هاري وميغان: الحب في زمن العولمة!

توفيق رباحي

May 22, 2018

جرى عرس زواج الأمير هاري، حفيد ملكة بريطانيا، من الممثلة الأمريكية ميغان ماركل، كما خُطط له. وانتهى كما خُطط له أيضا، بلا منغصات، ووسط أجواء احتفالية ممتعة عاشتها السبت الماضي بلدة وينزر غرب لندن خصوصا وبريطانيا عموما.
مثل هذه المناسبات الملكية تنتظرها بريطانيا بفارغ الصبر، وتخطط لها بدقة. فهي مناسبة سياسية واجتماعية واقتصادية يُبدع كل طرف في المجتمع (الإعلام، الجمهور، التجار، مؤسسات الإدارة والحكم والجو الجميل أحيانا) في أداء دوره تجاهها إلى أن تنتهي لوحة جميلة. ومع الأمير هاري، السادس في خط ولاية التاج البريطاني، هي مناسبة ثقافية كذلك لأن الأمر ليس مجرد «زواج آخر» يضاف إلى القائمة.
بعيداً عن الاحتفال ومظاهره، العفوية والمتكلفة، ودوره الإيجابي في تحريك الدورة الاقتصادية من خلال انتعاش مبيعات الهدايا ونشاط المطاعم والبارات والمقاهي، زواج هاري من ميغان يستحق الوقوف عنده لأنه تميَّز عن زيجات بقية ذكور العائلة الملكية في بريطانيا. بدايةً هو زواج غير تقليدي في عائلة تُعرف بتمسكها الشديد بطقوسها وتقليديتها. هذا الزواج يحمل أيضا علامات التمرد على تقاليد ملكية ضاربة في الأعماق، لأن العريس، وفي تحدٍ لترسانة الممنوعات الجاهزة الصامدة منذ مئات السنين، اختار عروسا من خارج المجتمع الأرستقراطي البريطاني، وغير بريطانية الجنسية وغير «بيضاء» السحنة ومطلقة.
ليس من المبالغة القول إن هاري، بهذا الزواج، أثار حفيظة بعض أفراد عائلته، ومعهم بعض المنتسبين للمجتمع الأرستقراطي الذي يهمه الحفاظ على «نقاوة» عرق آل وينزر. بعضهم كتب بعد الخطوبة ـ ثم تراجع ـ أن ماركل «سَتُلوِّن» العائلة الملكية مثلما تلون قطرة القهوة كأس الحليب الناصع البياض. آخرون صمتوا بعد أن أيقنوا من أن قطار الزواج أقلع ولن يتوقف، وإدراكا منهم أن الواقع أقوى من أن يعيد عقارب الساعة إلى الوراء. «الإستبلشمنت» بأذرعها الإعلامية التزمت الصمت لأنها تعرف أن التعبير عن أيّ نوع من الانزعاج من هذا الزواج سيكون مخالفا لمجرى المياه، وغير متناسق مع مزاج الرأي العام الذي أحبَّ هذا الزواج وتفاعل معه. ناهيك عن أن مواكبة «هيستيريا» الحدث والتناغم معه يضمن الكثير من الأرباح المادية التي تدرها مبيعات المنتوج الإعلامي والإعلانات التجارية المرافقة، فلم يكن من الحكمة اختيار طريق آخر.
زواج الأمير هاري وميغان يجب أن يُنظر له كذلك كعلامة على تغييرات فرضت نفسها على الناس عبر العالم وتمس «مقدساتهم». لم يكن هذا الزواج ليحدث لولا قوة هذه التغييرات وصعوبة، بل استحالة مقاومتها، ثم تسللها إلى كل الناس في كل المستويات حتى مسّت إحدى أغنى العائلات في العالم وأكثرها قوة ونفوذاً وحصانة، آل وينزر.
هذا التغييرات هي ثمرة ما يسمى اختصاراً العولمة، بوجهيها القبيح والجميل. هي النتيجة الطبيعية لهذه الحركة الهائلة للبشر والأفكار في كل الاتجاهات رغم الحواجز والحواجب. هي أيضا علامة على أن لا أحد محصن أمامها فيصبح من غير المنطقي أن يدفع المستضعفون في الدول الفقيرة أو البعيدة وحدهم ضربية العولمة. ويصبح من غير الطبيعي أن «تودي» العولمة بطقوس وتقاليد الشعوب غير المحصنة دون غيرها، وتستبدلها بالمتشابهات في السلوكيات وطرق التدبير. كما يكون من غير السويّ أن يستفيد من إيجابيات العولمة الأغنياء والأقوياء، بينما يكون نصيب الآخرين الأذى والخسائر. التيار يجرف الكل، بمن في ذلك الأمير هاري. الفرق فقط في درجات التأثر إذا كنَّا سننظر لما يحدث على أنه سلبي وخطأ. بزواجهما هذا، يرسل هاري وميغان رسالة شديدة الإيجابية للبشرية. عقد قرانهما يوم السبت كان خطوة معبّرة في طريق إزالة الحواجز الفاصلة بين الناس.. الحواجز الحقيقية والوهمية. جلوس والدة ميغان، الداكنة البشرة، في الصفوف الأولى بالكنيسة، ولو وحيدة، وسط «البيض» من أبناء وأقارب الملكة إليزابيث الثانية كان لحظة فارقة في تاريخ العائلتين وفي علاقة السود بالبيض في المجتمع الغربي ككل. وقوف كاهن أسود يخطب في الحاضرين (بخفة دم وسط صمت جنائزي) عن المساواة والحب والأخوَّة، لحظة كانت إلى وقت قريب من ضروب الخيال.
بالنظر إلى التأثير الكبير لأفراد العائلة الملكية البريطانية في الرأي العام والبسطاء من الناس، لن يكون مستغربا إذا أفادت استطلاعات الرأي في المستقبل المنظور عن ارتفاع في نسبة الزواجات المختلطة. تلكم ستكون إحدى ثمار العولمة.
عامة الناس في بريطانيا يحبون النماذج ويثقون فيها. وحبهم للنماذج يجعلهم دائمي البحث عنها. والأمير هاري أحد هذه النماذج بعد أن اكتشفت وسائل الإعلام والمعلقون والمتابعون أنه ليس ذلك الشاب الأرعن الذي يصنع مانشيتاتهم المثيرة.
لكن ـ وهذا هو الأهم ـ لكي تكتمل الصورة وتصل الرسالة التي انطلقت السبت إلى الصميم، يجب أن ينجح هذا الزواج. ولكي ينجح يجب أن تتوفر الرعاية لقصة الحب الجميلة هذه. ويجب أن تتوفر له الحماية من سكاكين وسائل الإعلام القاتلة.

كاتب صحافي جزائري

هاري وميغان: الحب في زمن العولمة!

توفيق رباحي

- -

1 COMMENT

  1. كل المجتماعات تتطور الا……مجتماعتنا نحن…….و السبب معروف……. لاولى الالباب……

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left