في سير الأعلام والشخصيات… من يعيد قراءة التاريخ؟

رامي أبو شهاب

May 16, 2018

يعدّ فعل التأمل التاريخي في سير الشّخصيات والأعلام ظاهرة صحية، وممارسة مركزية في تطور الأمم والحضارات. هذا التأمل لا يعني إلا البحث في التاريخ بكافة أبعاده، بحيث يشمل الأحداث عينها، وما يتعلق بها من شخصيات كان لها أثر على مسار أمة ما، وهذا ربما يفسر وجود متخصصين بكتابة سير الشخصيات والأعلام، وتتبعها في الغرب بوصفه مجالاً متخصصاً، وغالباً ما يكون هؤلاء من البحاثة المتخصصين في هذا المجال، وهذا بالتوازي مع الكتابة الذاتية التي تقوم بها الشخصيات عينها.
ثمة إذن نسق قائم ومعلن في الثقافات الأخرى، ينهض على هذا المسلك البحثي، حيث يتقصى هؤلاء البحاثة التاريخ، وينقبون في الأحداث والذوات، كي يقدموا لنا صورة واضحة عن حياة الشخص وإنجازاته، بالإضافة إلى المنعطفات التي شكلت حياته، وما طاله من تقدير، أو ظلم، بالإضافة إلى أهم منجزاته، وهذا لا يقتصر على الأدباء وحسب، إنما يشمل الشخصيات العامة سواء أكانوا سياسيين، أو فنانين، وهذا يشمل الكثير ممن يمكن أن نطلق عليهم الشخصيات العامة.
ولعل هذا التلفت البحثي بخصوص الشخصيات والأعلام، يبدو متواضعا في العالم العربي، على عكس ما نجده في تاريخنا الموروث، حيث كانت ثقافة التراجم والترجمة للشخصيات جزءاً من مكونات ذلك العصر، في حين أن زمننا هذا يكاد يقتصر على نماذج قليلة جدا تطال بعض كبار المبدعين في العالم العربي، وعادة ما يكونون من المقربين للسلطة، أو من الذين ينهجون نهجاً محايداً، ولكن هذا الفعل لا يشكل تقليداً أو نسقاً معرفياً قائما بذاته، وهذا يدل على قصور في القدرة على العودة إلى التاريخ، أو الوعي به عبر التمثل الخاص لتاريخ تلك الشخصيات وموقعها، علاوة على محاولة تقييم مساراتها، وإخضاعها للأحكام الموضوعية، ومن ذلك رد الاعتبار للحدث، أو الشخص، أو الحقبة الزمنية، في حال تعرضت لظلم تاريخي.
لا شك في أن المكتبة العربية بانعكاسها على العقل العربي، ما زالت تعاني من نقص الفعل التأملي النقدي، فذاكرتنا قصيرة، وحدود معرفتنا بما يسبقنا يكاد يقتصر على مذكرات مدرسية، ورؤى وضعت لأهداف معينة. فالحدث والشخص والزمن تركت مجتمعة بدون أي فعل نقدي، فلا نعرف إن كانت تمتثل لقيم إيجابية أو سلبية، فضلا عن فقداننا للمتعة المتأتية من المعرفة بحد ذاتها، وهي تعادل اللذة التي نستشعرها عندما نقع على معنى الحقيقة، أو فهم موقف ما، أو حين نتعرف على شخصية ما كان لها أثر في تشكيل حياتنا بصورتها الحالية. وفي هذا السياق لا بد من الإشارة إلى بعض النماذج التي يمكن أن نلمحها في الكم الهائل من الأعمال التي تصدر سنويا، سواء أكانت كتباً او أفلاماً أو حتى دراسات تبحث في الشخصيات التي عبرت الزمن، والتي لم يكتب لها التقدير الكافي، أو أنها تعرضت للإنكار، أو سوء الفهم، فتأتي هذه الأعمال لتعيد الحق لصاحبه، وغالبا ما يلجأ إلى هذا بعد أن تزول السياقات والملابسات التاريخية التي تسببت بالحكم الذي ميز تلك الشخصية والتصق بها بوصفها سلبية، أو مخطئة.
لنتأمل على سبيل المثال قيمة الأثر السلبي للسياقات الزمنية التي تتصل بنيوياً بالسلطة، أو بنظام سياسي ما حين يحارب شخصية أدبية أو سينمائية أو فنية، بحيث يشيطنها، ويلقي بها بعيداً عن ضوء الاهتمام، ولا يقدر عملها، ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر بعض الأدباء الذين نشأوا في ظل الأنظمة الشمولية، ومن ذلك جماعة الشكلانيين الروس الذين كان لهم الأثر الأكبر في تشكيل الوعي النقدي في القرن العشرين، كما الأدباء والفلاسفة الذين كانوا يقعون ضمن النظام الاشتراكي في بلدان شرق أوروبا، أو في ظل ألمانيا النازية، ويكفي هنا أن نستحضر الكاتب الروسي ألكسندر سولجنستين، وغيره الكثير من الأدباء، والفنانين في القرون الماضية، ومنهم سقراط، وغاليليو، ودانتي، وابن رشد، وابن حنبل، والحلاج وابن المقفع وغيرهم الكثير، بيد أن قراءتنا العربية للتاريخ تبقى متحيزة تبعاً لراهن حاضرنا، وتقلباته، كما أننا مرتهنين بالكلية لفعل المحاكمة فقط.
في الفترة الأخيرة، تصادف أن حضرت فيلمين يتناولان سيرة شخصيتين تعرضتا لظلم تاريخي واضطهاد، غير أن السينما أعادت لهما الاعتبار، واستحضرتهما عبر مقاربة سينمائية مميزة. هذه الاستعادة للأثر الحقيقي للذات، يشكل قيمة بحد ذاته، وبالتحديد لدى الأمم والحضارات التي تفهم تاريخها، وتزن رجالها، ومع أن ثمة اتفاقاً بات شبه كلاسيكي على أن الوطن العربي ما هو إلا مقبرة للإبداع، كما أنه عالم يستلب حق المبدع، أو العالِم نظرا لتراتبية السلطة، والتحيزات العرقية والطائفية وعصابات النخب، غير أن الأنكى من ذلك، أنه لا يوجد حس تاريخي، فنحن في عصر الإنكار، بحيث لا نكاد نبحث في تاريخنا، ولا نتقن توثيقه، ولا نمتلك رؤية عن قيمة «س» أو «ص». ثمة فقط تاريخ سياسي، يتصل بالسلطة، ودوائرها، في حين نجد أن دولة كبريطانيا تعيد الاعتبار لأحد أبرز علمائها، وأعني آلان تورنغ (1912- 1952) الذي يعد أول من وضع النموذج الأول للحاسوب، حيث كان يعمل محلل شيفرات في الحرب العالمية الثانية، وبفضله تفوقت بريطانيا في الحرب، وأنقذ اختراعه ملايين البشر. هذا العالِم تعرض للاضطهاد تبعاً لشخصيته، فاتهم بالمرض النفسي، وتعرض لعلاج كيميائي، غير أن إنكلترا بعد عقود أعادت الاعتبار للرجل في عام 2013 من خلال تقديم الملكة إليزابيت اعتذاراً، من منطلق أن هذا الرجل يستحق أن يستعيد مكانته في التاريخ بغض النظر عن مسلكه، أو معتقده. الشاهد في الأمر، أنه ثمة عقل متأمل في الحدث التاريخي بما يشمله من حضور الذات وأثرها، وهذا ما نجده على سبيل المثال في فيلم آخر تناول حياة الكاتب الأمريكي دالتون ترامبو أحد أهم كتاب السيناريو في هوليوود، فقد تعرض هو وبعض زملائه من الفنانين والكتاب لحملة ضخمة في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي لاتهامهم بالاشتراكية والشيوعية، فمنعوا من الكتابة أو العمل، وقد نالت منهم حملات التشويه، والمقاطعة والاستجوابات من قبل الكونغرس، كما والاتهام بالعمالة والخيانة وأخيراً السجن.
يعيد الفيلم إلى الأذهان تلك الحقبة الزمنية القاتمة في الولايات المتحدة، كما يقدم وجهة نظر ترامبو، الذي كان يؤمن بمبدأ العدالة والانحياز إلى طبقة العمال والفقراء، والطريف أن ترامبو تمكن من التحايل على المقاطعة، ليكتب بأسماء مستعارة، ومن ثم تحصل أفلامه على جوائز أوسكار.
الفيلم يعنى أيضاً بتجسيد نضال ترامبو في سبيل البقاء، وممارسة ما يحب، لينتهي بإشهار أن ترامبو كان الكاتب الحقيقي للعديد من الأفلام الناجحة، ومن ثم تكسر حلقة المقاطعة بحضور الرئيس كينيدي لأحد أفلامه. وفي هذا السياق، أشير إلى حساسية الأداة السينمائية التي تبدو في عالمنا العربي شديدة التواضع، فالسينما بوصفها فناً جماهيريا ينطوي على الكثير من التقنيات القادرة على تقديم صورة شبه متكاملة للصورة التاريخية، غير أنها لا تستغل إلا في أضيق الحالات.
وهكذا نستنتج بأن من أهم غايات الفنون والآداب أن تسعى لأن تقدم الحقيقة، وأن من أهم غايات التاريخ أن يعيد تقييمه تجاه الإنسان والحدث، ولكن في سياقات مختلفة، والأهم أن يبقى في فعل تأملي مستمر وغير سكوني، وألا يركن لخطابات السلطة التي تخطئ كثيراً في تحديد علامات التاريخ التي غالبا ما تكون مضللة، وهذا ما نعاني منه في واقعنا العربي حيث لا يوجد لدينا من يعيد تقديم التاريخ، أو يقوم بفعل تصحيح للحدث المشوه من وجودنا.

٭ كاتب فلسطيني أردني

في سير الأعلام والشخصيات… من يعيد قراءة التاريخ؟

رامي أبو شهاب

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left