التشكيلية السورية رولا ابو صالح : الأطفال أقرب جسر إنساني للتعبير النقي

حاورها عبدالله الحيمر:

May 17, 2018

بحساسية جديدة وبخطاب بصري مختلف تأتي الفنانة التشكيلية السورية رولا أبو صالح طارحة أمام المتلقي إشكالية الوجود الإنساني من خلال عالم الطفولة، من حيث تجسيد وجودهم .. من أين جاؤوا؟ وإلى أين يذهبون؟ ما هو حاضرهم ومستقبلهم في حياة لم يختاروها؟ من شرعية هذه الاسئلة، كان معها هذا الحوار..

■ بداية .. كيف وظفتِ الدهشة واللعب والإحساس الإنساني في عملك التشكيلي؟
□ أنا هنا لا أعني الطفل في حد ذاته، بل أعني الإنسان قبل برمجته بالعادات والتقاليد وقبل اتباعه لأيديولوجيات معينة، الإنسان بطاقته الفطرية التي لم تتأثر ولم تقيد بعد. أحاول أن أنقل فقط ما أراه بدون مبالغة، فهكذا أرى الإنسان يتخبط في صراع من الأسئلة تدور في رأسه وهو يتأمل من حوله إلى أن يبدأ التعلم والبرمجة على مفاهيم تراكمت عبر النقل بالتواتر. الفن هو في الخروج عن القواعد لإعادة صناعة الواقع من وجهة نظر الفنان. والأطفال أقرب جسر إنساني بريء للتعبير النقي، فلم أر في حياتي طفلاً يلتقط من الأحداث أسوأها ويتغنى بسواد الكون، جميعهم سعداء، يقدرون اللحظة مفطورون على الانسجام فيها، والانغماس داخلها. يتوقف الزمن عندهم لا تخيفهم الأحداث ولا يرعبهم صوت عقارب الساعة، لديهم قدرة عالية على الفرح بأبسط الامور، في حالة دائمة من الشغف والدهشة.
■ ماذا يقول الأطفال عن زمن البراءة للآخرين عبر لوحاتك؟
□ أغلب الوجوه تشبه ملامح من طفولتي وترى بعيني، فيقولون كل ما دار ويدور بيني وبين نفسي من أحاديث وأسئلة وألغاز لم أَجِد لها تفسيراً بعد. هنا تعيدني إلى إجابتي الأولى، البراءة هي ألا نفكر ونخطط في العمل الإبداعي، دعني أقول يجب أن نطلق العنان للطفل القابع فينا بدون غشاوة وتلوث وقواعد تربوية وأبوية واجتماعية، طفولة تحاول أن ترى عبر خيالي، غضباً ورفضاً وأحلاماً ومغامرات، هي شراكة البراءة بالصوت والإيقاع الروحي، هي التبرؤ من كل ما يتم تلقينه، واستمداد الوعي من العقل الكوني.
■ المساحة الكبيرة للوحاتك .. هل هي دهشة الطفولة أمام عالم الكبار؟
□ أعتقد أن السبب هو تزاحم الأفكار، على الرغم من المساحة الكبيرة، هنالك الكثير من الأفكار التي لا أجد لها مكاناً في لوحتي، وتشعرني أحياناً بأنها غير مكتملة، ولكن في الحقيقة كل الأسئلة مترابطة وبعضها، ولو حاولت رسمها في لوحة واحدة أعتقد أنها ستكون لوحة لا نهاية لها، لابد أنها مساحة للتعبير عن الكم الكبير من الأسئلة التي أطرحها، فالأحجام الصغيرة لا تتسع لأفكاري.
■ وماذا عن عالمك اللوني؟
□ اللون يأخذ مساره ويدرك طريقه جيداً، فهو كائن حي له ذبذبات يؤثر ويتأثر، ولولا ذلك لما استطاع أن ينقل لنا ماهية الأشياء، فالألوان غالباً ما تكشف الأشياء على حقيقتها، تأخذنا إلى مفاتيح الحقيقية، ربما، وتتركنا نطرح الأسئلة، ومن هنا يمكنني أن أرى نفسي عبر أدواتي التي تشبهني، والتي تمثل لغتي في فهم الكون والعالم وقراءة التفاصيل كما أشعر بها، بدون تفكير أو تخطيط. عندما يرسم بصدق كل مشاعره وأفكاره وطاقته تنتقل للعمل الفني الذي يقوم به، ولكن يختلف بأثره وبصمته، وصورته هي الربط والتوافق بتناغم بين روحك «طاقتك» وطاقات الكون والوجود المختلفة، وتوظيف ذلك وإدخاله لتبدأ من شخصيتك وكيانك وطاقاتك وتصل إلى المهارة وتوظيفها في مجالات حياتك بالإطلاق، أي بدون حدود.
■ ماهي علاقة خطابك البصري، مع الناقد والمتلقي ذي العين المثقفة والعادي؟
□ لكل شخص وجهة نظر مختلفة ووقع أثر مختلف والتفاوت يرجع إلى الطاقة التي تعكسها بفكرك وأسلوبك وتحكمك وأفعالك ومكنوناتك وتعاملك مع طاقة الكون والوجود من الداخل، كيف تسير في أعماقك والمتلقي يعكس أيضاً ما يراه، كما هو موجود في داخله فكل منا مرآة نفسه فيستقبل ما يراه ويتفاعل معه بناء على ثقافته وتجاربه وما تعنيه له من الداخل، فكل شيء في الخارج هو انعكاس للداخل.
■ كيف تتعاملين بمشروعك التشكيلي مع العالم الافتراضي، بين الانخراط الفعلي وعزلتك الفنية؟
□ بالتأكيد لا أحد يستطيع أن ينفصل عن واقعه لأننا جزء منه ولأننا متصلين ببعضنا بعضا أحاول إعادة إنتاج الأفكار كما أراها من زاويتي، ولكن تحتم عليك الظروف العزلة عندما يكون هدفك هو البحث عن الحقيقة والتأمل في الكون، ونحن مغيبون ونائمون لدرجة أننا نفعل ولا نعي نتحدث بأفواهنا وعقولنا مشغولة عن فلترة الكلمات، مشغولة عن فلترة الأحداث. أتساءل لماذا نحن بحاجة ماسة للاستيقاظ؟ لأي درجة نحن مبرمجون؟ لهذا عندما نتأمل تُفتح أعيننا على عالم آخر، نرى ما لا نراه في الواقع ونلمس ما لا يمكن لمسه في الحقيقة. وعندما نعود من هذه الرحلة.. نعود لننام في أحداث واقعنا، نعي أحياناً.. لنراقب ما يحدث فينا ومن حولنا نفلح حينها بالاستيقاظ، ثم ما نلبث أن نغوص مع المحيط لنغفو من جديد.
■ في دمشق، أصبحت الحرب قاعدة والسكينة استثناء، كيف كانت رؤيتك التشكيلية في نسج خطاب إبداعي يوازي هذا المخزون الحضاري لأول مدينة في التاريخ؟
□ مكان مثل دمشق يحمل في نسيجه مخزوناً هائلاً من الطاقات الروحية التي عاشت فيه، إنها مكان مقدس يعكس طاقته السحرية على سكانه. وعلى الرغم من المآسي والحروب ولكن الفن هنا ارتقى لدرجة يضاهي فيها الفن العالمي، الانفتاح الحضاري في البلد لم ينعكس سلبياً بفعل الأوضاع بالتراجع ثقافياً، بل بقيت دمشق في تقدم مستمر لجهة الإنسان، تدافع عن نفسها وأهلها بالفن ضد كل التعب والانتظار.
■ أمام المأساة السورية .. كيف ترين دور الفن؟
□ لطالما كان الترميم أصعب من البناء، وبعد المعاناة من القسوة والعنف في الحرب، لا بد أن يكون الفن هو مصدر ترميم النفوس التي هرمت من الخوف. هناك الكثير من الدول التي قامت فيها حروب استعادت عافيتها ونهضت من جديد وأصبحت من أقوى الدول وتوجيه الأجيال القادمة هي مسؤولية جيلنا الحالي في العمل الإبداعي والفكري. ومن هنا نلاحظ أن الوعي والإدراك لحرية اختيار منهج حياة خاص، من حيث القيم والمبادئ وعدم اتباع مفاهيم وآراء وضعها الأولون، لا تخدم وعينا الحالي! إن كان على صعيد إنقاذ الطفولة، أم الانتصار لقيم ما، فعلى كل إنسان أن يحدث تغييراً في نفسه قبل التفكير في التأثير في المجتمع من ثم العالم.

التشكيلية السورية رولا ابو صالح : الأطفال أقرب جسر إنساني للتعبير النقي

حاورها عبدالله الحيمر:

- -

2 تعليقات

  1. أعجبني هذا لمقطع من جواب الفنانة التشكيلية رولا : { لطالما كان الترميم أصعب من البناء، وبعد المعاناة من القسوة والعنف في الحرب، لا بد أن يكون الفن هو مصدر ترميم النفوس التي هرمت من الخوف. هناك الكثير من الدول التي قامت فيها حروب استعادت عافيتها ونهضت من جديد وأصبحت من أقوى الدول وتوجيه الأجيال القادمة هي مسؤولية جيلنا الحالي في العمل الإبداعي والفكري. ومن هنا نلاحظ أن الوعي والإدراك لحرية اختيار منهج حياة خاص، من حيث القيم والمبادئ وعدم اتباع مفاهيم وآراء وضعها الأولون، لا تخدم وعينا الحالي! إن كان على صعيد إنقاذ الطفولة، أم الانتصار لقيم ما، فعلى كل إنسان أن يحدث تغييراً في نفسه قبل التفكير في التأثير في المجتمع من ثم العالم }.
    يبدو أنها تفهم رسالة الفنّ بوعي أصيل ؛ تحياتي لها ولمنْ قام بالحوارالجميل.

  2. حوار ممتع، شكرا لكم، إنه لأمر مبشر أن يكون في سورية رغم كل ما يحدث فيها من حرب وموت ودمار، أن يكون هناك أشخاص يعملون على الدفاع عن الإنسان وإنسانيته بالفن والكلمة الصادقة.
    شكرا للقدس العربي.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left