الشعر بين الحن والختن

براك القعيط

May 17, 2018

الناظر إلى ثقافتنا الأدبية هذه الأيام يتوقف مليا عند فوضى المصطلحات وضياع المفاهيم واختلاط الحابل بالنابل، ما يؤثر على إرثنا الأدبي العربي الكبير، ولأن هذه الثقافة مبنية على لغة القرآن، فقد صمدت أمام عواصف التعجيم والتغريب والتهميش على مدى عصور عديدة، لتبقى مزدهرة ، إذ يقيض لها دوما من سدنة اللغة وآدابها وفنونها المخلصين، من يذود عن حياضها، وعلى غرار تلك النخب من علماء ونقاد من أسد الشرى ونجوم السرى تظهر ثلة مخلصة بين فينة وأخرى، تنقي صفاء موارد هذه الثقافة من شوائب وتطهرها مما يعلق بها من غرائب.
ما إن وصلت الثقافة العربية إلى وسط القرن الثاني للهجرة حتى رفع الخليل بن أحمد الفراهيدي ومن معه، صرح المصطلحات العربية والمفاهيم العلمية كالنحو والصرف والعروض والأصوات، حتى بات تمييز المسميات على مفاهيمها سمة ثقافية وحضارية لعلوم العربية، وما يمت لها من علوم دينية وتاريخية، إلى أن ظهرت التصانيف الاصطلاحية الجامعة مثل «مفاتيح العلوم للخوارزمي» و»تعاريف الجرجاني» للتدليل على أهمية الاصطلاحات العلمية في الثقافة العربية. اليوم نواجه إطلاق الألقاب المجانية على من لا يستحقها نتيجة فهم خاطئ لبعض المصطلحات، فمن كتب قصة أو قصتين بدون أن تمر على فكر النقد، وبدون دراسة عناصرها وتقنياتها الأدبية نلقبه بالروائي الكبير والمبدع النحرير. ومن يكتب قصيدة أو بضع قصائد أصبح الشاعر الذي لا يبارى والفحل الذي لا يجارى، بدون النظر في قساوة تلك الألقاب على ثقافتنا الأدبية.
توارثت الأمة العربية الشعر جيلا بعد جيل منذ العصر الجاهلي حتى عصرنا هذا قبل ظهور التحررات الشعرية بشكله المنظوم العمودي مع تطوير في الأغراض الشعرية واختيار المفردات المناسبة لكل غرض وعصر، في عصرنا الحديث زحف على القصيدة الموزونة العمودية ما يشبه التصحر الشعري ممثلا بالشعر الحر، وما انبثق عنه مما يسمى قصيدة النثر أو الشعر الحديث، فظهرت طائفة مبتدعة لا مبدعة.
تعتمد القصيدة الموزونة بشكلها العمودي على بحور الخليل بنظام البيت الشعري، حيث يتكون من صدر وعجز وقافية وروي، يتألف هذا البيت الشعري من تفعيلات محددة هي التفعيلات الخليلية، ظل هذا الشعر رمزا لقوة وصمود الأدب العربي عبر التاريخ كاعتراف صريح بخلود شاعرية هذه الأبيات. نظرا للفرق الكبير بين السعة اللغوية للإنكليزية وسعتها في الإيطالية أصل الثقافة الأوروبية، احتاج الإنكليز تطوير النظام الشعري فقد كانت السونيتة – مثلا- تبنى على بحور الأيامبوس البتراركية قبل أن يتحرر شكسبير من نظام القافية فيه، فيما يسمى النظام الشكسبيري فاتحا الباب للتحررات الشعرية، ويبدو ذلك واضحا في بعض سونيتاته الشعرية وفي مسرحيته أوثيلو، حيث استخدم الشعر المرسل ثم جاء ووردزورث الذي استخدم الشعر الحر في قصيدته «أتجول وحيدا»، ثم في القرن التاسع عشر قام الفرنسيون بالتبشير بالشعر الحر في مناطق نفوذهم وقد تأثر العرب بذلك.
في منتصف القرن الماضي زحف التصحر الشعري الحر على الشعر العمودي العربي متأثرا بشكل قوي بالأدوات الاستعمارية الإنكليزية والفرنسية على بلادنا العربية، فظهرت قصيدة التفعيلة أو الشعر الحر نتيجة للتصحر الزاحف على الشعر وإن لم تبتعد عنه كثيرا، فهي خَتَن الشعر، وهي عبارة عن طريقة مستحدثة جديدة غيرت الشكل الخارجي للشعر، فما عادت القصيدة تعتمد على نظام البيت الواحد، إنما على نظام السطر الشعري، وقد اعتمد الشعر الحر على البحور الخليلية ولم يخرج عن التفاعيل العشرة المعروفة، وإنما امتثل منظرو هذا النوع الشعري لما يسمى تحرر التعبير عن الدفقة الشعرية عند شاعر التفعيلة والتزموا الوزن وإن لم يشترطوا القافية، لذلك يسمى أيضا بالشعر المرسل، لكن ما أرادته نازك الملائكة ورفاقها تعرض لمزيد من التصحر الزاحف عليه حتى أخرج الشعر الحر من شكله المقنن إلى شكل جديد أسماه رواده بهتانا بقصيدة النثر، ولو سموه «الحن» لكان موافقا له، وهذا النوع لا يتقيد بوزن ولا قافية، إنما هو عبارة عن فقرات أو جمل تعبر عن إيقاع داخلي ممزوج ببعض الصور الداخلية التي تسرد سردا وفي الغالب يبتعد عن المحسنات الطبيعية، وعند التحقيق نكتشف أن هذا النوع لا يمت للشعر بصلة، لمخالفته أصول وقواعد البناء الشعري، وهي أقرب ما يكون لنوع رابع وهو الخاطرة التي تصنف من ضمن النصوص النثرية التي لا تلتزم بوزن أو قافية أيضا، فقصيدة النثر والخاطرة يختلفان اختلافا كليا عن القصيدة العمودية وقصيدة التفعيلة، ويجدر بالذكر أن الأدباء وضعوا تعريفا وحدّاً للشعر في الاصطلاح؛ كما ذكر قدامة بن جعفر في كتابه «نقد الشعر»: أن الشعر كلام موزون مقفى له معنى، وهو تعريف جامع مانع فنلاحظ أن الاصطلاح عند قدامة ربط الوزن بالقافية، فكلاهما موجب للآخر وهذا الحد يخرج كل ما لا ينطبق عليه من كلام عن مفهوم الشعر فقصيدة النثر لا تتقيد بوزن ولا قافية، فهي إذن ليست شعرا أبدا، إنما هي إيقاعات فنية داخلية قد يعرضها أي إنسان ولا يسمى شاعرا، وقس أيضا قصيدة التفعيلة على ذلك الحد الجامع الذي وضعه قدامة بن جعفر.
ومما يستأنس به قول المحقق عبدالسلام هارون في قطوفه الأدبية «أما اليوم فقد زالت تلك المعالم – عن بعض معالم الأدب الأصيل والشعر الأصيل والإنتاج القصصي الأصيل- أو ضعف شأنها بارتماء أجيالنا الجديدة في أحضان الثقافة الأوروبية والأمريكية، وأوشكت دعائم النقد العربي الأصيل أن تتقوض كذلك، وكاد أن يطغى ما يلقبونه زورا بالشعر الحديث المهلهل النسج الأعجمي اللغة المتمزق المعنى الباعث حينا على التقزز وآخر على الحزن والاكتئاب».
وإذا كان النقاد والأدباء يصفون من يمتهن الجنس العلمي ويتعاطاه بمسماه؛ فالفقيه من يمتهن الفقه والقصاص من يمتهن القص والشاعر من يمتهن الشعر، لذا لم يكن الإمام الشافعي يعرف بالشاعر رغم قوله الشعر وقد قال عن نفسه:
ولولا الشعر بالعلماء يزري … لكنت اليوم أشعر من لبيد
بل عرف بالإمام الفقيه الشافعي لأنه يتعاطى الفقه ويمتهنه ولا يمتهن الشعر، وكما أن من درس كتابا في الفقه أو أفتى مرة أو مرتين لا يسمى فقيها فكذلك من لم يقل الشعر بحده الذي حده أهل الصنعة فلا يسمى شاعرا، لذا ينبغي ألا نسمي قائل قصيدة النثر شاعرا ولا نسمي من يكتب قصة أو اثنتين قصاصا أو روائيا، ما لم تخضع كتاباته للشروط النقدية والعناصر الأدبية بما فيها نسبة الأدبية في النص فلا يعقل أن نسمي من يكتب- على سبيل المثال – معبرا عن القهقهة (ها ها) أديبا روائيا! فلابد أن نفرق بين الحكواتية والروائيين، وبين الشعراء وحن الشعر حفاظا على قيمة هذه الأجناس الأدبية.
نؤمل كثيرا على أهل الأدب والشعر والنقاد المختصين أن يجتمعوا ويجمعوا رأيهم على حماية الأدب العربي من التصحر الزاحف الذي يقوده الحن والختن على أدبنا العربي.
(1)المبتدعة:مصطلح عقدي يطلق على من يأتي بشيئ جديد مخالف للأصل وينكره الشرع ويحذر منه.
(2) الختن: الأقارب من قبل المرأة.
(3) الحن كما تزعم أساطير العرب أنها مخلوقات ليست من الإنس ولا من الجن بل بينهما.
كاتب كويتي

الشعر بين الحن والختن

براك القعيط

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left