نحن في مواجهة محمد صلاح والزفاف الملكي

عبير ياسين

May 22, 2018

عندما انفصل ثنائي هوليوود، أنجلينا جولي وبراد بيت، في سبتمبر2016، شغل الحدث مساحة كبيرة من الاهتمام بالتفاصيل المعروفة، والبحث عن الأسرار الخفية. ولكن النقطة التي ظلت مهمة تمثلت في التساؤل الذي طرح بعد عدة أيام عن الأحداث التي شهدها العالم في الوقت نفسه ولم يهتم بها أحد كما يفترض بسبب التركيز على حدث الانفصال.
التساؤل لا يزال حاضرا عندما نتحدث عن أولويات الاهتمام ومن يرسم أجندة الرأي العام، وكيف أن الزفاف الملكي في بريطانيا كان كافيا، مثل مباراة كرة قدم أو مسابقة غنائية، لتحول جزء كبير من اهتمام الكاميرات إلى الزفاف ومظاهر الفخامة، بعيدا عن تطورات الواقع، ومن مات ومن أصيب ومن ما زال يقاوم من أجل البقاء على قيد الحياة.
يتحول التعامل مع أحداث من تلك النوعية إلى قرار مقصود بمقاطعة حالة الإغراق في الصورة، التي يراد لنا أن نتوقف عندها ونتجاهل غيرها، رغم أن حياتنا لن تتغير للأفضل، وعلى العكس، يمكن أن يكون لها أثر سلبي عندما تتحول إلى فرصة إلهاء مجانية تفرد لها ساعات البث ومساحات الكتابة لتمرير معاناة وسياسات قمعية. إخراج الحدث وكأنه ميلاد ديانا جديدة وزفاف من عالم ديزني والخيال، وجد من يروجه وكأنه حالة من الإنجاز التاريخي غير المسبوق، والقادر على إحداث تغييرات كبرى لا يتوقف أحد ليسأل عن موقعنا منها وأهميتها لنا حقا. وكما هي العادة نتجاوز بسهولة خيطا رفيعا بين الإعجاب بالآخر وإهانة وتحقير الذات، الذي يتجاوز حدود شخصية مشهورة إلى الحكم والسياسة، وعلاقة السلطة والشعب، وفي القلب رؤية الفرد لنفسه وما هو جدير به من قيم وحقوق.
ظهرت بسرعة التعليقات الإيجابية لدرجة التضخيم للصورة التي ظهرت عليها الأميرة الجديدة، ميغان ماركل، واستخدام الماكياج مقارنة بما يحدث في العالم العربي، مع استخدام عبارات تتضمن الانتقاد والتجاوز أحيانا ضد أنفسنا ومن يشبهنا. يوضح الموقف جزءا من سياق التعامل مع الآخر، الغربي- صاحب السلطة والشهرة والمال، بغض النظر عن ملامحه، مقابل التعامل مع أنفسنا، وتحديدا مع الشق الذي يشبه الاغلبية والوجوه التي يمكن أن تشاهدها بشكل طبيعي في المرآة وفي الحياة. تم التجاوز عن اللحظة ومتطلبات الزفاف الملكي، وطبيعة الثقافة في كل مجتمع، وتفاصيل أخرى كثيرة والإشادة بما اعتبر الظهور بدون تكلف والبساطة.
بالمقابل، وعلى العكس، تستخدم الأسباب نفسها لتغذية التعليقات التي تصل إلى حد التجاوز في التعليق على ماغي صادق، زوجة لاعب الكرة محمد صلاح، في كل ظهور جديد لها، وكيف أنها لا تناسب صورة المشاهير وأصحاب المال. نقف في مواجهة انتقاد ماغي لعدم التغير في مواجهة عالم يرغب في التنميط، حسب تصور يتفق مع عالم لا يشبه أغلبنا بالضرورة. يختار البعض تأميم الشخص، وبتجاوز هذا لتأميم حياته سياسيا مع وضع تحيا مصر ثلاث مرات، إلى خياراته الشخصية وانتقاد اللحية بوصفها تعبيرا عن الاٍرهاب، والزوجة بحكم عدم اتساقها - وفقا لمن ينتقد- مع المشهد الذي يحيط بها وهالة البطولة والشهرة التي تحيط بزوجها. 
لا نطالب الآخر، أن ينفصل عن طبيعته، أو هكذا نتصورها الحقيقة، ونشيد بالظهور غير المتكلف والبساطة. وعندما نغير القناة ونتابع عالمنا نغير معايير التقييم، وكل ما يتم الإعجاب به لدى الآخر يتم انتقاده لدينا، وكأن طبيعتنا العادية لا تتناسب مع كود الحياة والرفاهية والشهرة والتقدير. طبيعتنا العادية تناسب كود المعاناة والقمع فقط، وعندما نخرج من دوائر المعاناة يصبح من المطلوب أن نخرج من أنفسنا… هكذا تبدو الصورة بسيطة وخطيرة لأنها تؤسس بشكل ذاتي للنظر إلى أنفسنا بمهانة وقبول أنها ضمن كود المعاناة وتستحق القمع. في حالة ماغي، يتم التعامل مع الصفات نفسها التي استخدمت للإشادة بميغان، بوصفها قيما سلبية انطلاقا من تصور وجود كود لشكل وسلوك صاحب الشهرة والمال، كود يفترض أن يفرض على صلاح، أو غيره، تغيير نمط الحياة حتى يشبه تصورنا للأغنياء والمشاهير. انتقادات وسخرية يستخدمها البعض للشهرة، مثل الراقصة التي أعلنت رغبتها في الزواج منه على هامش السخرية الدائرة. وعندما تظهر ماغي بعد ذلك، تبدأ سلسلة تعليقات أخرى بين مؤيد لأنها لم تستجب لضغوط التغيير، ومستمر في التجاوز لأنها لم تتغير، يصبح المشهد عبثيا وكل ما تقوم أو لا تقوم به يتحول إلى جزء من لعبة الاستجابة للنقد والتغيير من عدمه، وكأن مشكلتها الوحيدة أنها ما زالت تشبهنا، عموم الشعب، وعليها أن تدفع ثمن أنها تذكرنا بأنها تشبهنا، ولكنها لا تعيش الحياة نفسها، ولهذا عليها أن تتغير حتى تختلف ونقبل أنها لا تعيش الحياة والمعاناة نفسيهما. 
يصبح التناقض هو الأساس، كيف ينظر البعض للزفاف الملكي بوصفه حالة سحرية، وكأن ميغان جاءت حقا من عامة الشعب وليست شخصية معروفة في دوائر تختلط فيها السلطة والمال والشهرة لخلق حالة من النفوذ. يفضل البعض التجاوز عن تفاصيل المشهد من أجل الصورة التي تتم صناعتها وترويجها، وكأنه عالم آخر لا يشبهنا أيضا، وغير قابل للتحقيق. يتحدث البعض عن الطفلة ميغان (11 عاما) التي أرسلت رسائل للسيدة الأولى وغيرها، بعد نصيحة والدها للاعتراض على فكرة إعلان تجاري، ويتجاوز البعض أن والدها اقترح بدون خوف من رد فعل السلطة وأصحاب الشركة، وعن حقيقة أنها حصلت على رد من أرسلت لهم ومنهم السيدة الأولى هيلاري كلينتون، وأن الشركة قامت بتغيير الإعلان بعد فترة. تركيز البعض على الفرد وتجاوز المنظومة التي يتحرك فيها لا يختلف عن حديث المواطن الصالح الخاضع، الذي يمارس حقه في أن تكون لديه وجهة نظر، بدون حق التعبير عنها. عندما تهمش الصورة الكلية تصل إلى خطاب يؤيد سلطة القمع التي ترى أنها غير مسؤولة عن المعاناة، وغير مسؤولة عن القهر وانعكاساته، وتتعامل مع الفرد بوصفه حالة منفردة في مواجهة الحياة، ومصدرا لتمويل البذخ، وربما في مواجهة اختبارات ربانية، كما يردد بعض المذيعين خلال رمضان لترويج خطب شد الحزام، أما الخطابات إن أرسلت، ربما يكون السؤال بعدها على طريقة الشاعر أحمد مطر، «أين صاحبي حسن؟».
قد يرى البعض أن الحدث غير مهم، ولكن الحقيقة أن جوهر المشكلة أشد عمقا لأنه يرتبط برؤية الفرد لقيمته الإنسانية الذاتية، وأهمية وجود مؤسسات، ووجود منظمة محاسبة، والتمتع بوجود قنوات وفرص للتعبير عن الرأي والنقاش. جوهر لا يختلف عن التوقف أمام تصريحات رئيس جمعية خيرية عن عدم وجود فقراء في مصر، بالمخالفة للحقيقة، ولا أشارته إلى تناقض موقفه مع موقف الرئيس، ببساطة لأن جزءا أساسيا من تسويق المعاناة في مصر قائم على «أننا فقرا قوي» بما يعنى أن نفي الفقر لا يفيد النظام. لهذا، ولأسباب أخرى، سارع المقربون من السلطة إلى إدانة دعوات مقاطعة الجمعية التي تجمع تبرعات لفقراء لا تعترف بوجودهم.
ولا يصب خطاب المقاطعة في مصلحة النظام، في ظل أهمية فكرة التبرعات كما الديون، إلى جانب الخوف من تصاعد تأثير السوشيال ميديا التي ظهرت واضحة في الضغط على عمرو خالد وكشف جزء من خطورة رسائل خلط الدين بالدعاية والسياسة والإعلان والتسويق من أجل المال والسلطة والوصول. فتح خطاب رئيس الجمعية الباب أمام تساؤلات شديدة الأهمية حول أموال التبرعات، وتعريف الجمعيات للفقراء، وكيف تصل المساعدات، ومخاطر غياب المكاشفة، وغيرها من أمور تثير مخاوف البعض، لأن النجاح في محاسبة جمعية، يفتح الباب لمحاسبة جمعيات ومؤسسات وسلطة تتحدث الأخبار عن تعرضها للسرقة من داخلها، وحبس شخصية كبيرة بعد تحويل أموال مخصصة لتنمية سيناء إلى حسابات سرية في الخارج.
يطرح المشهد أسئلة خطيرة عن كيف يملك فرد مهما كان مكانه أن يتصرف في أموال عامة بحرية تسمح بالتحويل للخارج، والوقوف في نقطة محاولة التفاوض على إرجاع ما يمكن. يظهر بوضوح مخاطر غياب الشفافية والمؤسسات التي تحاسب وتعاقب لا تلك التي تترك المال العام في دائرة تصرف أفراد، والمعاقبة في غرف مغلقة حسب درجة الفساد. ولكن كل تلك الأمور يراد أن تظل في مساحات مغلقة، بعيدا عن تساؤلات السوشيال ميديا، وبعيدا عن المحاسبة الحقيقية.
يصل بنا عدم تقدير صورة الذات وتقدير الآخر بشكل مبالغ فيه إلى واقع يبدو أننا نقبل فيه بشكل ضمني على الأقل أن نتعرض للسرقة، وأن يحكمنا الفساد، وأن تمارس ضدنا الطبقية، لأننا ننظر إلى أنفسنا في المرآة ونحتقرها ولا نراها جديرة بالقيم الإنسانية الكبرى، ولا بدولة القانون، ولا نتصور أن الشعب حقا مصدر السلطات ونتصور أن الحاكم يملك في حين أنه موظف عام، يفترض أن يمارس دوره من أجل الشعب والدولة، ولا يتعامل مع الشعب والدولة على أنه صاحب منح ومنع.
يظهر تناقض التعامل بين ماغي وميغان الكثير عنا، والكثير عن كيف ندافع عن حقوقنا التي لا نراها حقوقا أصلا، وكيف تتعامل معنا السلطة وفقا لهذا وكأنها تملك وتتعطف وتمنح. تبدأ المشكلة في جزء منها من أنفسنا ونحن نرفض أن نرى صورنا العادية تحت الأضواء، ونجلس في مشهد كوميدي ساخر مثل «الكحيت» ننتقد وننمط، نرفض من يشبهنا ونرفع من يختلف عنا، نظلم أنفسنا ونعرضها للظلم عندما نقبل أننا اقل من الآخرين مع كل ما يترتب على هذا من نتائج ومخاطر، في اللحظة والمستقبل كما كانت في الماضي. 
كاتبة مصرية

نحن في مواجهة محمد صلاح والزفاف الملكي

عبير ياسين

- -

1 COMMENT

  1. *من الآخر ؛-
    *زواج الأمير هاري لا يهمني.
    *ما يهمني ظاهرة المبدع
    الموهوب(محمد صلاح)
    وفقه الله وزاد من نجاحه.
    سلام

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left