النسوية وفاعلية «الذوتنة» في المجموعة القصصية «فياغرا»

نادية هناوي

May 17, 2018

الذوتنة مسار يتم فيه تشكيل الشخصيات وفق مهيمنات واستراتيجيات تجعلها تنشد إلى ذاتياتها بشكل أعمق وأكثر تجذرا، منتجة ذواتا جديدة لا تهاب نقدا ولا مساءلة، وتناضل من أجل مراجعة وجودها الموضوعي والذاتي. والذوتنة أيضا هي التمظهر بالغلبة والتموضع في الصدارة والمراهنة على التشكل المنقلب على المعتاد. وهذا التوصيف إنما ينطبق على الكينونات النسوية التي تستطيع أن تبدو ضوءا لا ظلا، واضعة لا موضوعة وأصلا لا فرعا ومتنا لا هامشا.
وهذا ما نلمحه في المجموعة القصصية القصيرة «فياغرا» للقاصة إرادة الجبوري، إذ أن شخصيات قصصها الست القصيرة ذوات مؤنثة. ولقد تحكمت الذوتنة النسوية في مسارات التشكيل الفني والموضوعي مرتكزة على مقصدية اتخاذ الواقع مخبرا ومذخرا لاستمداد الحدث القصصي، إما من الخبر الصحافي وإما بتشييده على خلفية واقعة معيشة. وهذا ما أحال الأحداث إلى بؤر ثيماتية ملتقطة من المشاهدات اليومية الآنية والطارئة، والبغية تقديم شهادة ناطقة عن زمن حاضر راهن، لكنه مكدس ومتوغل في الماضي أيضا، وإذا كانت البنية الزمانية للمتن السردي مكبلة دوما بالهامش ومقيدة به فإن البنية المكانية بدت أكثر تحررا، فكانت متنا متحركا وفاعلا حيويا في الانحراف بالشخصيات نحو التأزم بتوتر وحساسية وبتصعيد درامي مكثف.
وتظل الذوات النسائية واقعة تحت صدمة مشاهدات الواقع المعيش، وهذا ما يدفع بعملية الذوتنة نحو الأمام لتغدو أمرا حاصلا ومتجسدا، متحركة وفق رؤية فنية يدعمها النظر الوقائعي كأسلوب مفضل وطاغ على بنائية القصص، متنا وهامشا. فأما المتن فاعتمد العنصرين التخييلي والوقائعي، وأما الهامش فإنه وثق ذينك العنصرين بالخبر الصحافي والتاريخي والجغرافي، وهذا ما أكسب القصص نزعة تسجيلية بقصد رصد انكسارات الواقع والتقاط هزائمه.
وعلى الرغم من أن بطلات القصص أناث خضعن لقسوة الواقع، واكتوين بنيرانه المستعرة حتى صرن ضحاياه؛ إلا أن ذلك لم يحل دون أن يتمكنّ من ذوتنة ذلك الواقع ذوتنة نسوية مركزية. ويظل التصعيد الدراماتيكي مرتهنا بالأضداد التي تشظي الشخصية وتجعلها في صراع بين ذاتها في انشدادها بلا وعي إلى واقع مرئي سوداوي، وروحها المتطلعة إلى البحث عن فسحة للولوج إلى عالم آخر لا مرئي. ويكون للجسر حضور واضح في أغلب القصص، بوصفه القناة التي تحقق للذوات الانبلاج والتسامي الصوفي، من واقع مر إلى أجواء سرمدية هائمة بالتخيل والوهم. وقد عكس تقسيم الفضاء القصصي إلى متن وهامش حالة التشظي والانكسار الذي يجعل الشخصية تتأزم، واجدة نفسها قابعة وسطا بين منطقتين يفصل بينهما النهر، كتوكيد لاشعوري على حالة الشرخ النفسي والانفصال الفكري لديها. وإذا كانت المتون قد تسيدتها الساردات والمسرودات معا؛ فإن الحواشي هيمنت عليها الكاتبة، متخذة منها متنا موازيا للمتن السردي، غايته تدعيم السرد إخباريا ووقائعيا توكيدا لانتهاج الواقعية النقدية التي التزمت بها الكاتبة وسارت على ضوئها.
وتسرد أول قصة وعنوانها «خبر بأخطاء» بضمير الغائب وبطلتها امرأة تعاني تضادا حياتيا يولد لديها شرخا نفسيا يجعلها جسدا مفصولا عن روحه، ومما يزيد التأزم حدة بزوغ الآخر/ الرجل لا ندا ولا داعما، بل مجرد ظل بدور ثانوي مهمش وسلبي فيتصاعد صوت الرغبة التي مصدرها العاطفة، مقابل شموخ الفكرة التي مكمنها العقل، كمتضادين داخل وعي الذات المؤنثة، فلا تجد خيارا غير أن تتخذ جانب الحياد فلا هي تتبع عاطفتها ولا هي تنقاد لعقلها.
وتخذلها صور تمر من حولها فتزيد من رغبتها في الحياد مثل مرورها بالقرب من دائرة التقاعد، أو اختفاء النوارس من الجسر، أو ثرثرة تحيط بها، وغير ذلك من مشاهدات الواقع الراهن، فتختار أن تترك المكان/ بغداد، لكن الاستباق بخبر صحافي عن انتحار امرأة في النهر يقلب مسار الحدث القصصي، فتجد البطلة أنها ليست مراقبة من ذاتها وحسب، بل أن هناك قوى خفية ترسم لها مسار ذاتها ولحظات حياتها. وتكون كتابة هذا الخبر مقصودة بكلمات مغلوطة الإملاء، كاشتغال فني يدعم المسار الموضوعي للسرد، معبرا عن التسارع اللاهث في تصيد الأخبار من دون مبالاة إنسانية بمحتواها، وما قد تتضمنه من صور مقززة ومرعبة غاصة بالدموي، فضلا عن عدم الاكتراث لما تتضمنه تلك الأخبار من أسماء أو أرقام.
وهذا ما يوصل التأزم إلى لحظة التوهج، فتقرر البطلة ألا تضمحل كالآخرين فتصمم لنفسها وجودا وتتغلب على الواقع بتذويته فيها، فارضة وجودها عليه بالقوة. وتتسيد بطلة قصة «خرابيط» كساردة ترصد بصوت الانا واقعها المخاتل بالشر والرعب مقتطعة من هذا الواقع صورا ومشاهدات تزجها في القصة على شكل رتوش ولقطات بواقعية ما بعد 2003، منتقدة المجتمع الذي ما عاد وعيه كفيلا بإبعاده عن الصدمات المريرة. ومثلما كان الآخر في القصة السابقة غير فاعل كذلك ظل (سلام) الذي رافق الساردة وهو يمارس دورا مؤسلبا بالحياد واللامبالاة، وقد اختارت الكاتبة هذا المقطع موشحة به الغلاف الخلفي للمجموعة، في إشارة إلى أن قسيم الذات المؤنثة (الرجل) ليس له وجود لأنه ميت بصمته وسلبيته. وتوقعها هذه الصدمة رهينة تساؤلاتها التي تدفع بتأزمها إلى أمام كما تعمل مشاهد تراها وأخبار تسمعها في زيادة أسئلتها، ولا تجد بدا من البوح مستعملة اللهجة العامية في مونولوجاتها وحواراتها لتريح نفسها من ضغط اللغة، مانحة نفسها مزيدا من الطاقة التي تجعلها أكثر إحساسا بواقعها لتشعر بأنها ذات موجودة وحية.
وباستباق زمني ومفارقة ساخرة تأتي الخاتمة صادمة أيضا، فالبطلة ترى في نفسها صورة تشبه صورة مقدمة برنامج أمريكي، لكنها ليست في البرنامج، بل في مشهد مشاجرة مع صاحب مولدة كهرباء. أمّا هو فما عاد يسمعها لأنه ما زال منقطعا عن واقعه، غير آبه بها مفصولا عن الزمان والمكان. وإذا كانت الذوات المؤنثة في قصة «ضربة بنج» كثيرات إلا أنهن جميعهن واقعات تحت ضغط واقع خادع وشيطاني، يجعلهن وحيدات زمانيا ومكانيا. وبواقعية فانتازية تجد الصبية ذات الضفيرتين الذهبيتين أنها نفسها السيدة المتشحة بالسواد وهي ترتحل في الأصقاع بيسر وبلا حواجز، فتكون في طهران وتستوقفها أبيات لشاعرة إيرانية، كأنها بهذه الأبيات تستبق نهاية قصتها، وهي إذا كانت موجودة بجسدها فإنها معلقة بغداد في ذاكرتها، مسترجعة مشاهد مؤلمة عن والدها، ثم فجأة تجد نفسها في الإسكندرية. وهذا التماهي في المكان هو تجسيد لحالة التماهي مع الذات.
ويدهشها أن كل ما حولها غير فاعل فتختلط لديها المشاهدات ما بين الماضي البعيد والحاضر القريب، ومن بعد ذلك تجد نفسها ممددة على سرير في مشفى وقربها الآخر، فيختلجها شعور أن يسألها أين هي الآن؟ لكنه خذلها بفقده لها ليغدو طوافها المكاني وترحالها الكوني ما هو إلا تعبير عن الوحدة التي انتابتها جراء تخلي الآخر عنها فصارت ذاتا متحيرة.
وتجد أن عليها ألا تغادر ذاتها من أجله، بل إن من الخير لها أن تمضي مذوتة حالها في ذاتها متسيدة على واقعها، وتؤدي بطلة قصة «كبسلة» دورا بانوراميا تتسع فيه ذاتها لتذوب فيها ذوات أناث أخريات، وهي تعيش نوبة انفصام نفسي. ويتسبب الواقع المرعب في جعل هويتها تتلاشى فيه، أما الآخر فإنه كالمعتاد غير قادر على إنقاذها. وتزيدها مشاهد الواقع انفصاما وتشظيا فترى ذلك في الآخرين الذين صاروا أيضا ضحايا بلا هويات فتباغتها نوبة الفزع والقرف مما حولها.
وفي قصة «ورطة» تتسيد الذوات المؤنثة متقاسمات البطولة بما فيهن الكاتبة نفسها، والقصة التي تسرد بضمير الغائب تبدأ من فاطمة التي تعرضت لحادث انفجار سيارة فانتهى بها المطاف في قسم الطوارئ، وليس معها ما يثبت هويتها سوى حقيبة أهم ما فيها هوية وصورة ودفتر مدرسي. وتتولى نجلاء الممرضة مهمة تصفح ما يحويه الدفتر فتقف على جملة مقاطع توضع في المتن بين أقواس وبخط مائل تمييزا لها عن السرد، بوصفها مذكرات وتواريخ ماضية ومشاهدات وأخبار صحافية ووقائع وأفكار علمية وحكائية وفقهية وكلمات طفولية وقصص خطف وقتل واغتصاب، وغير ذلك مما تحتشد به نشرات الأخبار اليومية، عاكسة احتدامية الواقع المعيش وهول الذي يتلظى بناره.
ويصل التأزم إلى الذروة حين تكتشف نجلاء أن الدفتر أخذته فاطمة من أخرى اسمها أم عبد، كانت قد تعرضت لانفجار أيضا، وتستمر الصور متواترة ومتقاطعة كأنها مجموع ما تختزنه ذاكرة الأنثى من وقائع ومشاهدات ليس فيها إلا السواد والألم وخيبة الأمل. ولأجل أن تستعيد الذات الساردة/ المؤلفة وجودها وتخلص ذاتها من ورطة الدفتر/الذاكرة الأنثوية، وفداحة ما تم تدوينه فيها، تقرر أن ترميه في النهر فتخجل من النوارس. إن ما حفلت به مجموعة «فياغرا» من ساردات ومسرودات مؤنثات يعكس الرغبة في توكيد فاعلية الكينونة النسائية في الذوتنة التي تجعلها تتسيد داخل الواقع رادمة حالة التأزم، بالغة لحظة التوهج بصلابة وتوق لا تعرف معها تشظيا ولا مهادنة.

٭ أكاديمية عراقية

النسوية وفاعلية «الذوتنة» في المجموعة القصصية «فياغرا»

نادية هناوي

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left