لماذا سيترشح بوتفليقة لعهدة خامسة؟

ناصر جابي

May 21, 2018

كل الدلائل تشير إلى أن بوتفليقة يريد عهدة خامسة، حتى وهو في هذا الوضع الصحي المتدهور. فقد انطلق الرجل منذ شهور في حملة انتخابية مبكرة وهو في نهاية سنته الأخيرة، من عهدته الرابعة. فاتجه إلى الفئات الشعبية في المدن الكبرى لكسب ودها عن طريق توزيع السكن الاجتماعي، رغم الوضع المالي الصعب للبلد. وفي الوقت نفسه الذي اتجه صوب منطقة القبائل للاعتراف باللغة الامازيغية التي أصبحت لغة رسمية ووطنية بتكريس دستوري.
زاد بوتفليقة على ذلك بالاعتراف بـ»الناير» عيدا وطنيا ورسميا، والإعلان عن تكوين أكاديمية للعناية باللغة الامازيغية، سترى النور هذه الأيام. المهاجرون الجزائريون في فرنسا استفادوا هم كذلك من هذه الحملة الانتخابية المبكرة عن طريق ادماجهم في سياسة السكن بمختلف صيغه (يشاركون في الانتخابات الرئاسية منذ استقلال البلد).
مناطق وفئات اجتماعية معروف عنها حيويتها السياسية وقربها من المعارضة، حتى إن تميزت مشاركتها في الانتخابات، بالضعف واللامبالاة. عكس سكان المناطق الجنوبية الذين تميزوا على الدوام بمشاركة قوية، رغم وزنهم الديموغرافي الضعيف. أبناء الجنوب الذين استفادوا هم كذلك في المدة الأخيرة من نتائج هذه الحملة الانتخابية، بعد أن وعدهم الرئيس بتحويل عدة ولايات منتدبة إلى ولايات كاملة، بما يحمله هذا القرار معه من وظائف وخدمات لأبناء هذا المناطق الفقيرة، التي يفضل النظام السياسي التعامل معها وتسييرها عن طريق الزوايا ونخبها التقليدية الدينية من أعيان ومشايخ.
الرئيس الذي قرر في إطار الحملة نفسها الخروج من «مكتبه» أخيرا للقيام بتدشين عدة مشاريع والتواصل، من بعيد مع المواطن، كما فعل منذ شهر وهو يدشن جامع كتشاوة ومحطة ميترو في العاصمة، وأخيرا وهو يدشن مقر الزاوية البلقايدية الهبرية، ومشروع بناء المسجد الكبير، قبيل شهر الصيام، خروج أكد الوضع الصحي الحرج للرئيس عكس ما كان مقصودا به. على الرغم من كل هذا هناك بعض الجزائريين، على قلتهم، من النخب السياسية والحزبية من لا يزال يعتقد أن بوتفليقة لن يترشح مرة خامسة، نظرا لوضعه الصحي المتدهور، الذي لا يتحسن مع الوقت، كما هو ظاهر بالعين المجردة. وإن كل ما يقوم به هو حملة للتمويه لصالح مرشح آخر؟ لم يتم الكشف عنه حتى الآن! سيناريو صعب التصديق لعدة أسباب منها ما هو متعلق بشخصية الرئيس نفسه وبثقافته السياسية وبمؤسسات اتخاذ القرار داخل النظام السياسي الجزائري نفسه وطريقة عملها. فهذا السيناريو يفترض أن هناك مؤسسات فاعلة، يمكن أن تتدخل لفتح النقاش داخلها، حول العهدة الرئاسية الخامسة، يمكن أن تحد من طغيان الشخص على المؤسسة. في حين أن الملاحظة اليومية تقول إن كل مؤسسات الدولة معطلة عندما يتعلق الأمر بقرار الرئاسيات، بما فيها مؤسسة الجيش (المخابرات في حقيقة الأمر وقيادة الجيش العليا) التي تم تحييدها بشكل واضح، في سنوات حكم الرئيس بوتفليقة الأخيرة. ناهيك عن البرلمان والحكومة ومجمل الأحزاب التي بدأ بعضها في اعلان تأييدها للرئيس في عهدته الخامسة، قبل أن يترشح رسميا ويعلن عن قراره! مؤسسات على استعداد لمبايعة أي رئيس على رأس السلطة، يريد أن يترشح إلى ما لانهاية.
سيناريو عدم الترشح الذي تؤمن به أقلية من النخبة الجزائرية، لا يراعي من جهة أخرى ثقافة الرئيس التي تجعله لا يتصور أن يكون خارج السلطة بعد الوصول لها 1999. تحت أي ظرف وباسم أي حجة. هو الذي لم ينس كيف أُبعد من السلطة، بعد وفاة بومدين ولم يعد اليها إلا في ظرف خاص، فرضته أزمة النظام، بعد استقالة الرئيس ليامين زروال المفاجئة، التي خلقت اضطرابا إضافيا للنظام السياسي الذي كان يمر أصلا بأزمة عميقة، وصلت إلى حد اغتيال رئيس الدولة (بوضياف) والإعلان عن رئاسة جماعية.
ثقافة سياسية تجعل بوتفليقة لا يراعي مصالح العصبة المصلحية والجهوية التي دعمته خلال فترة حكمه الطويلة، التي يمكن أن تتضرر إذا رفض الرئيس أن يقوم بترتيب أمور خلافته وهو على قيد الحياة. ترتيب تريده العصبة الحاكمة أن يكون لصالح أحد أبناء المنطقة وليس خارجها. بعد أن استشرت الجهوية بشكل مفضوح خلال عهدة الرئيس بوتفليقة الذي غيَر على أرض الواقع موازين القوى داخل مؤسسات الدولة لصالح أبناء جهته، بل مدينته التي سيطر أبناؤها وبناتها على مواقع السلطة والسيادة داخل المؤسسة العسكرية والمدنية. مواقع تسمح لهم بإنجاز مهمة تاريخية يقوم بها كل من وصل إلى مواقع السلطة في الجزائر: تحويل المال العام إلى مال خاص في أسرع وقت ممكن. موازين قوى جهوية هي التي ستحسم الصراع على موقع الرئاسة في وجود بوتفليقة أو غيابه، حسب هذا التصور الذي لا يتوقع أن يبتعد أبناء المنطقة على المواقع المحتلة. وسيدافعون بشراسة عن مواقعهم التي افتكوها خلال فترة حكم ابن جهتهم الرئيس بوتفليقة ضد أبناء جهويات أخرى سيطرت لوقت طويل على مواقع السلطة.
«الركود أحسن من الفوضى»، هو الشعار الذي يكون بوتفليقة قد اقنع به المحيط الدولي السياسي، المباشر للجزائر الذي يأتي على رأسه أوروبا وفرنسا تحديدا، عند الكلام عن رئاسيات 2019 التي يريد أن تكون محطة فقط في استمرارية الوجوه نفسها والنظام نفسه. عملية اقناع لم تكن صعبة في وقت لم تتوقف هذه الدول عن الاستفادة اقتصاديا من علاقاتها مع الجزائر، رغم المنافسة الصينية التي تكيفت معها هذه الدول، ليس في الجزائر فقط، بل في كل افريقيا، التي تحتل فيها الجزائر مكانة حساسة يراد لها أن تقوم من خلاله بدور «الحاجز البشري» بين الضفتين، بين أفقر دول العالم (دول الساحل) وأغناها على الضفة الشمالية للمتوسط (دول أوروبا الغربية). إقناع أوروبا بأن «الركود السياسي أحسن من الفوضى» لم يكن صعبا، مع ما هو حاصل في الإقليم من عدم استقرار (ليبيا ودول الساحل وحتى سوريا البعيدة) يمس مباشرة الأمن الأوروبي، لا يراد له أن يتوسع ليشمل الجزائر في هذه المنطقة التي تحول فيها التغيير السياسي إلى مرادف للفشل والفوضى والعنف، خارج الاستثناء التونسي.
فشل ترفض أوروبا أن يتكرر مع الجزائر بالذات لما يميز علاقاتها بأروبا من خصوصيات حضور بشري وقرب جغرافي ودور إقليمي يراد للجزائر أن تستمر في لعبه، وهي راكدة سياسيا إذا اقتضى الأمر.
كاتب جزائري

4MAD

لماذا سيترشح بوتفليقة لعهدة خامسة؟

ناصر جابي

- -

8 تعليقات

  1. ويبقى الوضع مشلولاً بالجزائر! الخيار الآخر هو بعشرية سوداء جديدة!! هل فهمتم الآن تقارب عسكر الجزائر مع بشار؟ ولا حول ولا قوة الا بالله

  2. شيء عجيب ان فكر بوتفليقة في عهدة خامسة، و الذي يؤدي إلى ركود خامس لا اعتقد ان االشعب الجزائري يتحمله و يتحمل نتائجه الكارثية على جميع المستويات الاجتماعية و الاقتصادية و حتى السياسية ، حيث تغول المال الفاسد و أصبح جزء من السلطة الحاكمة.. و حتى الركود الذي تقبله الدول الاوروبية ، فهو ليس استقرار ثابت لعدة عوامل ذكرت سابقا، بل هو استقرار ظاهري، غير ملموس واقعيا، و ما توزيع بعض السكنات و تدشين بعض المشاريع الصغيرة لا يمكن ان يغطى على الحياة الاجتماعية الصعبة التي يعيشها المواطن الجزائري ، و لا اظن انه سيزيل عن تفكريه تلك الضرائب المتتالية و الاسعار المرتفعة التي افبرت جيبه، و لم يعد يستطيع ان يدفع كراء تلك السكنات التي وزعتها عليه السلطة ؟؟؟!! يمكن لبوتفليقة ان يترشح و ينجح، فلا احد سينافسه ، و هي عادة جبل عليها منذ 1999 عند انسحاب المترشحين المنافسين له، بعدما ادركوا ان اللعبة مغلقة و ان الصناديق يمكن ان يتغير لونها بعد اغلاق مراكز الإنتخابات .. و لست أدري ماذا سيقدم للجزائر ؟؟؟ بعد عشرين سنة من الحكم ماذا بقي ما يقدمه للشعب الجزائري ؟؟ اذا كان ابوما هذا القانوني و المثقف الديناميكي صاحب مشروع قدم كل ما يملك في 8 سنوات لامة قوية و سرعتها تقاس بسرعة الضوء، ماذا سيقدم لنا نحن العرب من مشاريع هؤلاء الملوك و الرؤساء الذين يتحكمون في شعوبهم منذ ولد جدنا الاول ؟؟!!!!!!

  3. ليس بوتفليقة او محيطه من يقرر اذا كان سيترشح ام لا وانما الحاكم الحقيقي هو الذي يقرر وما على الجميع الا التنفيذ انها فرنسا والتي استولت على مقاليد الحكم بعد موت بومدين

  4. الأفلان انهزم شر هزيمة في التسعينيات و الغرب و السعودية باركو الانقلاب العسكري الدموي و إعدام المعارضة جسديا و أعادوا حزب العسكر إلى السلطة و اغتيال بوضياف كان رسالة واضحة للشعب و كل من يرغب في التغيير و العسكر دائما يدكر الشعب بقصة حتى لا ننسى و في حالة تغيير النظام باي طريقة العسكر مستعد لسيناريو مثل العشرية بطريقة داعشية ليقول للغرب العسكر أو داعشي لكم الاختيار و الأيام بيننا..لهدا العسكر يتشبثون ب بوتفليقة مواجهة مدنية تضمن لهم استنزاف البلد مع طبع النقود بدون قيمة مالية إلى حين ارتفاع أسعار النفط

  5. *أعتقد و(الله أعلم ) أن الرئيس
    (بوتفليقة) لا حول له ولا قوة
    ويحركه لوبي (المصالح والفساد)..؟
    *الشعب الجزائري الطيب مثله مثل
    باقي الشعوب العربية (المنكوبة)
    لا أحد يستشيره أو يهتم برأيه للأسف..
    سلام

  6. الوضع في الجزائر ليس استثناء؛ فكل الشعوب العربية تعيش تحت وطأة الفساد السياسي والاقتصادي والمالي، بلا شك أن هناك اختراق فرنسي للقرار السياسي والاقتصادي والثقافي في الجزائر، ويبقى عدم الاختراق العربي خاصة الخليجي للقرار في الجزائر هو ما يميز هذا الجزائر عن باقي البلدان العربية التي أنهكها الفكر والمال الخليجي، وليتأكد الجميع بأن الشعب الجزائري على وعي تام بما يحيط به من المؤامرات الفرنسية والخليجية، ولكن لن يرجع الشعب إلى العشرية الحمراء جديدة ولا إلى حمامات الدم التي عاشها كما ذكر أحد المعلقين أعلاه، التغيير في الجزائر سيكون سلمي، ولن يكون بدبابات وصواريخ الناتو ولا بالمرتزقة العرب وقنواتهم الفضائية .

  7. مشكور استاذ على التحليل لكن حبذا لو يتضمن مقالك القادم اقتراحا للحلول لاني اعتقد و الله اعلم ان التشخيص معلوم ومتفق عليه

  8. ترشح بوتفليقة لعهدة خامسة امر طبيعي و الشعب الجزائري هو من يتحمل ذالك لانه غائب تماما عن المشهد السياسي لا توجد اي بدائل و لا يوحد للشعب اي قوئ سياسية قوية حتئ المعارضة غائبة تماما لا يمكنها ان تحشد حتئ مئة شخص (امثال سفيان جيلالي الذي لا نرئ في حزبه اي تكتل سوئ التصريحات الاعلامية ) لو الشعب الجزائري اثبت قوته عن طريق التكتل وراء حزب سياسي (كما حصل في عهد الجبهة الاسلامية ملايين الشعب ضد السلطة ) لن تستطيع السلطة فعل شيئ لكن بما انهم غائبون فليتحملو النتيجة (الشعب الجزائري حاله مثل الطفل الذي يحتاج للرضاعة و الرضاعة هي الدولة اما يريد ان النظام يختار له بديل او يتفرجون لكن ان يبادروا لا للاسف لهذا لا يتحمل وضع البلاد سوئ الشعب

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left