البطء جميل… جميل البطء

بلال فضل

May 18, 2018

يستحق الكاتب المسرحي الروماني بلوتوس عن جدارة لقب «أبو الرَوَقان والبطء ورائد مقاومة الإيقاع السريع»، لأنه كتب في عام 200 قبل الميلاد قائلاً: «فلتحلّ لعنة الآلهة، على أول إنسان عرف كيف يميّز بين الساعات، واللعنة أيضاً على من شيّد المزولة في هذا المكان، لكي يقطّع أيامي ويمزقها بهذا الأسى إلى قطع صغيرة».
لحسن حظ بلوتوس أنه لم يعش الزمن الذي أصبحت فيه السرعة سلاح الرأسمالية الأكثر فتكاً في مواجهة هواة البطء والتأني، خاصة حين تزاوجت السرعة مع الربح في الشعار الحاضر على الدوام، منذ أطلقه بنجامين فرانكلين عام 1784: «الوقت هو المال»، والذي شهد القرن التاسع عشر آلاف المحاولات لتحويله إلى واقع ملموس، حيث كانت غالبية الآلات الخمس عشرة ألفاً المسجلة في مكتب براءات الاختراع الأمريكي عام 1850 مصممة لزيادة السرعة وتوفير الوقت، ليتغير كل شيء في عام 1876 حين نزلت إلى الأسواق ساعة المنبه لأول مرة، ولتبدأ المصانع بعدها بقليل تركيب ساعات للعاملين تدق في بداية ونهاية كل وردية، وتتوالى الاختراعات التي أوصلتنا إلى هذا العالم الذي «يأكل السريع فيه البطيء» حسب تعبير كلاوس شواب مؤسس المنتدى الاقتصادي العالمي.
في مقدمة كتابه «في مديح البطء» يروي الصحافي الكندي كارل أونوريه كيف قامت الطبقات الرأسمالية الحاكمة بالترويج لدقة المواعيد باعتبارها واجباً مدنياً وفضيلة أخلاقية، وذم البطء والتأخير باعتبارهما خطيئة، لأسباب لها علاقة بالربح وحده، وكان من أبرز المعالم على ذلك الطريق ما فعله فريدريك تايلور مستشار الإدارة في مصنع بيت لحم للفولاذ في ولاية بنسيلفانيا الأمريكية، الذي استخدم في نهاية القرن التاسع عشر ساعة ميقاتية ومسطرة منزلقة لمعرفة الوقت الذي ينبغي أن تستغرقه كل مهمة، رافعاً شعار: «إذا كان الإنسان يأتي أولاً في الماضي، فالنظام يجب أن يأتي أولاً في المستقبل»، ومع أن طريقته أحدثت اضطرابات بين عمال المصنع، وأدت إلى طرده من عمله عام 1901 بسبب صعوبة مراسه، وعاش سنواته الأخيرة في الظل مكروهاً من نقابات العمال، إلا أنه كما يقول مايكل شوارتز الذي أنتج فيلماً وثائقياً عن (التايلورية) عام 1999، «ربما مات ذليلاً مخزياً، لكن لعله ضحك أخيراً، لأن أفكاره عن الكفاءة أصبحت تعرّف نمط حياتنا اليوم، لا في العمل وحسب، وإنما في حياتنا الشخصية أيضاً».
لكن سحر السرعة انقلب على الجميع بعد أكثر من قرن على تحولها إلى عقيدة عالمية، فقد تحول حبها إلى إدمان مهلك، ووُلِدت ثروات غير عادية على حساب التهام الموارد الطبيعية بشكل أسرع مما يمكن للطبيعة الأم أن تعوضه، وأصبح البشر موجودين لخدمة الاقتصاد لا العكس، وجعلت ساعات العمل الطويلة الناس غير منتجين وتعساء وعرضة لارتكاب أخطاء مكلفة، وأدت ثقافة الكد في العمل إلى تقويض الصحة العقلية في بلاد كثيرة، فانتشرت مثلاً في اليابان ظاهرة كاروشي أو الموت من الإفراط في العمل، ودفع إجهاد العمل مليون أمريكي إلى التغيب عن العمل، وأصبحت حوادث المرور الناتجة عن السرعة تقتل ما لا يقل عن ثلاثة آلاف إنسان يومياً حول العالم، وامتدت آثار الإجهاد الناتجة عن السرعة من الآباء إلى أبنائهم، فأصبح من المألوف وجود أطفال في سن الخامسة يعانون من مشاكل معوية وصداع وأرق واكتئاب واضطرابات تغذية، واكتشف الخبراء أن وضع الأطفال على مسار التعلم السريع يضر أكثر مما ينفع.
في مواجهة كل هذه الآثار المدمرة، يروي مادح البطء كارل أونوريه، في عدة فصول، كيف نشأت حركة بطء تتحلى بشجاعة رفض السرعة، وتشكك في المادية المنفلتة من عقالها، التي تحرك الاقتصاد العالمي، وتدعو لجعل الاقتصاد يعمل لمصالح الناس لا العكس، لأن الحياة فيها ما هو أكثر من مجرد تحسين الناتج المحلي الإجمالي، ومن الركض الذي لا ينتهي في متاهات الحياة، ما يوجب إعادة كتابة القواعد التي تحكم جميع ميادين حياتنا، من الاقتصاد وأماكن العمل والتصميم الحضري إلى التعليم والطب والطعام، وهو ما بدأت خطواته بالفعل في أوروبا، حين تم خفض ساعات العمل، فأصبح الألماني يقضي في وظيفته أقل بنسبة 15٪ مما كان يقضي في سنة 1980، وخفضت فرنسا ساعات العمل الأسبوعية إلى 35 ساعة، ليحدث أسبوع العمل القصير ثورة في حياة الكثيرين. ومع الوقت ثبت خطأ المتشائمين الذين حذروا من أن أسبوع الـ35 ساعة سيؤدي إلى انهيار فوري للاقتصاد الفرنسي، حيث شهد الناتج الإجمالي ارتفاعاً، وشهدت نسب البطالة انخفاضاً، وإن ظلت أعلى من متوسطها الأوروبي، كما ظلت معدلات الإنتاجية مرتفعة، بل ثبت أن العديد من العمال الفرنسيين باتوا أكثر إنتاجية، لأنهم مع تخصيص وقت أقل للعمل، وقضاء مزيد من الوقت في الاستجمام، باتوا يبذلون المزيد من الجهود لإنجاز عملهم قبل انتهاء الدوام، ومع ذلك يشير أورنيه إلى أن تمويل الإعفاءات الضريبية الذي حصلت عليه الشركات، مقابل تطبيق القرار أحدث عبئاً على مالية الدولة، ولم يوافق عليه جميع العمال الذين وجد العديد منهم أن أجورهم انخفضت لتعويض ارتفاع تكلفة مزاولة الأعمال التجارية.
يرى كارل أونوريه أن التطبيق الأفضل لأفكار مقاومة السرعة، كان في هولندا، التي يعمل فيها المواطنون ساعات أقل من أي دولة صناعية تقريباً، حيث منحت التشريعات المواطنين الحق في إجبار أرباب العمل على السماح لهم بالعمل ساعات أقل مقابل رواتب أقل، لينفق الهولنديون مقارنة بالأمريكيين وقتأ أقل في التنقل والتسوق ومشاهدة التلفزيون، ووقتاً أكبر في التواصل الاجتماعي والدراسة والعناية بالأطفال، وممارسة الرياضة ومتابعة الهوايات، لدرجة أن دولاً أخرى مثل اليابان بدأت بدراسة النموذج الهولندي. كما يشير إلى بحث أثبت أن من شأن قيلولة طاقة مدتها عشرون دقيقة أن تزيد الطاقة والإنتاجية، وإلى دراسة حديثة أجرتها وكالة ناسا أثبتت أن إغلاق العينين أربعاً وعشرين دقيقة يمكن أن يفعل العجائب من حيث يقظة رواد الفضاء وأدائهم، كما يعرض لتجربة هاري لويس رئيس جامعة هارفارد الذي تحدث عن أهمية اتباع منهجية (الأقل هو الأكثر)، لأن قليلاً من البطء الانتقائي يمكن أن يساعد الطلاب على التعلم بشكل أفضل، ولذلك أصبحت الرسالة التي ترسل إلى طلبة هارفارد الجدد تحمل عنوان (تمهلوا).
لا يدعو المؤلف وغيره من المنادين بالبطء والداعين إلى «الروَقان» والمقاومين للسرعة المرضية إلى تعطيل الحياة أو إماتة إيقاعها، كما يفعل الكثيرون في بلادنا المبتلاة بكافة أشكال الإدارة الفاسدة وعديمة الكفاءة، بل يدعون إلى التوازن، بحيث يسرع الإنسان عندما يكون من المنطقي أن يسرع ويبطئ حين يكون هناك داعٍ للبطء، لأن من الحماقة كما يقول كارلو بتريني الذي أسس حركة الطعام البطيء الدولية أن تكون بطيئاً دائماً، لأن التباطؤ المطلوب هو أن تضبط إيقاع حياتك وتقرر بنفسك مدى سرعتك في كل ظرف، وتحدد وتيرتك الخاصة، لأن التفكير الخلاق لا يحدث إلا عندما يكون الإنسان هادئاً ومتأنياً وغير مجهد، مع افتراض أنه يعيش أصلاً في بلاد تحترم الإنسانية ولا تقوم بتجريم التفكير الخلاق لخطورته على الأمن القومي.
….
ـ «في مديح البطء: حراك عالمي يتحدى عبادة السرعة:» ـ كارل أونوريه ـ ترجمة ماهر الجنيدي ـ مشروع كلمة

٭ كاتب مصري

البطء جميل… جميل البطء

بلال فضل

- -

1 COMMENT

  1. قالتها العرب منذ القدم : في التأني السلامة وفي العجلة الندامة. وان المنبت لا ارض قطع و لا ظهرا ابقى. و الشجاعة صبر ساعة.
    المفارقة في المقال ان الهدف من البطء و تقليل ساعات العمل هو زيادة الانتاج و بالتالي زيادة الاستهلاك.
    اعتقد ان اسوأ ما في النظام الرأسمالي هو تشجيع زيادة الاستهلاك. و هذا لعمري تحطيم ذاتي للبشرية نتيجة تحطيم البيئة. ولا ننسى ان اي استهلاك زائد عن الحاجة هو اسراف. و الله لا يحب المسرفين و ان زيادة على ذلك تبذير. و ان المبذرين كانوا اخوان الشياطين.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left