أحلاف الاستشراق

صبحي حديدي

May 21, 2018

كانت الألمانية هيدفيغ كلاين (1911 ـ 1942) مولعة باللغة العربية، فقهاً وأدباً وتاريخاً؛ وفي سنة 1937 أنجزت أطروحة دكتوراه متميزة، قوامها تحقيق فصل «أخبار أهل عُمان من أوّل إسلامهم إلى اختلاف كلمتهم»، من كتاب الشيخ العلامة سعيد الأزكوي «كشف الغمة الجامع لأخبار الأمّة»؛ الذي يُعدّ أحد أفضل المراجع عن التاريخ الإباضي. لكنّ أقدار ولادة كلاين لأسرة يهودية انعكست على الأطروحة، التي لقيت إطراء شديداً من أستاذها المشرف أرتور شاده، إذْ امتنعت إدارة الجامعة عن تثبيت الدرجة، لأنّ الدكتوراه لم تعد تُمنح لليهود في تلك الحقبة من تاريخ ألمانيا الأكاديمي.
كذلك أنقذتها من التسفير إلى معسكرات الاعتقال شهادةٌ من اللغوي المستعرب هانز فير، صاحب القاموس الشهير، الذي كان قد انتسب إلى الحزب النازي (كما يكتب شتيفان بوخن في مقالة نشرتها مجلة «قنطرة» مؤخراً)، وكُلّف بترجمة كتاب أدولف هتلر «كفاحي» إلى اللغة العربية، وكان بحاجة إلى مختصين في اللغة العربية. لم يكن هذا كافياً، في الواقع، وتوجب أن تغادر كلاين ألمانيا حين توفرت لها تأشيرة إلى الهند؛ حيث عاكستها الأقدار مجدداً، فتوقفت رحلة الباخرة حين اندلعت الحرب، وانتهت رحلة كلاين بالتسفير إلى أوشفتز، حيث قضت هناك.
تنتمي هذه السيدة، والعشرات سواها من السيدات والسادة، إلى تلك الفئة التي صُنفت في التاريخ الاستعماري تحت مسمّى «المستعرب» Arabist، إذا شاء المرء إقامة تناظر اشتقاقي مع المسمّى الآخر الأشهر، أي «المستشرق» Orientalist. قاموس أكسفورد الشهير يعرّفه هكذا: «أجنبي متخصص في اللغة العربية»؛ وقاموس وبستر الجامعي يصفه بـ«مختص باللغة العربية والثقافة العربية أو طالب يدرسها»، أو «مساند للمصالح العربية»؛ وقاموس التراث الأمريكي يقتفي أثر وبستر في إدراج دراسة اللغة والثقافة، لكنه يطوّر العنصر الثاني هكذا: الذي «يميل إيجاباً إلى الاهتمامات والسياسات العربية».
لائحة مشاهير المستعربين تشمل أمثال ريشارد فرنسيس برتون (مترجم «ألف ليلة وليلة» و«الروض العاطر» إلى الإنكليزية)، الليدي هستر ستانهوب (أو «ملكة البدو» في اللقب الظريف!)، توماس إدوارد لورانس («لورانس العرب»)، جرترود بيل (عالمة الآثار، ومستشارة التاج البريطاني حول المشرق)، هاري «عبد الله» فيلبي (رجل المخابرات البريطانية في الحجاز)، دانييل بليس (مؤسس «الكلية البروتستانتية السورية» التي ستتحوّل إلى الجامعة الأمريكية في بيروت). ثمّ، في لائحة أخرى معاصرة، ريتشارد مورفي، هيرمان إيلتس، روبرت بلليترو، دافيد نيوتن (السفير ما قبل الأخير للولايات المتحدة في عراق صدّام حسين)…
والحال أنّ هذه الفئة انقرضت، أو تكاد، بعد أن تكفلت عوامل عديدة بإسباغ شخصية مرذولة على حامل الصفة، خاصة بعد إقامة دولة الاحتلال الإسرائيلي، والانحياز المطلق الذي طبع السياسات الخارجية للولايات المتحدة والغرب إجمالاً لصالح أمن الكيان الصهيوني. وهكذا اتُّهم المستعرب بالانحياز إلى العرب، أو الخلط بين عشق اللغة العربية والحماس للقضايا العربية؛ أو السعي إلى تفهّم السخط العربي تجاه الغرب عموماً، وأمريكا خاصة. وهذه حال أجاد مورفي تلخيصها ذات يوم، حين هتف بمرارة: «أصبحت كلمة مستعرب ترادف مواقعة العرب فكرياً ودبلوماسياً»!
والإنصاف يقتضي القول إنّ الاستعراب لم يكن حميداً دائماً في المعسكر الاشتراكي أيضاً، وخاصة الاتحاد السوفييتي؛ لسبب مبدئي أوّل هو أنّ الدراسات التاريخية خضعت لاشتراطات إيديولوجية مسبقة ذات صلة بالجمود العقائدي (موقف إرينا ميخايلوفنا سميليانسكايا من الطبقة العاملة المصرية مثلاً، أو آراء استاذها فلاديمير بوريسوفتش لوتسكي حول مجتمعات سوريا ولبنان)؛ وكذلك لأنّ مؤسسة الاستعراب الأهمّ، أي معهد الاستشراق، كان اسماً على مسمّى من حيث ركائزه الاستشراقية. وفي سنة 1989، بتأثير مناخات الشفافية التي أشاعها ميخائيل غورباتشيف، علّق أساتذة معهد لينينغراد للدراسات الشرقية، صور 300 من كوادر المعهد الذين تعرضوا للتنكيل بين 1918 و1972؛ لأنهم، غنيّ عن القول، خالفوا الثوابت المسبقة والنواهي الحزبية.
من جانبه يميل وليام كواندت، الباحث والمؤرّخ المعروف المختصّ بالدبلوماسية الأمريكية في الشرق الأوسط، إلى إنصاف المستعربين عن طريق وضع تصنيفاتهم التنميطية في سياق سياسي ملموس: «المستعربون لا يشبهون أمثالهم من أخصائيي المناطق، في المخيّلة الشعبية على الأقلّ. فإذا أشار المرء إلى أفريقاني، مثلاً، فإنّ الصورة الناجمة سوف تصف شخصاً مختصاً بتاريخ ولغات وثقافات أفريقيا، ممّن قضى في القارة ردحاً من الزمن، ولن تتبادر إلى الذهن تداعيات تدعو إلى ذمّ الرجل. لكنّ صفة المستعرب تستدعي، على الفور، دلالة سيئة: هو ذاك الذي صرف الوقت في تعلّم اللغة العربية، أو عاش زمناً طويلاً في العالم العربي، وهو معادٍ لإسرائيل بالضرورة»!
يبقى أن أعيد التشديد على قناعة شخصية بأنّ انطواء صفحة الاستعراب لا يستدعي الأسف، أياً كانت الإيجابيات التي اقترنت بتراثه؛ بل لعل الواجب يقتضي اليوم، في ضوء كشوفات إدوارد سعيد حول مؤسسة الاستشراق تحديداً، وضع المستعرب على المحكّ ذاته الذي استحقه المستشرق، من حيث التحالف الضمني بينهما، أو الصلة مع عقائد مثل الفاشية والنازية والستالينية، أو توفير خدمات مباشرة للمشاريع الاستعمارية الأوربية. وقد تحتاج المعادلة إلى ميزان ذهب بين تحقيق فصل حول الإباضية في عُمان، وترجمة «كفاحي» إلى اللغة العربية برعاية نازية!

أحلاف الاستشراق

صبحي حديدي

- -

4 تعليقات

  1. رغم ان عددا كبيرا من العرب قاموا بدراسات قيمة جدا عن المجتمعات الغربية ولغاتها وثقافتها ولم أسمع أبدا بأنهم ـ أي الغربيونـ يسمونهم ” مستغربون”.

  2. هناك عامل مهم ربما ساهم في اندثار هذه الفئة يتمثل في عدم الحاجة اليهم بأي شكل من الاشكال…مجتمعاتنا العربية والاسلامية ولعدة اسباب باتت محلّلة ومستكشفة تماما ومتحكم بها قياديا اولا ومجتمعيا بنسبة معينة من خلال الدراسات المتخصصة ومن خلال الصورة…
    للتذكير فقط….المذهب الاباظي هو ثاني مذهب في الجزائر الغالبية العظمى تتبع المذهب المالكي (بني مزاب)كما يسمون في الجزائر يعتنقون المذهب الاباظي وهم امازيغ احرار يقطنون مدينة غرداية الساحرة والزاخرة بثقافتها التي تتميز بها….
    تحية عطرة لاستاذنا صبحي حديدي … ومثلها لاستاذي (سوري)….

  3. الأخ صبحي،
    قد يكون صحيحًا ما تقوله بأن صفحة «الاستعراب»، أيًّا كانت الإيجابيات التي اقترنت بتراثه، قد آلت إلى الانطواء عن المشهد الأكاديمي الراهن. إلاَّ أن تأثيراته السلبية، والسلبية جدًّا بالمعنى «الاستشراقي» السعيدي، ما زالت تُرى وتُسمع بالعين وبالأذن المجرَّدتين في أوربا وأمريكا، على وجه التحديد.
    هناك الكثير من «الأكاديميات» و«الأكاديميين» الغربيين الذين تخصصوا في علوم اللغة العربية وآدابها (ومنهم من يدَّعي التخصُّص في الحضارة الإسلامية، علاوةً على ذلك) لم يكفُّوا عن اتخاذ المواقف العنصرية والعرقية والفاشية العلنية تجاه الشرق عمومًا وتجاه العرب خصوصًا، ولم يكفُّوا في المقابل عن الانحياز الأكثر علنًا لإسرائيل وما يشابهها من الدول المُوجَدَة استعماريًّا.
    والأنكى والأشدُّ إيلامًا من ذلك كله، أن هناك الكثير من «الأكاديميات» و«الأكاديميين» العرب الذين حصلوا على وظائف تدريس اللغة العربية في جامعات غربية، وأغلبهم من «العراقيات» و«العراقيين» في الدول الإسكندافية تحديدًا، لا يتوانون، ولو للحظةٍ يتيمة، في العمل كمخبرين وككتاب تقارير منافقين عن زميلاتهم وزملائهم العرب من غير العراقيين، وعلى الأخص عن أولئك الذين يدركون تفوقهم العلمي عليهم بشكل ملحوظ، لصالح رؤساء الأقسام (الغربيين) ومن على شاكلتهم.
    للأسف الشديد، هؤلاء «الأكاديميات» و«الأكاديميون» العرب يفعلون ذلك فعلاً، وهم يعلمون علم اليقين أن نسبة كبيرة جدًّا من الطلبة الأوروبيين والأمريكيين يتعلمون اللغة العربية في العديد من الجامعات الأوروبية والأمريكية التي تحتوي أقسامًا لهذه اللغة، وذلك بناءً على مُنح دراسية مُغرية الرواتب يحصلون عليها من وكالة الاستخبارات الأمريكية CIA بالذات.
    ترى هل تقدِّم وكالة الاستخبارات الأمريكية هذه المُنح الدراسية المُغرية لهؤلاء الطلبة الأوروبيين والأمريكيين لأجل سواد (أو زراق) عيونهم فعلاً، أم لمآربَ «استعرابية»، أو «استشراقية»، أُخرى حتى أشدَّ خطورةً من سابقاتها التي أشار إليها الغائب إدوارد سعيد؟!

  4. منى … لا تجمعي في الكلام مثل تعميمك للمجتمعات العربية والإسلامية

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left