ألم الصورة في فيلم «دماء على نهر السين»: كيـف حكمـت فرنسـا الجـزائر

الحبيب ناصري

May 18, 2018

البحث في حقبة من حقب التاريخ، ومن خلال لغة الصورة، خاصة في مجال الفيلم الوثائقي، يعد رؤية لها قيمتها التوثيقية أو الوثائقية، لاسيما في زمن صنع الآخر صورتنا. فكيف يمكن إذن، ومن خلال كتابة وإخراج فيلم وثائقي ما، النبش في مرحلة سياسية/ تاريخية حديثة، تكون فيها الذات المحلية أو العربية، أو كل الذوات التي تحكّم فيها الآخر واحتلها، موضوعا جوهريا للبحث، وبلغة الصورة ذات البعد التوثيقي؟ فالآخر ــ مثل فرنسا هنا ــ الذي احتل العديد من الدول، بما فيها الجزائر، ظل ومازال، يقدم رواية واحدة مبررة للعديد من الأفعال الاستعمارية وتجلياتها العسكرية والثقافية، ومن أجل خلق نوع من الردود التاريخية والعلمية والفكرية، تم تأليف وكتابة العديد من المؤلفات، والهادفة إلى تبيان حقيقة وخلفيات الاستعمار الفرنسي في الجزائر، وكل الدول التي عاشت هذا الاحتلال، كما قدمت بعض الأفلام السينمائية الروائية، بتوقيعات سينمائية جزائرية أو غيرها، لتفسر طبيعة وغايات الاحتلال الفرنسي للجزائر، الذي دام لأكثر من قرن من الزمن.

دماء على نهر السين

منذ البدء نشعر بمدى خلخلة العنوان للمتلقي، خلخلة جعلتنا نتساءل، ما العلاقة بين الدم والنهر/الماء؟ علاقة انزياح مارسها المخرج، وهو هنا المغربي المهدي بكار، ليعلن ومنذ البدء، أن هناك علاقة تنافر وتضاد بين السائلين (الدم والماء).
صحيح، هما معا جوهر الحياة والخصوبة البشرية، ودونهما الهلاك والموت، لكن في سياقات هذا الفيلم بنيا على فعل مؤلم، هدفه خلق حالة توتر لدى المتفرج، لأن أفق انتظاره، سيصاب بتمزقات نفسية ولا إنسانية، لكون العنوان ومن منظور تركيبي أيضا، رسخ هذا العنف/القتل الذي مورس على أصحاب الدماء التي سالت هنا. دماء تم استعمالها كنكرة، في حين العلاقة بين النهر والسين، هي علاقة إضافة/تعريف، ما يجعلنا نستنتج مدى التنكر للدماء التي سالت هنا، وعلى نهر تم تسميته وتحديد هويته الجغرافية والسياسية، ما يولد الإحساس بأننا أمام «حدوتة» لها وقعها القوي على المتلقي/المتفرج.

دماء 17 أكتوبر 1961

قد يكون القليل منا، ومن محيطنا العربي من المغرب إلى المشرق، لاسيما فئة الشباب، من يعرف حادثة 17 أكتوبر/تشرين الأول 1961، التي تتلخص في مطالب شعبية جزائرية سلمية في فرنسا، غايتها المطالبة باستقلال الجزائر عن سلطات فرنسا الاستعمارية، لبناء دولتها وبأبنائها الحقيقيين. وقائع رهيبة وقعت خلال هذا التاريخ، كلل بتعنيف واعتقال وقتل العديد من الجزائريين، بل «قمة» العنف الفرنسي، تجلى هنا في رمي العديد من الجزائريين والبعض منهم، مكتوف الأيدي في نهر السين الفرنسي. هذه الدماء الجزائرية التي سالت هناك، في بلد كان ولايزال يدعي أنه مدافع عن الحق في الحياة، للناس جمعاء؟

في البدء كانت الغابة

منذ البداية يوقعنا المخرج في شباك الغابة، جعلنا، ومن خلال مجموعة من الأصوات الآدمية وغير الآدمية، نشعر بالرعب، الذي تعمق بشعرية تلك الصور الممتعة للعين، صورالأغصان حينما تتشابك، ما يوحي بشكل واع أو غير واع، أننا فعلا أمام قضايا متشابكة ومتداخلة ومتسارعة ومتصارعة في ما بينها، أي أن لاوعي الصورة هنا، جعلنا ندرك أن مسارات الحكي، ستصبح شبيهة بالتواءات هذه الأشجار/الأغصان. صياح وعويل آدمي، على إيقاعات مائية وأصوات طيور مخيفة ومرعبة، كأنها تستنكر ما تطل عليها من الأعلى، هنا ندرك قيمة إخراجية فنية تمتح من عوالم سينماتوغرافية قوية ودالة.

النهر كشخصية درامية

من رحم النهر/الماء، الذي رميت فيه كائنات بشرية حية مقيدة، ولدت الحكاية، بل فيه أشرقت الشمس، لتخلخل المياه، بل لتخرج الحقيقة من جوفه، وهي ملونة باللون الأحمر المحيل على الدماء البريئة. من بطن الماء ستولد الصورة، التي علقت حبل الغسيل، بغية حكي حدوتتها للناس وللعالم أجمع. النهر هنا، وبلغة السرديات، هو شخصية منها وإليها يعود الحكي. الماء في كل حكايات العالم، سواء ذات البعد الديني السماوي، أو الوضعي، أو عبر مسارات تاريخ الإنسان الأرضي والسمائي، كان رمز الخصوبة، بل رمز الحياة، إلا أنه هنا، كان شاهدا على القتل وخنق الحق في الحياة. كم كانت فكرة البدء به، وجعله يبوح بطريقة فنية ودالة، لها تلك القيمة النفسية والوجدانية المؤثرة في نفسية المتلقي. كذلك صور الفيلم الصادمة الأولى علقت على الحبل، وهي تهتز، في إشارة دالة ومنفتحة على العديد من القراءات، ومنها على وجه الخصوص، البحث عما ينصف الضحايا، بل نشر صورها، يحيل أيضا وكما أشرنا سالفا، إلى نشر الغسيل وجعلها أمام عيون الناس، بمعنى أنسنة الحدث.

الفوتوغرافيا ودورها

الفوتوغرافيا هنا، اكتست وبلغة أهل القانون، حجة الضحية، وهذا دليل على بشاعة الفعل، وجعل الآخر ومنذ البدء يتموقع ضمن خانة الجلاد. كيف يمكن هنا، وبلغة الفوتوغرافيا، المبنية أساسا على ثنائية اللون الأبيض والأسود، أن تصبح ذلك الشاهد على الجرم، بل من رحمها من الممكن أن ننتشل البياض لمنحه للشهداء، ونبقي اللون الأسود لجعله في عنق الجلاد، كدليل على ممارسة فعل من الصعب محوه بلغة السياسة، بل من الصعب تأويله خارج ثنائية الخير والشر، حيث الحق في الاستقلال هو فعل خير، مقابل رفضه وقتل من طالب به، هو فعل شر أبدي. فالفوتوغرافيا، وهي تتراقص، معلقة فوق حبل الغسيل، تخيل لنا فعلا أنها قتلت للتو، تحريكها، لم يكن فعلا اعتباطيا، بل حتى لو كان ذلك، لانتشلناها من قبضة يد الفيلم/المخرج، لنمارس حقنا المشروع في التلقي والتأويل، إن رقصة الصورة هنا، شبيهة بذبح/رقصة الديك، مما يحيلنا على عوالم سيكولوجية عنيفة، يتداخل فيها الرقص بالعويل والبكاء والذبح والقتل، الخ.

محنة الذاكرة

النبش، في هذا الفيلم الوثائقي، تلبس بالعديد من أشكال الحكي، التي كانت تصب كلها في اتجاه واحد، لا إنسانية الآخر، بل وإنسانية الحق الجزائري في المطالبة بحقه التاريخي والشرعي، والمحدد في الاستقلال. لقد قيل هذا بالحكي بالصورة ومن جملتها الحكي عبر الذاكرة، أو ما يمكن تسميته بالسفر في ذاكرة الوجود الجزائري في فرنسا، قيل هذا أيضا بلغة أو بثنائية البياض والسواد، من موقع متحرك. محنة المواطن الجزائري بدأت بالهامش المكاني في فرنسا، والعيش خارج شروط الحياة، ما جعله يدرك ومنذ البدء، أن الآخر غايته في كل تعامل هو امتصاص خيراته وخصوبة جسده ومخياله، الخ. السفر في ذاكرة ممزقة بفعل ممارسة كل أشكال العنف عليها، من لدن الفرنسي، هو خيط جامع لكل الحكايات التي حكيت من طرف العديد من المتدخلين في الفيلم، الذين حكوا قصصا مرعبة ومخيفة، بل من خلالها نكتشف قيمة وأهمية هذا الفيلم الغني بأرشيفه، الذي أراد المخرج، ومن خلاله، أن يحافظ على مسافة مهمة ليقول القول بلسان الآخرين. جروح عديدة ميزت حكي الذاكرة الجزائرية هنا، سواء من أبنائها، أو من الغير، مما يجعلنا نوقف بين الفينة والأخرى، ما لدينا من تمثلات حول القضية، في أفق التصحيح والتعديل والإضافة، لأننا أمام خصوبة المتون المقدمة هنا، وبلغة أرشيفية، تكشف شرعية الطرح، وتاريخية القضية، وبالتالي فهم، أنه من الصعب طي صفحة الذاكرة بيسر ودبلوماسية مبتسمة، بل، وحده حكي الحدوثة لكل الأجيال، في أفق فهم ما وقع وتحليله والكتابة عنه بلغات الإبداع، ومن موقع أنسنته، بدون السقوط في لغة الانتقام، هو ما يمكن أن يجعلنا متصالحين مع ذواتنا ومع الغير، وما هذا الفيلم، إلا ذلك النموذج المنشود، بجانب نماذج أخرى ومن مجالات فنية وثقافية عليها أن تتوسع في الكتابة، من أجل الفهم والإفهام.

فرنسا من خلال موريس بابون

دهاليز الأزقة والشوارع والفنادق، وكل الأمكنة الفرنسية، بحثا عن المناضلين الجزائريين، كان خلفها آمر الشرطة الفرنسي «موريس بابون»، الذي (تخصبت) منهجيته التعذيبية مما راكمه من تجارب في مواجهة انتفاضات المدن المغربية والجزائرية وغيرها. موريس هذا، نصبته فرنسا في هذه المهمة الأمنية في باريس، لكي يخطط لأي فعل رافض للاحتلال الفرنسي، ما جعله معذبا ومتفننا في القتل، مراهنا على هذا الأسلوب الأمني ليؤتي أكله. فكل الأشكال التعذيبية التي مورست من طرف موريس، شكلت موضوعا جوهريا للتحليل والتفكيك في الفيلم، ومن مرجعيات سياسية وفكرية متعددة من الجزائر وفرنسا وغيرهما، بل تصل ذروة التحليل حينما طرحت أسئلة قوية ودالة حول تلك العلاقة الرابطة بين موريس وديغول. هل كان هذا الأخير على علم وبينة مما يفعل موريس؟ من جملة الإجابات القوية والدالة التي وردت على لسان البعض، في ما معناه، أنه، أي موريس كان يد ديغول اليسرى، وبيده اليمنى كان يفاوض حول استقلال الجزائر. سيظل موريس بابون، ذلك الثقب الأسود في ذاكرة التاريخ المشترك بين فرنسا والجزائر، بل حتى سوريا والمغرب، لاسيما أن هذا المسؤول الأمني مرّ من هذه الدولتين وترك بصمته الأمنية في مواجهة انتفاضات المدن، كفعل تحرري من سلطة فرنسا المستعمرة للبلاد والعباد.

العودة إلى الجزائر

على امتداد ما يقرب من ساعة وسبع عشرة دقيقة، من أصل ساعة وأربع وعشرين دقيقة كمدة زمنية للفيلم، قضيناها هناك، في ذاكرة فرنسا التاريخية المثقلة بدماء «سالت» على نهر السين، ستحولنا كاميرا المخرج، نحو الجزائر، وبلغة الألوان، وتجعلنا، وبعيونها، نزور تمثال/رمز الحرية والشهداء، حيث التسمية المنحوتة اليوم في ذاكرتنا جميعا، أن هذا البلد هو بلد المليون شهيد، ليجعلنا نتساءل عما وقع بعد كل هذه التضحيات الجسام، فيكون الجواب، هو صراع الأجنحة حول الحكم، وقيادة الجزائر نحو مرحلة الاستقلال وما بعدها. البدء بالعلم الجزائري، وكتابة لفظة الجزائر، وجعلنا نستمتع، ببعض المآثر والمكونات الطبيعية والبشرية للجزائر، وفي مقدمة كل هذا، تلك القنطرة الموحية بإمكانية تأويل رابط بين جيلين، لكن الانشغال بالفعل السياسي، والصراع الداخلي حول مَن يقود الجزائر نحو بر الأمان، وعدم ذكر «فيدرالية فرنسا» المحيلة على أحداث 17 أكتوبر، والنبش في الذاكرة الفرنسية التي تمرغت في دماء الجزائريين وعلى نهـــر السين، الـــخ، يبدو قد تعطل ولأســـــباب عديدة، كما جـــاء على لسان المتدخلين في الفيلم.
في الأربع دقائق الأخيرة، أرجعنا الفيلم، إلى فرنسا، لتتبع محاكمة موريس بابوان، ليس في قضية قتل الجزائريين، بل في قضية تهريب اليهود، ليقضي جزءا قليلا من العقوبة السجنية التي حددها أحد المتدخلين في عشر سنوات، والعفو عنه، في ما تبقى من العقوبة، ليطرح السؤال، ويختتم به الفيلم رحلته الوثائقية في زمكان هذا الحدث وعلى لسان أحد المتدخلين: لماذا؟ لم أعرف، أي لماذا لم يحاكم حول ما تم فعله في عهده؟ فالبدء بالصراخ وصوت الرصاص والعويل وصوت الغربان المخيف والمرعب والمحيل على فعل القتل، والختم بسؤال يتعلق بعدم العقاب؟ كل هذا يجعلنا نشعر، على مستوى القضية، وكأنها قيدت ضد مجهول، وهو المعلوم، لكن على مستوى الرؤية الفنية جعلنا فعلا ندرك قيمة قضية لم نكن نعي العديد من تفاصيلها الدقيقة، وقد صيغت برؤية فنية تؤشر إلى وعي المخرج بأهمية حكي الحدوتة بين الفينة والأخرى بلغة الصورة/الصوت، وفي مقدمتها لغة الموسيقى التي رافقت القضية بشكل حزين دال على رائحة القتل.

٭ باحث وناقد سينمائي من المغرب

ألم الصورة في فيلم «دماء على نهر السين»: كيـف حكمـت فرنسـا الجـزائر

الحبيب ناصري

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left