أساليب المقاومة لا تحصى وخيرها ما كان بأقل الخسائر

عماد شقور

May 18, 2018

نبدأ من البداية لنعرف إلى أين وصلنا، وهل هو جيد وكافٍ، أم هو سيئ ومُضِر، ولماذا. لكن يبقى الأهم من معرفة ما جرى وأصبح ماضيا، والأهم من تقييمه أيضا، هو أن نتفكّر في ما يمكن لنا أن نعمله، وما يجدر بنا تحديده من أهداف قابلة للتحقيق، مرحلة إثر مرحلة، وصولا إلى الهدف الأكبر المنشود.
إذن، فلنركّز النظر على مجمل الأحداث التي انطلقت في الذكرى الثانية والاربعين لـ»يوم الأرض»، (الذي تفجر في سخنين عام 1976)، والتي عرّفها مطلقوها بـ»مسيرات العودة»، وكانت أولاها «مسيرة» يوم الجمعة، قبل سبعة أسابيع، (تعادل مسيرة المسيح من الجليل إلى القدس، حيث قضى فيها اسبوعه، الأخير مبشِّرا ومتنبئا، وحاملا صليبه على طول طريق الآلام، ثم شهيدا مصلوبا ومدفونا، وأخيرا قائما من بين الأموات، منتصرا على اعدائه بالضربة القاضية).
نبدأ من البداية، فنرى أن الداعي إلى هذا النشاط الوطني الفلسطيني المميَّز، والمبشِّر به، هو أحمد ابو ارتيمة، الذي اطلق دعوته قبل اشهر، من خلال منشور على صفحته في الـ»فيسبوك»، حيث تساءل فيها عما يمكن أن يحدث لو أن آلافا من اللاجئين في قطاع غزة، يرافقهم ابناؤهم واحفادهم، توجهوا بمسيرة سلمية تماما نحو الجدار الذي حصرت إسرائيل وسجنت داخله، كل أهل القطاع واللاجئين فيه، البالغ عددهم نحو مليوني فلسطيني، واعلنوا نيتهم التوجه إلى بيوتهم التي طردوا منها في سنة النكبة 1948.
انتشرت الفكرة والدعوة، ولاقت رواجا كبيرا للغاية، وانطلقت عمليا في يوم الجمعة ذاك، قبل تسعة واربعين يوما. وهنا يتطلب الامر توقفا عند ثلاث نقاط، اولاها: من هو أحمد أبو ارتيمة هذا، وما هي رؤيته لكيفية ولوسائل واساليب وادوات هذا النوع الجديد من النشاط الوطني؟ وثانيتها: ما هي الشروط التي يتوجب توفرها لإنجاح الفكرة/المبادرة؟ والثالثة والاخيرة: كيف استحوذت حركة حماس على مخرجات الدعوة لـ»مسيرات العودة؟.
1ـ الشاب الفلسطيني الوطني المبادر والداعي لهذه المسيرات، هو أحمد أبو ارتيمة، ابن الـ34 عاما، صحافي، وناشط جماهيري وعلى وسائل التواصل العصرية، لاجئ في قطاع غزة، هاجر اهله من مدينة الرملة. لم يتردد ابو ارتيمة في اعلانه رفض استخدام العنف في «مسيرات العودة» التي دعا اليها وبشر بها، بل ولم يتردد ايضا في انتقاد ورفض إحراق كميات هائلة من إطارات الكاوتشوك، في يوم الجمعة التالي لانطلاق هذه المسيرات. لكن مجمل رؤية الشاب الوطني العاقل ابو ارتيمة، تجلت بصورة اوضح واكثر تكاملا، في مقابلة اجرتها معه جريدة «الغارديان» البريطانية يوم الخامس من أبريل الماضي، وفي مقال له في صفحة الرأي في «الغارديان»، يوم 11 مايو الحالي. ومما جاء في المقابلة والمقال، يتبين أن هذا الشاب الفلسطيني الواعد، يبشّر بنشاط وطني فلسطيني، يستند إلى ما يمكن اعتباره بجدارة، الانتفاضة السلمية الفلسطينية الثانية، المتممة للانتفاضة السلمية الاولى، ويمكن اعتماد تسميتها «انتفاضة المسيرات»، حيث يرى أن تكون النشاطات في هذه المسيرات سلمية تماما، بل أن يكون من بين ما تتضمنه عقد «حلقات دبكة»، ومباريات رياضية، بل تصل حد إقامة احتفالات أعراس وعقد قرانات خلالها أيضا، مسجلا بوضوح التبشير والدعوة إلى «خلق ثقافة جديدة»، هي نضال سلمي جماهيري شامل يفضح السياسات الاسرائيلية، ويعمق في الرأي العام العالمي القناعة بضرورة تحقيق الاهداف الوطنية الفلسطينية الطبيعية والمشروعة.
يقول ابو ارتيمة انه يريد أن يرى «الفلسطينيين والإسرائيليين يحيون معاً في دولة واحدة كمواطنين متساوي الحقوق». وبجرأة نادرة يقول، ردا على سؤال عن «الرؤية» الفلسطينية في «احتلال» دولة اسرائيل: «رأيي الشخصي هو أنني لا أومن بالتحرير، أنا أومن بإنهاء الابرتهايد في اسرائيل، كما انتهى الابرتهايد في جنوب إفريقيا، وان نعيش جميعنا في دولة ديمقراطية واحدة. أريد أن نعيش مع الاسرائيليين».
2ـ نصل إلى نقطة الشروط التي يتوجب توفرها لإنجاح الفكرة/المبادرة، فنجد أنفسنا امام ضرورة التذكير بحقيقة معروفة وأكيدة وبديهية ايضا، وهي أن نجاح أي عمل كان، مشروط بثلاثة عوامل متكاملة: أولا، تحديد هدف واضح؛ ثانيا، اعتماد خطة سليمة، ترسم الخطوات بدقة وفق جدول زمني يأخذ بالحسبان كافة الظروف المحيطة؛ وثالثا، توفير القدرات المادية الكافية بالكامل لتمويل خطوات الخطة المعتمدة. وبديهي، ايضا، أن انعدام وجود أي واحد من هذه الامور الثلاثة، يلغي بالكامل احتمال تحقيق أي نجاح.
3ـ هنا، وعند نقطة توفير القدرات المادية، جاء دور حركة حماس، المهيمنة على قطاع غزة منذ انقلابها الدموي، حيث اندفعت، بذكاء مشهود، إلى تبنّي الدعوة التي أطلقها احمد ابو ارتيمة والآلاف من الذين تجاوبوا وتعاملوا بايجابية مع دعوته. استخدمت حركة حماس ما تملكه من قوة على الارض في قطاع غزة، لتأمين السيارات والحافلات لنقل الاف الناس إلى نقاط التجمعات قريبا من الجدار الذي يخنق قطاع غزة، ووفّرت التكاليف المالية لتغطية هذا النشاط الشعبي الوطني، من خيام ومستلزمات اخرى، واصبحت بذلك هي العنوان الذي تتم مخاطبته في جميع امور وشؤون «مسيرات العودة». عند هذه النقطة توفَّر لاسرائيل، التي لا تستطيع مواجهة تاثير تحركات جماهيرية سلمية منظمة، عنوانا تستطيع بكبسة زر واحدة تهديده، ومحاولة إرغامه على الرضوخ لتعليماتها.
لقد مر الشعب الفلسطيني بتجربة مماثلة، بل متطابقة، مع هذه التجربة الأليمة، تجربة وأد انتفاضة وطنية فلسطينية سلمية. كان ذلك في شهر أبريل 1988، بعد خمسة اشهر واسبوع واحد من انطلاق الانتفاضة الاولى، عندما رفضت القيادة الوطنية الفلسطينية الانصياع للتهديدات الاسرائيلية، وكان ثمن صمود تلك القيادة أن اقدمت اسرائيل على جريمة اغتيال القائد الفلسطيني خليل الوزير، ابو جهاد، الذي عرفه الشعب الفلسطيني كـ»أول الرصاص، وأول الحجارة».
لسوء حظ الفلسطينيين، أن قيادات الجهة التي تبنّت، (ثم قادت)، الانتفاضة الوطنية السلمية الثانية، لم تكن «قد الحِمل»، وآثرت سلامتها الشخصية على المصلحة الوطنية. لكن، هل هذا هو آخر المطاف؟ لا اعتقد ذلك. واذا طوت حركة حماس خيامها، فإن ذلك لا يعني، ويجب ألا يعني، إسدال الستار على اندفاعة وطنية فلسطينية واعدة. يجدر بالقائمين الحقيقيين على هذه الانتفاضة المباركة، متابعة «المسيرة»، بتبنٍ معلن وواضح وأكيد، لنهج الانتفاضة السلمية، لإحباط تمكن اسرائيل والادارة الامريكية الحالية، من تكبيد شعبنا خسائر فادحة في الارواح، على غرار ما شهدته الاسابيع القليلة الماضية، وما تكبده شعبنا من خسائر لا تقل فداحة في العدد الهائل من المصابين والجرحى، والذي يحسب بالآلاف، ستبقى مئات كثيرة منهم في حال عجز دائم، ومئات من المعاقين. وهنا اتساءل: ايهما الاكثر قسوة، الموت المباشر والفوري، أم الموت بالتقسيط البطيء، الممتد على مدى اعوام، يعاني فيها المعاق وعائلته المباشرة ومجتمعه وشعبه كله؟
كاتب فلسطيني

أساليب المقاومة لا تحصى وخيرها ما كان بأقل الخسائر

عماد شقور

- -

2 تعليقات

  1. أويد جميع انواع المقاومة و خاصة المقاومة الذكية.
    المقاومة الذكية هي التي تكبد العدو اكبر الخسائر المعنوية و المادية و الانسانية باقل كلفة و ابسط وسيلة. وقد رأينا منها امثلة جيدة من اختراق المنظومات الالكترونية للعدو الى الطائرات الورقية. و اضيف التركيز على انشاء مراكز البحوث و الدراسات و تدريب و تأهيل اكبر عدد ممكن من الحقوقيين و الدبلوماسيين و الاعلاميين و الفنانين و المبدعين لبيان الحقيقة والعدل.
    اما عما ذكره الكاتب الفاضل عن دعم “حماس″ لانتفاضة المسيرات فانه يمكن ان يحسب لها و ليس عليها من حيث الزاوية التي تنظر منها. فحماس هي المسؤولة بالامر الواقع عن القطاع. وتأييدها لمثل هذه المسيرات يعني تبنيها للمقاومة السلمية ايضا. و قد يعني تأييدها دوافع هذه الانتفاضة و اهدافها.
    السؤال المشروع للاخ عماد، هل كان سيوجه النقد ل” فتح” في غزة لو سارعت الى المشاركة و تحمل المسؤولية في هذه الانتفاضة؟؟ ام ان الامر مساجلات؟؟

  2. *نصر الله الشعب الفلسطيني الأبي
    المناضل.
    *بارك الله في كل من يقف في
    خندق فلسطين الابية.
    *عار على جبين كل من يقف في
    خندق الصهاينة المجرمين.
    سلام

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left