ضرورة الحوار المغربي الجزائري

حسن اوريد

May 23, 2018

المتتبع لشأن العلاقات المغربية الجزائرية يلحظ أنها دخلت منعطفا خطيرا، وأن حدة التوتر ازدادت. ما طبع العلاقات الثنائية على مر أربعين سنة ونيف هو حالة اللاحرب واللاسلم، وتوتر متحكم فيه، مع فترات توتر قصوى، كما في الاشتباكات التي حدثت في أمغالا 1 وأمغالا 2 سنتي 1975 و1976، أو فترات انفراج بدءا من 1988، مع استئناف العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، إلى غاية 1992، مع اغتيال المرحوم محمد بوضياف، ثم مع فرض التأشيرة من قِبل المغرب على المواطنين الجزائريين (ما يشكل خرقا لاتفاقية مراكش المحدثة للاتحاد المغاربي) وإغلاق الحدود البرية من قِبل السلطات الجزائرية في أغسطس 1994، إلى حدود الساعة.
التوتر القائم والمستمر لم يستفحل ليفضي إلى مواجهة، وظلت العقيدة العسكرية للبلدين هي شجب المواجهة العسكرية. لكن هذه العقيدة لم تُلغ سباق التسلح، ولا المواجهة الدبلوماسية، ولا حتى أعمال استفزاز دبلوماسي وإعلامي وأمني، وخروج عن أصول اللياقة الدبلوماسية وحسن الجوار، لبلدين تربط بينهم وشائج تاريخية واجتماعية وإنسانية عميقة. لم نعد في المعطى أو البارديغم ذاته، أي حالة اللاحرب واللاسلم مع توتر متحكم فيه، تشوبه فترات توتر قصوى ما تلبث أن تنجلي.
حدة التصريحات وتواترها في سياق دولي خطير، تطبعه قيام أحلاف ومحاور، وعودة الحرب الباردة، يجعل اللاممكن ممكنا، أو على الأصح قابلا للتحقق. ولكن اللاممكن أو الممكن، ليسا حتمية. الأسوأ ليس قدرا. الشعوب ترسم تاريخها وتحدد مآلها، وليست كراكيز أو أدوات تتحكم فيها الحتمية التاريخية. يشير المفكر الفرنسي ريمون أرون في كتابه «أبعاد الوعي التاريخي» في دراسته لحرب البلوبونيز في التاريخ القديم بين أثينا وسبارطة، معتمدا على مؤرخ تلك الحرب، تيسيديد، أنها لم تكن تندرج في منطق الأشياء، ولم يُرد بها أحد، مع ذلك اندلعت، ويعقد أرون المقارنة مع الحرب العالمية الأولى التي لم يُردها أحد، ونشبت جراء حدث عارض، ولكنه كان بمثابة الشرارة التي أورثت النار في سياق قابل للاشتعال. والنتيجة التي خلُص إليها المفكر الفرنسي في الحالتين، هي انتهاء دور دولة المدينة، وأفول الحضارة اليونانية، وإرهاص بزوغ الإسكندر الذي كان مشدودا نحو الشرق، وهي كذلك نهاية الدولة الأمة وانتقال مركز الحضارة من أوروبا إلى الولايات المتحدة، وبزوغ الاتحاد السوفييتي. بتعبير آخر كانت الحالتان عملية اندحار بل انتحار.
تظل بلاد المغرب (بالمعني العام للمغرب)، أو شمال إفريقيا، رغم التوتر الذي تعرفه، والاضطرابات التي تكتنفها، منطقة واعدة. تظل الإطار الوحيد المؤهل لقيام تكتل يوازي القطبين الإقليميين تركيا وإيران، ويرسي نوعا من التوازن، بل يعتبر هذه الإطار ضرورة استراتيجية لفائدة العالم العربي بأكمله. هي عمقه الاستراتيجي ودرعه الواقي أمام العواصف الهوجاء التي تهب عليه وتمزق أوصاله. ولا يغيب عن ذهن المتتبعين ما كانت كتبه مجلة «إيكونومسيت» البريطانية قبل أقل من سنة، أنْ لو نجح الاتحاد المغاربي لكان أقوى اقتصاد في المنطقة، يضاهي تركيا، التي انتقلت في غضون عشرين سنة من اقتصاد متأخر إلى اقتصاد ناهض.
لا يمكن العودة بعقارب التاريخ إلى الوراء، ولكن يمكن الاستفادة من عِبَر التاريخ. التوتر القائم رغم حدته لا يحجب الوعي بالمصير المشترك، وعمق الوشائج التاريخية والثقافية والاجتماعية والإنسانية بين المغرب والجزائر، والبلاد المغاربية عموما. يستند هذا الوعي إلى ذاكرة مشتركة، ورموز موحدة ووعي بالمصلحة المشتركة. هذا الوعي طبعا لا ينفي وجود عناصر اختلاف، ورؤى متضاربة، وجفاء رسّخ القطيعة بين الجيل الحالي، وتجاوز ذلك ليس مستحيلا.
منطق الأشياء أن يتم الحوار بين مسؤولي البلدين، المغرب والجزائر، ولكن هذا الحوار لم يفض لشيء حين قام، ولا شيء يشي بأنه سينتهي لنتيجة. فما المانع أن يتم حوار غير رسمي بين فعاليات تتمتع بالوعي التاريخي والمسؤولية والجرأة والاستقلالية؟
لا يتم الحوار أصلا بين متحاورين يشاطرون الرؤى نفسها، بل مع من يختلفون في الرؤى والمقاربات، يعون الأخطار المحدقة، ويرتبطون بالاحترام وقابلية الإصغاء. والحوار لن يؤتي أكله في لقاء، الحوار ليس إعلان نوايا أو فرقعة إعلامية.
إن نجاح الحوار، بل إمكانيته، لا يمكن أن يتم إلا من خلال ما أسماه الرئيس التونسي السابق السيد منصف المرزوقي بتغيير الباراديغم. لا يمكن حل المشاكل القائمة في ظل الباراديغمايت الحالية. النجاح لا يمكن أن يكون إلا عبر مسلسل، فلا يمكن لما أبرمته سنون من انعدام الثقة، نقضه في لحظة. إن الوعي بالمصير المشترك مع من أتيح لي الحديث إليهم من الإخوة الجزائريين في مناسبات عدة، وتتبعي لما يكتب وينشر، يجعل إمكانية الحوار ونجاحه ممكنين.
مما تحكيه كتب التراث أن أحد خلفاء بني أمية بعث نديمه أبا دلامة كي يحارب الأزارقة، وهم غلاة الخوارج، وأشدهم نزوعا للاقتتال. ولم يكن أبو دلامة رجل حرب، وكانت المواجهة بل المنازلة تعني النهاية، فتفتق ذهنه عن حيلة، إذ لما التقى الجمعان وبُعث بأبي دلامة لمواجه واحد من أشرس مقاتلي الأزارقة، بادره بالسؤال. يا هذا أتعرفني، قال لا. قال أتشهد عني شرا أكون اقترفته في حقك أو حق أهلك، قال لا. قال أتريد سوءا بمن يريد بك خيرا. قال لا. قال لا شك أنك جائع، قال، أي والله لم أنل طعاما منذ أمس. قال هل لك في طعام حضّرته ننال منه معا. ثم أخرج أبودلامة من مخلاته دجاجة، وتقدم كل واحد براحلته حتى يمكن أن يأكل من طعامهما المشترك. تحوّل ما أريد له أن يكون اقتتالا إلى توادد لأنه أتيح لـ»العدوين» أن يتحادثا ويعرفا بعضهما بعضا، ولذلك فالمعرفة مصدر التآخي، والحوار من أدوات المعرفة.
كاتب مغربي

ضرورة الحوار المغربي الجزائري

حسن اوريد

- -

6 تعليقات

  1. من حسن حظي أني ألتقي باستمرار إخوانا جزائريين وآخرين مغاربة. أتبادل معهم الكثير من الأفكار المغاربية. لدى غالبيتهم العظمى نفس الأفكار المغاربية، الداعية إلى تعاون شعوبنا ووحدتها … لكن السياسة تعكّر ذلك .. أرجو من السياسيين رحمةً بهذه الشعوب التواقة إلى التعاون ومزيد التقارب لما في ذلك من مصالح تخدم الشعوب، أرجو من السياسيين خدمة هذه الشعوب، وخدمة آرائها ومصالحها … وشكرا.

  2. نقول للكاتب : هذا الكلام يقال من دائما ولم يجد له طريقا للتطبيق… لأنه يعتمد على المقاربة العقلانية… بينما المشكل هو مشكل نفساني لا عقلاني…
    عندما نكتشف بأن هناك انحراف (تحريف الوقائع) ونرجسية (عظمة الأنا)، فكل المقاربات العقلانية لحلحلة الوضع مآلها الفشل…ويُنصح بالإبتعاد…إلا إن ظهرت في السلطة نخب جديدة شكلا وعقلا…
    .
    وللخاتمة نطرح فقط هذا السؤال :
    هل هناك نظام في العالم يتجرأ على غلق حدود كل هذه المدة ؟؟
    طبعا لا… رغم أن الحدود المفتوحة هي من مصلحة الجميع، وخصوصا الشعب الجزائري…
    .
    شكرا على مجهودك أيها الكاتب وأزيد هذه الملاحظة : بأن “الإنحراف النرجسي” تَصَرُّفٌ حُدّد مفهومُه بدقة في بداية التسعينات من طرف علم النفس… ومن ضحاياه الذي يستعمل منطق العقل والحوار ليفهمه…

  3. مقال جيد من الأستاذ حسن أوريد ولكني أجده طوباويا ويتجنب وضع النقاط على الحروف. المشكل بين المغرب والجزائر اسمه الصحراء المغربية والباقي مجرد تفاصيل. فأي حوار يتجاهل هذه النقطة أو القفز فوقها أو وضعها بين قوسين سيكون حوارا مغشوشا أو في أحسن الأحوال شبه حوار.

  4. الي Abdelaziz Ananou
    بالله عليك أي مصلحة للشعب الجزائري بفتح الحدود مع المغرب
    لاحظوا يامغاربة “فرض التأشيرة من قِبل المغرب على المواطنين الجزائريين” ياللعجب المغرب يفرض التأشيرة علي من علي الجزائريين
    أدن الجزائر تغلق الحدود البرية …….أنتهى

  5. قال الناطق السابق باسم القصر الملكي المغربي حسين أوريد بوجود بنية موازية للدولة المغربية شبيهة بالمافيا نجحت في اختراق الدولة نفسها.
    وفي كتابه الجديد “المغرب في حاجة الى ثورة ثقافية” نقلته منابر مغربية، يؤكد “لقد عرفت بلادنا (المغرب) في بداية العشرية الأولى من القرن الحالي، «ممارسات أقرب ما تكون إلى أساليب المافيا، برزت من خلال أشخاص لهم سوابق في الاتجار بالمخدرات، وظفوا عناصر قريبة لهم، وسعوا إلى التغلغل في بنية الدولة من خلال شراء الذمم، ونفذوا إلى الجسم السياسي، واستطاعوا الاقتراب من مركز القرار”، ولم يذكر الدكتور اوريد أسماء هؤلاء، ولكن بعض وسائل التواصل الاجتماعي المغربية تداولت بعضها.
    وكان سياسيون مغاربة يتبادلون تهم المخدرات، واتهم رئيس الحكومة السابق عبد الإله ابن كيران بعض منافسيه بتجارة المخدرات وتوظيف أموال مشبوهة في المعترك السياسي لشراء الذمم.
    ويتصدر المغرب دول العالم في إنتاج القنب الهندي، وجاء في تقارير غربية ومنها أمريكية بأن المخدرات من ركاز الاقتصاد المغربي. وتشتكي دول الجوار ومنها الجزائر من تسامح المغرب مع تصدير المخدرات الى دول المنطقة.

  6. جوابا على بعض التعليقات.
    .
    إذا كانت الجزائر تصدر أقل من مليار دولار خارج البترول ومشتقاته، وتونس تصدر حوالي 10 ملايير دولار، ونحن نعرف أن تونس احتاجت إلى ستين سنة لتصل إلى هذا الرقم، فالسؤال هو كم تحتاج الجزائر من وقت لتصل إلى هذا الرقم ؟؟ وكلنا يعرف شدة المنافسة بين دول لها باع في التصدير والمنافسة…وهل عشرة ملايين كافية لبلد بعدد السكان الذي نعرف…؟؟
    .
    عدد من الإقتصادييين الجزائريين من الذن لا نروهم على القنوات الجزائرية، متيقنون بأن لا حل للجزائر لكي يكون عندها اقتصاد مهيكل ومنافس إلا بالانفتاح على الباب المغربي ودخول التجربة المغربية والرأسمال المغربي والمقاولات بالرأسمال المشترك ليكون للجزائر مكان في المنافسة العالمية…
    .
    فلا الصين ولا ترقيعات تركيا ستُخرج الجزائر من الورطة التي وضعها فيها نظامها في مجال الإقتصاد… أما أزمة المؤسسات فهي واضحة وضوح النهار… ولا ثقة في بلد بدون مؤسسات قائمة فعلا، لا كلاما وشعارات…
    .
    فهمتم الآن لماذا في صالح الشعب الجزائري أن يكون هناك تواصل وتفتح… وكيفما كان الحال فالشعبان شعب واحد…

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left