العالم مصدوم؟ ليستثمر في غزة

سامي بيرتس

May 17, 2018

أحداث الأسابيع الأخيرة تكشف واقعاً منقسماً وغريباً في عدة ساحات: إسرائيل تهاجم قواعد إيرانية في سوريا في الوقت الذي فيه الذراع اللبنانية لإيران، حزب الله، خارج اللعبة. الصراع ضد إيران يجري إلى جانب حوار متواصل مع روسيا ـ التي تتقاسم مع إيران السلطة في سوريا. غزة تنزف في الوقت الذي تبدو فيه ساحة الضفة الغربية هادئة، والقدس تحتفل بنقل السفارة الأمريكية بمراسيم احتفال مشبعة بالرسائل الدينية، في الوقت الذي تحيي فيه تل ابيب فوز نتاع برزيلاي في الاورفزيون في ميدان رابين.
من ناحية الحكومة هذا نجاح كبير، مهاجمة قواعد إيرانية في سوريا بدون أن يفتح حزب الله جبهة أخرى من لبنان. كذلك فان حقيقة أن قيادة حماس في غزة لم تنجح حتى الآن في جر سكان المناطق إلى أحداث «مسيرة العودة» اعتبرت انجازاً كبيراً. ويمكن حتى رؤية في وجود احداث مثل فتح السفارة الأمريكية في القدس والاحتفالات في ميدان رابين رسالة واضحة ـ أن الحياة في إسرائيل تسير كالمعتاد في كل الجبهات. إلا أن هذا هو واقع مضلل، ليس بالامكان استمراره لفترة طويلة. يمكن لهذا الواقع أن ينفجر في وجهنا سريعا جدا.
التحدي الأكثر تعقيداً للحكومة في هذه الايام هو ادارة عقلانية للاخطار، الذي يعني نشاطات أمنية إلى جانب تحديد ساحة المواجهة. قرار فتح معبر كرم أبو سالم لثلاثة ايام بعد احراقه يدل على هذه الهشاشة. قطاع غزة هو قنبلة موقوتة مع وبدون احداث الجدار، في اعقاب الوضع الانساني الخطير هناك.
الانفصال بين غزة والضفة الغربية وبين حماس وفتح يملي للجانب الإسرائيلي سياسة إبقاء الوضع القائم في غزة بدون أن يؤدي إلى اختراقة تحسن حياة سكان القطاع. السلطة الفلسطينية تتعاون مع إسرائيل في الجانب الامني، لهذا الحياة في الضفة افضل بكثير مما هي في قطاع غزة. إذا منحت إسرائيل حماس انجازات مثل بناء مطار أو ميناء، الرسالة للسلطة الفلسطينية ستكون ـ إسرائيل تفهم فقط القوة.
حماس تعمل حسب المبدأ الذي يقول إن الطريق لحل ازمة هو تشديد حدتها. في الايام العادية الحياة في غزة لا تهم أحداً، ليس فقط الإسرائيليين أو الدول العربية، بل حتى السلطة الفلسطينية التي تحارب قيادة حماس على حساب سكان غزة.
الامتناع عن تقديم أي مبادرة لحل مشاكل الحياة في غزة أدى إلى الجولة الحالية، التي كما يبدو مريحة لإسرائيل، لأنه لم تتم اصابة مدنيين أو جنود فيها. ولكن هذا خاطيء لأنه يظهرها وكأن يدها سهلة على الزناد امام متظاهرين غير مسلحين ـ بالضبط مثلما تريد حماس. والشرك القديم ـ لا نعطي جائزة للعدو في الوقت الذي يناضل فيه، ولا نحمله عندما يكون هادئا ـ ظهر مرة أخرى.
حماس تتحمل المسؤولية الكبيرة عما يحدث في غزة، لكن هذا لا يعفي إسرائيل من أن تقوم بكل ما تستطيع من أجل تحسين واقع الحياة هناك. جهاز الامن يوفر للمستوى السياسي عدداً لا بأس به من الافكار حول كيفية القيام بذلك. رئيس الشاباك السابق، يورام كوهين، طرح في الاسبوع الماضي في مؤتمر هرتسليا عدداً من هذه الافكار، مثلا، انشاء عدد من مشاريع البنى التحتية الدولية في غزة، الخروج إلى الخارج في رحلات ذهابا وايابا من غزة إلى الاردن والتأثير على سياسة السلطة الفلسطينية التي تقوم بنفسها بالضغط على غزة. فكرة «الجزيرة» التي طرحها الوزير إسرائيل كاتس يمكن أن تعطي رداً على المدى البعيد. إسرائيل يجب عليها أن تظهر ابداعاً وتصميماً، كما اظهرت في تطوير القبة الحديدية والرد على تهديد الانفاق، في حل المشكلات الإنسانية في غزة بدعم المجتمع الدولي.
فتح معبر كرم أبو سالم هو حل قصير المدى يدل على المسؤولية التي تشعر بها إسرائيل عما يحدث في غزة. هذا لا يكفي، مطلوب سياسة بعيدة المدى اكثر، بدعم دولي، تتركز على تحسين حياة السكان. إذا كانوا في العالم قلقين من رؤية الدماء في غزة فمن الافضل أن تستغل إسرائيل ذلك من أجل جعل تلك الدول والزعماء يستثمرون في القطاع. الخوف من أن تخرج حماس مستفيدة من ذلك هو خوف مرفوض تماما مقابل المخاطرة التي تكتنف مواجهات دامية أخرى.

هآرتس 16/5/2018

العالم مصدوم؟ ليستثمر في غزة

سامي بيرتس

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left