متسولو أنطاكيا التركية فارون من العدالة وجسر «الحديقة الأبيض» يروي الحكاية

فوز لبكي في «كان» سلط الضوء على معاناة الأطفال السوريين

May 22, 2018

أنطاكيا – «القدس العربي»: سلط فوز فيلم المخرجة اللبنانية نادين لبكي بجائزة التحكيم في مهرجان كان الدولي، واصطحابها للطفل السوري النازح من درعا زين الرفاعي إلى المهرجان، الضوء على معاناة آلاف الأطفال السوريين الذين يعملون في مهن تفقدهم براءتهم، كالتسول، وكما تنتشر هذه الظاهرة في البلدان التي تؤوي عدداً كبيراً من النازحين السوريين كلبنان، نجدها ايضاً حاضرة في البلد الذي يحوي أكبر عدد من اللاجئين السوريين في العالم، تركيا.
«جسر أنطاكيا الأبيض» الجسر المحدّب ذو اللون الأبيض، الممتد بين ضفتي نهر العاصي الذي يشطر مدينة أنطاكيا إلى قسمين، وينتهي إلى (الحديقة الكبيرة) كما يطلق عليها السوريون، يعد من أبرز الأماكن التي يقصدها المتسولون وخاصة السوريين منهم، فهناك وعلى الأضواء الخافتة المزروعة في أرضيته، يتواجد ما بين أربعة أو خمسة أطفال بشكل شبه دائم على طوله، وكل منهم يجلس بانتظار ما يتلقاه من الناس من أموال أو أشياء أخرى كطعام او لباس أو غيره.
تختلف درجة التسول وانتشاره في تركيا بين محافظة وأخرى، وذلك يرتبط بعوامل عدة أهمها (التواجد الأمني) الذي ضيّق الخناق على المتسولين وجعلهم (فارين من العدالة)، فلقاء متسول بعنصر من الشرطة أو البلدية (الزابطة) يعني أن المتسول سيكون أمام مشاكل لا نهاية لها، وستكون العاقبة سجناً ليومين أو ثلاثة مع تعهد بعدم التسول، وهذا التصرف يكون بالنسبة للمتسولين (الأتراك)، أما إن كان سورياً فالوضع مختلف، وستكون عاقبة المتسول (الترحيل إلى المخيم على أقل تقدير) وهذا ما دفع المتسولين السوريين لاتباع أساليب تنجيهم من الملاحقة الأمنية وتضمن لهم في الوقت ذاته دوام ما يقومون به.
في الآونة الأخيرة وفي ظل الملاحقة الأمنية للمتسولين، أصبح الأطفال يبيعون أشياء قليلة الثمن وتستخدم في الغالب للتمويه (علب محارم صغيرة – علكة – ملاقط للشعر)، حيث يجلس الطفل على الأرض ويضع أمامه قطعة واحدة مما يبيع ثم يطرق رأسه أرضاً ثم يقوم المارة بوضع نقود أمامه دون أن ينظر إلى الشخص الذي يضع فوق علبة المحارم الصغيرة (ليرة تركية أو نصف ليرة أحياناً).
«محمد الحلبي» طفل سوري في التاسعة أجبرته ظروف الحرب والمعيشة القاسية في بلد لجوئه للتسول بعد أن فقد والده بصاروخ روسي فترة الحصار في مدينة حلب ووجد نفسه مجبراً على إعالة أسرته، المكونة من أمه وإخوته الثلاثة الذين يصغرونه ببضعة أعوام، قال في حديث لـ «القدس العربي»، «منذ ثلاث سنوات وأنا على هذه الحال، قدمت إلى أنطاكيا مع أمي وإخوتي واستأجرنا غرفة واحدة في منطقة الجبل وبالكاد ندفع أجرها الشهري البالغ 250 ليرة تركية»، مشيراً إلى أن شقيقيه البالغين من العمر 6 سنوات و 7 سنوات يعملان في جمع النايلون وبيعه.
يضيف «محمد» في سياق حديثه حول عمل إخوته في (مهنة) ولجوئه للتسول: «إخوتي صغار ولا يعرفون التعامل مع الشرطة، في بعض الأحيان نعمل أمام أعين عناصر الشرطة وهذا نادر جداً ولا يحدث إلا في بعض أيام العطل، كيوم الاحد أو الأعياد الرسمية، أما باقي الأيام فنحن معرضون للملاحقة بمجرد مصادفتنا لأية دورية، أجيد الهروب وأعلم الأماكن التي لا يزورها عناصر الشرطة كثيراً والأوقات التي من الممكن أن يتواجدوا فيها، إضافة إلى أنني أعرف معظم من هم مثلي هنا، وهذا بحد ذاته يعتبر مهارة لا يملكها الكثيرون وخاصة بالنسبة لتواجدي بين متسولين أتراك غالبيتهم (قرباط) ويكرهون وجودنا في أي مكان»
وتشاطر نسبة لا بأس بها من النساء، الأطفال في عملية التسول، حيث من الممكن مشاهدة امرأتين أو ثلاثة في كل شارع مزدحم، يقمن بالتسول وغالبيتهن يرتدين الخمار، في الآونة الأخيرة انتشرت ظاهرة (التسول باسم السوريين)، حيث عمدت بعض التركيات اللاتي يجدن العربية للتسول تحت اسم السوريين، إلا أنهن وفي كل مرة يتم كشفهن من قبل السوريين أنفسهم وذلك من خلال اللهجة التي تميز (الأتراك العرب) عن السوريين والتي في الغالب ما تكون لهجتهن قريبة للهجة العربية التي يتحدث بها سكان (الريحانية وألتينوز).
على بعد 200 كيلومتر عن أنطاكيا وبالتحديد في مدينة غازي عنتاب التركية، شروط التسول مختلفة ولا يحتاج إلى كل هذا العناء، ففي عنتاب ينتشر الأطفال بأريحية وفق ما صرحت به الناشطة الميدانية «علا سليمان» لـ»القدس العربي»، هناك لا ملاحقات أمنية مستمرة وهذا يعود حسب «سليمان» لـ(الاعتياد) والتراخي مع الأطفال والنساء في هذا المجال.
أما الناشطة الحقوقية المقيمة في اسطنبول «جوري مالكجان»، فقد أكدت أن المتسولين في الشوارع لا يواجهون أية عمليات اعتقال أو ملاحقة إلا في الفترة الأخيرة بعد أن قامت السلطات بحملة أمنية كبيرة تم خلالها ترحيل العشرات ممن لا يحملون قيوداً او إقامة في إسطنبول.
الموقع الحدودي الذي تتمتع به أنطاكيا هو ما يفسر وجود القبضة الأمنية الشديدة عليها، إضافة لوجود قوانين إضافية تخص المدينة غير موجودة في الولايات الأخرى كـ (الحواجز في الطرقات وتفييش كمليك السوريين) ولا سيما بعد عملية غصن الزيتون التي قادها الجيش التركي إلى جانب فصائل معارضة في عفرين السورية شمال حلب والتي كانت أنطاكيا مقراً لقيادة العمليات العسكرية هناك.

متسولو أنطاكيا التركية فارون من العدالة وجسر «الحديقة الأبيض» يروي الحكاية
فوز لبكي في «كان» سلط الضوء على معاناة الأطفال السوريين
- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left