نساء غزّة لبؤات على الحُدود

ينزعنَ السياج ويسحبنَه ويشعلن «الكاوشوك» ويصنعن سواتر الرمل ويهتفن بثورة..

حنان محمد

May 22, 2018

غزة ـ «القدس العربي» : لم تقبل السيدة سحر المقيّد -40 عامًا- من مخيم جباليا شمال قطاع غزّة أن يكون دورُها في مسيرات العودة التي انطلقت في ذكرى يوم الأرض 30/مايو وتستمر حتى اليوم مجرّد تجهيز الطعام وتنظيف المنزل أو الجلوس في الخيام قرب الحدود الشرقية، إنّما قرّرت الوقوف جنبًا لجنبٍ مع الرجال والشّباب، بل والتقّدم عليهم.
المقيد، طالبة ماجستير وأمّ لستة أطفالٍ أكبرهم في عمر (11) وأصغرهم (4) أعوام، تأتي إلى خيام العودة تمسك دفترها وتذاكر ما لخّصته في بيتِها، منتظرةً قدوم شباب «وحدة الكاوشوك» عبر «التوك توك»، وقد جمعوا إطارات السيارات لحرقها قرب السياج الشائك.
تروي لـ «القدس العربي»: «بمجرّد أن تصل إطارات الكاوشوك إلى منطقة الخيام نبدأ نحن النساء بنقلِها برفقة الشباب وننزل باتجاه الشرق حيث السياج الشائك الذي يفصل قطاع غزّة عن أراضينا المحتلة حيث يستقر جنود الاحتلال». وتصف: «نسكب البنزين عليها ونشعلها حتى تتضبّب السّماءُ بدخانِ الكاوشوك الأسود، ما يمنع الجنود والقنّاصة تحديدًا من رؤيتنا، ويبدأ الشباب بقصّ السّلك بالقطّاعات الكبيرة، ثم نبدأ بسحب السّلك، لا فرق بيننا أبدًا».
وتقول: «ما أعظم صوت كل المتواجدين حينها وهم يكبّرون بصوتٍ غليظٍ «الله أكبر»، فنزعُ السلك وسحبه يعني لنا الكثير نحن الغزّيون، إننا نمرّغ بذلك كرامة المحتلّ المدجّج بالسلاح، ونُهيِّئ أنفسَنا للتوغّل أكثر في أراضينا المحتلّة».
وتذكر المقيّد أنها لا تلاقي امتعاضًا من زوجِها الدكتور في الجامعة أو غيرِه من أهلِها لمشاركتِها، إنما تأييد ودعم بكل الأشكال، تعبّر:» كلّ عائلتي تأتي لتشارك في المسيرات، وتشجع بعضها الآخر، لأننا نؤمن بأن دماءنا ليست غالية على أرضنا ومقدّساتِنا التي يدنّسها الاحتلال والذي لا يفرق بين مسيرات سلمية أو غير ذلك».
هؤلاء النساء نقلنَ الرّمل وعبّأنَه بأيديهنّ في الأكياس لصناعة سواتر تحمي الشباب وكل المشاركين من عيون القنّاصة ورصاصه المتفجّر، ونقلنَ المياه من منطقة الخيام وأوصلنها إليهم حيث السياج الشائك، وطببنهم عندما ألقى الجنود قنابل الغاز بمواد بسيطة أحضرنها من بيوتهنّ كزجاجات الماء الممزوجة مع الخميرة، أو زجاجات «السبيرتو»، وفي مرّات كثيرة كُنّ الدّافع الأوّل لاستنهاض همم الشباب إذا تخاذلوا قليلًا وفق المقيّد.
تسرد: «حين نجد شعلة الثورة في قلوب الشباب قد انطفأت شيئًا، نبدأ بالهتاف بكلماتٍ ثوريّة وحينها يتحرّك الشباب وقد اشتعلوا حماسًا، فننطلق سويًا باتجاه السلك الأخطر، بل ونتقدّم عليهم أحيانًا».
وتؤكد المقيّد أنها وكل النساء معها مستمرات في رباطهنّ على الحدود ومداومات على الوقوف مع الرجال يوميًا، حتى وإن قتل الاحتلال ما قتل من أبناء الشعب.
والجامعية خولة محمود -34 عامًا- والأم لأربعة أولاد هي الأخرى تشارك الرجال بكل ما يقومون به بعد أن تطمئن على أولادها وتضعهم في ساحة الألعاب المخصصة بجوار خيام العودة، التي لم تسلم من قنابل الغاز.
خولة التي تلف وجهها بالكوفية الفلسطينية تارةً، وتارة أخرى بخمارٍ أسود، وثالثة تكشفه حتى لا يحفظ المحتلّ شخصيتها، تروي للقدس العربي أنها تعرّضت لموقف خطيرٍ جدًا حين كانت تسحب السياج الشائك برفقة الرجال والنساء بعد انتزاعه، حيث اشتبك بثوبِها والكلّ بجوارِها يسحبه بعنفٍ وقوة مكبّرين، دون يشعروا بها وبصوت صراخِها.
تصف: « تمزّق جسدي وسالت منه الدّماء غزيرةً، إلى أن انتشلني أحد الرجال بقوةٍ جبّارة من كتفيّ وانتزعني انتزاعًا من بين السياج الحاد كالمسامير، وتمّ تطبيبي بفضل الله، لأعود في الجمعة التالية أكثر حماسًا».
وتعبر:« أحب الاستشهاد في سبيل الله والوطن، لكنني أحب الحياة أكثر، إلا ان الحياة بذلٍّ لا ترضيني، وبالتالي فإنني أرى أن النضال واجب عليّ ما دمتُ ابنة فلسطين».
وتبين خولة أن صديقتها نسرين ورش آغا التي أصابها القناص الإسرائيلي في العمود الفقري وترقد اليوم في المستشفى، كانت أول من شجّعتها ونزعت من قلبِها الخوف، حين رأتها تخترق صفوف الرجال وتضع العلم الفلسطيني فوق السياج الفاصل.
أما فلسطين عزيز -29 عامًا- فتحمل على كتفيها حقيبتها الخاصة وقد وضعت فيها حبلًا غليظًا وسكينًا للقطع، ومصحفًا شريفًا ومقلاعًا ودفتر مذكرات.
تحكي لـ «القدس العربي» أن تلك المرحلة التي تواجه فيها الاحتلال هي من أشرف مراحل حياتِها وأكثرها فخرًا، وأن كل الخطورة التي تلاقيها عند السياج الحدودي لا تساوي شيئًا أمام قرار نقل السفارة الأمريكية للقدس وأمام النكبة التي حلّت وما زالت تحل بالشعب الفلسطيني.
ولذلك حرصت عزيز على تدوين كل ما يحصل معها على الحدود لشدة ما لتلك المرحلة من أهمية في حياتِها ـ وفق قولِها-. فالنساء في غزّة شقائق الرجال، لا يهبنَ الموتَ ولا الجنود ولا مدرّعاته، يقفن وقفته ويشاركنه الصفّ الأول، فالهمّ واحدٌ والعمرُ واحدٌ ، ولا تحرير أو عودة بالتّخاذل والخنوع وفق قناعاتهنّ.

7akh

نساء غزّة لبؤات على الحُدود
ينزعنَ السياج ويسحبنَه ويشعلن «الكاوشوك» ويصنعن سواتر الرمل ويهتفن بثورة..
حنان محمد
- -

1 COMMENT

  1. نساء غزة وصباياه أكثر رجولة من كل الجنرالات الأعراب..ومن كل العساكر الأعراب الذين تأويهم الثكنات العربية…ثكنات تأوي الحريم العسكري…وأرض غزة تحج اليها نساء وصبايا غزة لمواجهة عساكر الصهيونية……ادعو كل عساكر ولواءات الثكنات العسكرية العربية الى اخفاء وجوههم بالنقاب حتى لايتحرش بهن أحد….

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left