمن مسيرات كبيرة، إحياء لذكرى النكبة، ورفضا لقرار نقل السفارة الأمريكية للقدس المحتلة، حيث قضت هناك الطفلة ليلى اختناقا لاستنشاقها الغازات السامة التي أطلقها جنود الاحتلال. وتضيف الوالدة «مفيش إلي (لم يعد لي) أولاد والله حرام الي عملوه»، وتقصد عمليات الاستهداف المباشر للمشاركين، بمن فيهم الأطفال. وليس بعيدا عن ذلك المشهد الحزين، يقول والد الطفلة «كانت الوردة الجميلة في حياتي»، وقد كان لحظتها يحتضن طفلته الصغيرة، وبدأ بالبكاء حزنا على الفراق.
وفي مكان الوداع المظلم تجمع حول الجثمان الصغير جمع من أطفال العائلة والجيران، أحدهم كانت طفلة في العاشرة من عمرها، اقتربت من ليلى ووضعت أصابعها على رأسها، بكت بهدوء ثم غادرت المكان وارتمت في أحضان إحدى النساء. ومن منزل العائلة في حي الصبرة غرب مدينة غزة، خرج على عجل المشيعون بلا نعش خشبي، كباقي الشهداء، فقد وضعها والدها بين يديه، حتى أوصلها إلى مسجد قريب، أقيمت فيه صلاة الجنازة، ومن ثم شق المشيعون طريقهم إلى المقبرة، وانتهت بذلك حكاية ليلى بنت الثمانية أشهر فوق الأرض، لتبدأ معها مأساة العائلة المكلومة فوقها.
ذلك المشهد الحزين أصاب عشرات العوائل، التي فقدت إما أطفالا خلال مسيرات أول من أمس، أو شبانا ورجالا ترك بعضهم خلفه أبناء صغارا، سيعيشون حياة اليتم، بفعل آلة الحرب الإسرائيلية. فمن مناطق عدة في قطاع غزة، علا صوت الهتاف والصياح والبكاء، مع خروج جنازات الشهداء، ورفعت الأعلام الفلسطينية وصور للمغادرين إلى الأبد، وهناك أيضا إلى جانب بيوت العزاء فتحت الجروح، على أمل أن يخففها مرور الزمن.
وحسب آخر إحصائية لوزارة الصحة في غزة، فقد بلغ حتى ظهر أمس الثلاثاء عدد الشهداء 60 شهيدا، فيما بلغ عدد المصابين 2700 مصاب، بينهم من لا يزال في حالة حرجة.
من ذلك البيت الحزين الذي ودع أصغر شهداء «مليونية العودة» إلى مشفى الشفاء أكبر مشافي القطاع، مسافة تقدر بنحو ثلاثة كيلومترات، غير أن تلك المسافة القصيرة، تحمل مئات القصص. في شوارع غزة بدت وجوه السكان عابسة، فالمصاب كبير وعدد الضحايا لم يكن يتوقعه أحد، وفي تلك الشوارع أغلقت المحال التجارية تنفيذا لقرار الإضراب، فيما جلس أحد السكان أمام منزله واضعا يده على رأسه، في مشهد عكس الحالة العامة لغزة الحزينة.
وفي المشفى الكبير، يقول والد أحد المصابين بعيار ناري في الرأس، وينتظر الخروج للعلاج في المشافي المصرية «ابني بين الحياة والموت»، ويضيف شقيقه مكملا «والله ما بنملك غير الدعاء ربنا يلطف». وكان أفراد الأسرة كغيرهم المئات من الأسر الغزية، يقفون أمام غرف العناية الفائقة يتمتمون بالدعاء، ويستذكرون تلك اللحظات التي عاشها أبناؤهم قبل الإصابة.
وفي مبنى الجراحة في المشفى ذاته ، ينتظر محمد الجعل أحد المصابين بعيار ناري متفجر في القدم، أن يصله الدور لدخول غرفة العمليات لإجراء عملية تثبت عظام الساق، ويقول لـ «القدس العربي» «الأطباء أبلغوني أن هناك حالات صعبة أكثر يجري إدخالها للعمليات»، وقد أصيب هذا الشاب وهو في منتصف العشرينيات ظهر أول أمس.
وفي الغرفة المجاورة قال محمد أبو غبن، وهو رجل في الأربعينيات من العمر، وأصيب بطلق ناري متفجر في اليد اليمنى، إنه هو الآخر لا يزال ينتظر إجراء العملية الجراحية، حيث يقدم له حاليا علاج أولي لتخفيف الألم، ويضيف أنه لم يكن قد اقترب من السياج الحدودي لحظة إصابته، وأنه كان فقط يحمل علما فلسطينيا.
وهناك أفاد أحد الأطباء المعالجين أن غرف العمليات تعمل على مدار الساعة، لكن عدد الجرحى يفوق قدرتها على التعامل، في ظل شح الدواء والمستلزمات الطبية. ويؤكد ذلك الطبيب أيمن السحباني، مدير قسم الاستقبال والطوارئ في المشفى، حيث يؤكد أن قسم الطوارئ مجهز لاستيعاب 25 حالة، لافتا إلى أن ما وصل أول من أمس في غضون ساعات قليلة 500 إصابة لمشفى الشفاء.
وقد كان يتحدث لـ «القدس العربي» من خيمة طبية كبيرة، أقيمت أمام قسم الاستقبال والطوارئ وتحتوي على عدة أسرة، للتعامل مع الحدث. ويضيف الطبيب «كان الأمر صعبا للغاية في ظل الضغط الشديد»، ويقول إن 16 شابا لفظوا أنفاسهم الأخيرة على أسرة قسم الاستقبال، خلال تعامل الفرق الطبية معهم بسبب خطورة الإصابة.
وفي ذلك المشفى كباقي مشافي القطاع، يكتظ المبنى المخصص لـ «بنك الدم» بالمتبرعين من أقارب المصابين، لإنقاذ حياتهم بعد أن فقدوا الكثير من الدماء بفعل الإصابات الخطرة، وفي تلك المشافي تفترش مئات العوائل الأرض، تنتظر سماع أخبار مطمئنة عن أبنائهم الذين أدخلوا لغرف العمليات.
وعلى أمل الشفاء يرفع هناك الجميع أكفه إلى السماء، يدعون بقرب الفرج، وحالهم عبرت عنه سيدة مسنة كانت تنتحب بصوت مرتفع «ربنا عليهم تركونا لحالنا»، وبين ثنايا كلامها الكثير من المعاني.

غزة تعيش حالة الصدمة وبيوت العزاء تعمّ القطاع من شماله لجنوبه
رضيعة شهيدة وعوائل مكلومة… وسيدة تنتحب «تركونا لحالنا» وتروي مذابح «مليونية العودة»
- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left