مركز ابن المقفع للتنمية البشرية!

بلال فضل

May 22, 2018

هذه المرة، لم يكن عبد الله بن المقفع في حاجة إلى التواري خلف الحيوانات، لكي يوصل رسائله إلى قارئه، مثلما فعل في رائعته «كليلة ودمنة»، التي تظل إبداعه الأجمل، سواء كانت من بنات أفكاره الأصيلة، أو كانت من اقتباسه وترجمته عن تراث أجداده من أهل فارس.
يستهل ابن المقفع رسالته الصغيرة «الدرّة اليتيمة» بتحذير قارئه إن كان طالباً للأدب من التماس رضا جميع الناس، لأن في ذلك التماسا لما لا يُدرك، وحُلم لن يتحقق باتفاق رأي كل المختلفين، ولكي يكون أكثر تحديداً، فهو ينصحه بألا يطلب رضا من رضاه الجور والظلم، وموافقة من موافقته الضلالة والجهالة، وأن يكتفي بالتماس رضا الأخيار وذوي العقل، لأنه إن أصاب ذلك، سقطت عنه مؤونة وعبء ما سواه.
ولكي لا تكون تلك النصيحة «تنظيرة» غير مستندة إلى المنطق، يفسرها ابن المقفع أكثر بقوله: «إعلم أن رأيك لا يتسع لكل شيء ففرِّغه للمهم، وأن مالك لا يغني الناس كلهم فاختص به ذوي الحقوق، وأن كرامتك لا تطيق العامة فتوِّج بها أهل الفضائل، وأن ليلك ونهارك لا يستوعبان حاجاتك، وإن دأبتَ فيهما، وأنه ليس لك إلى أدائها سبيلٌ، مع حاجة جسدك إلى نصيبه منهما فأحسن قسمتهما بين دِعَتك ـ أي راحتك ـ وعملك. واعلم أنك ما شُغِلت من رأيك بغير المهم أزرى بالمهم، وما صرفت من مالك بالباطل، فَقَدتهُ حين تريدهُ للحق، وما عدلت به من كرامتك إلى أهل النقص أضرّ بك في العجز عن أهل الفضل، وما شغلت من ليلك ونهارك في غير الحاجة أزرى بك في الحاجة».
في موضع آخر من درته اليتيمة يوجه ابن المقفع من موقع الخبير نصائحه إلى المثقف الذي يرغب في صحبة السلطان، قائلاً «إن ابتُليت بصحبة والٍ لا يريد صلاح رعية، فاعلم أنك قد خُيرت بين خلّتين ليس بينهما خيار: إما ميلك مع الوالي على الرعية، وهذا هلاك الدين، وإما الميل مع الوالي على الرعية، وهذا هلاك الدنيا، ولا حيلة لك إلا بالموت أو الهرب». لكنه في الوقت ذاته يحذر من يتصور إمكانية التخلص بسهولة من صحبة سلطان «علقت حبائله بحبله»، وينصحه بالمحافظة على تلك الصحبة إلى أن يجد إلى الفراق الجميل سبيلاً، وألا ينافس وزراء السلطان ودخلاءه، وألا يبادر صاحب السلطة بالإجابة إن سأل غيره، وأن يحرص على التبصر في الاخلاق التي يحبها من الوالي والتي يكرهها، «على ألا يكابره بالتحويل له عما يحب ويكره إلى ما تحب وتكره، فإن هذه رياضة صعبة تحمل على التنائي والقِلى».
في ما يخص اختيار الأصدقاء والخلّان، ينصحك ابن المقفع إذا بحثت عمن تؤاخيه أو تصادقه: «أن تختار من أخوة الدين من يكون فقيهاً ليس بمراءٍ ولا حريص، ومن أخوة الدنيا من يكون حراً، ليس بجاهل ولا كذاب ولا شرير ولا مشنوع، فإن الجاهل أهلٌ لأن يهرب منه أبواه، والكذاب لا يكون أخاً صادقاً لأن ما جرى على لسانه من كذب، إنما هو من فضول كذب قلبه، والشرير يكسبك العدو ولا حاجة لك في صداقة تجلب العداوة، والمشنوع شانع صاحبه»، كما يوصيك أن تحفظ قول الحكيم الذي قال: «لتكن غايتك في ما بينك وبين عدوك العدل، وفي ما بينك وبين صديقك الرضا، وذلك أن العدو خصم تضربه بالحجة وتغلبه بالحكام، وأن الصديق ليس بينك وبينه قاضٍ فإنما حكمه رضاه». وإن حدث ورأيت صاحباً لك بصحبة عدوك، فإياك أن تغضب من ذلك، لأن ذلك الصاحب أحد رجلين: «إن كان رجلا من إخوان الثقة فأنفع مواطنه لك أقربها من عدوك لشر يكفيه عنك وعورة يسترها منك وغائبة يطّلع عليها لك، فأما صديقك فما أغناه أن يحضره ذو ثقتك، وإن كان رجلا من غير خاصة إخوانك فبأي حق تقطعه عن الناس، وتُكلِّفه أن لا يصاحب ولا يجالس إلا من تهوى». أما حين تجالس أنت الناس، فإياك أن تجالس امرءاً بغير طريقته، «فإنك إن أردت لقاء الجاهل بالعلم والجافي بالفقه والعَيّ بالبيان، لم تزد على أن تضيع عقلك وتؤذي جليسك، بحملك عليه ثِقل ما لا يعرف، وغمك إياه بمثل ما يغتم به الرجل الفصيح من مخاطبة الأعجمي الذي لا يفقه».
تبدو بعض النصائح التي يقدمها ابن المقفع لقارئه عابرة للأزمنة والأجيال، ومن بينها مثلاً قوله لقارئه: «تحرّز من سكر السلطة وسكر العلم وسكر المنزلة وسكر الشباب، واحترس من سَورة الغضب وسَورة الحمية وسَورة الحقد وسَورة الجهل، واعلم أن التفاضل بين الناس في مغالبة طبائع السوء، وحبِّب إلى نفسك العلم حتى تألفه وتلزمه ويكون هو لهوك ولذتك وسلوتك وبُلغتك. وليكن ما تقابل به الحسد أن تعلم أن خير ما تكون حين تكون مع من هو خيرٌ منك، ومن أقوى القوة على عدوك وأعز أنصارك في الغلبة أن تحصي على نفسك العيوب والعورات كلما أحصيتها على عدوك وتنظر عند كل عيب تراه أو تسمعه لأحد من الناس هل قارفت مثله أو مُشاكله، واعلم أن المستشار ليس بكفيل والرأي ليس بمضمون، بل الرأي كله غَرَرٌ، لأن أمور الدنيا ليس شيء منها بثقة، ولأنه ليس شيء من أمرها يدركه الحازم إلا وقد يدركه العاجز، بل ربما أعيا الحَزَمةَ ما أمكن العجزة».
للأسف، لم يتذكر ابن المقفع نصيحته لمثقف زمانه بأن «أصل الأمر في الكلام أن تسلم من السَّقَط بالتحفظ، ثم إن قدرت على بارع الصواب فهو أفضل». كان الخليل بن أحمد الفراهيدي قد قال مرة إن علم ابن المقفع كان أكثر من عقله، في حين قال ابن المقفع أن عقل الخليل أكثر من علمه، ولم يكن الخليل يدري أن تشخيصه سيكون أدق، لأن ابن المقفع الذي عمل كاتباً لدى الأمير عيسى بن علي، تمادى إرضاء لأميره في السخرية العابثة من سفيان ابن معاوية والي البصرة، فكان لا يسميه إلا بابن المُغتلمة نيلاً من أمه، وكان إذا دخل عليه قال له: السلام عليكما، سخرية من أنف سفيان الكبير، وحين تبدّلت تصاريف الأيام، وتمكن الأمير سفيان من ابن المقفع برضا الخليفة المنصور، قال له: أتذكر ما كنت تقول في أمي؟ فقال مستعطفاً: أنشدك الله أيها الأمير في نفسي؟ فقال: أمي مغتَلمةٌ إن لم أقتلك قتلةً لم يُقتل بها أحد، وأمر بإشعال تنّور، ثم أمر بقطع أطراف ابن المقفع، وأخذ يلقيها في التنور وهو ينظر إليها وهي تسبقه إلى الموت، ثم أطبق التنور على ما تبقى من جسده، ولكي يعطي الأمير لتلك القتلة البشعة ـ التي روتها عدة مصادر ورأى البعض أن بها بعض المبالغة ـ تخريجة دينية، قال مخاطباً جثمان ابن المقفع: «ليس عليّ في المُثلة بك حرج، لأنك زنديق وقد أفسدت الناس»، لكن ما كتبه ابن المقفع لم يحترق معه، لتبقى أعماله درراً في تاج الأدب العربي، بينما لم يبق من ذكر قاتله سوى تشنيع ابن المقفع عليه وتوثيق جريمته البشعة، وهو أمر لا أظنه كان سيخفف آلام ابن المقفع الرهيبة بجوار ذلك التنور اللعين.

«الدرة اليتيمة» عبد الله بن المقفع ـ شرح وتقديم: أحمد رفعت البدراوي ـ دار النجاح

٭ كاتب مصري

مركز ابن المقفع للتنمية البشرية!

بلال فضل

- -

5 تعليقات

  1. ” وحين تبدّلت تصاريف الأيام، وتمكن الأمير سفيان من ابن المقفع برضا الخليفة المنصور………. ”
    هذا هو …السلف……!

  2. ثقافة القتل.الصوفي الكبير الحلاج ايضاَ فارسي كانت نهايته الاعدام.وشهاب الدين السهروردي شيخ الاشراق ايضاً فارسي نال لقب الاشراق لكثرة علمه و معرفته وحكمته حكم عليه صلاح الدين الايوبي في مدينة حلب بالا عدام بتهمة الزندقة.الصوفي الحلاج كان صادق و اختلطت عليه الامور الروحانية في حالته النفسية والعقلية و لو كان الحلاج موجود في هذا الزمان اطباء النفسيين كانو سيساعدونه و يفهمون حالته و مشكلته و كانو سيعالجونه بدل القتل.

  3. يوجد خطأ مطبعي بسيط في تكرار كلمة ميلك مع الوالي مع الرعية

  4. نهاية محزنة لهذا الاديب العملاق و قد حدثت نفس النهاية لغيره في الشرق و الغرب من اول ارسطو الى جاليليو و ابن رشد الى سيد قطب و جمال حمدان و…و… و لا استطيع ان افهم سر ذلك الا انها صراع الاضداد بين الفكر و الجهل

  5. طبقا لما اشترطه، أو نصح به المقفع، فى ايجاد الأصدقاء، فالنتيجه أن يعيش الانسان وحيدا
    و هذا ما يوافق عليه أيضا الخواجه شوبنهاور
    أما فيما ذكره لما يلتزم به مع الأعداء فقد كان شوبنهاور ليشكر له اسكندرانى
    مع أنه، أى شوبنهاور، عاش فى ألمانيا.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left