التاريخ لعصرنا: مفارقات الحضارة الأثينية

د. مدى الفاتح

May 23, 2018

في تقسيماته التاريخية بحسب أنماط الإنتاج كان كارل ماركس يرى في الحضارة اليونانية القديمة مثالاً للمرحلة التاريخية التي أطلق عليها اسم «المجتمع العبودي». أي المجتمع القائم على عمل وإنتاج العبيد، الذي يتفرغ فيه معظم الأحرار للترفيه وتضييع الوقت، في حين يتكفل العبيد بكل أعمال الإنتاج من حرف وصناعة وزراعة وغيرها.
كان العمل في ذلك الوقت شأناً خاصة بالعبيد، أما عائد هذه الأعمال وذلك الإنتاج فلم يكن للعبيد نصيب فيه، حيث كان قدرهم أن يعملوا بشكل متواصل بلا أجر ولا شكر. بمقاييس اليوم تميز ذلك المجتمع بأنه كان لاإنسانياً وقليل الإنتاج. تحول أعداد كبيرة من البشر إلى أسباب إنتاج وليس إلى عمال منتجين، ساهم في أن تعمل هذه الأعداد من البشر بطاقة وحماس أقل، ما أدى بالنتيجة إلى تناقص في كم وجودة الإنتاج.
يحلو لبعض منظري التنمية البشرية أن يطلقوا على الوظيفة اسم عبودية القرن العشرين، مستندين إلى ما فيها من تحكم بالموظف الذي يتحول إلى ترس ضمن تروس كثيرة، والذي يتم التحكم به من خلال تنظيم حياته وخلق ارتباط لا ينفصم بينه وبين وظيفته، بحيث تدور حياته حولها، وبحيث لا يستطيع حتى التفكير في الفكاك منها. في الواقع فإن هذا التشبيه القاسي قد يكون واقعياً، وذلك يعود في حقيقة الأمر إلى ما تمثله الوظيفة بالنسبة لنا، فإذا كانت مبنية على أساس تحويل الموظفين إلى مجرد تروس وأرقام، ليس عليها سوى أن تقوم بما هي مكلفة به بلا تفكير، ففي هذه الحال يبدو الأمر أقرب للشكل الأثيني العبودي، الذي كانت أهم خصائصه هي الافتقار إلى الإبداع. أما إذا كان العمل أقرب لروح الشراكة التي يرى فيها كل عامل أو موظف أنه جزء من رؤية كبيرة وأنه، مهما كان حجم دوره، يشكل لبنة مهمة في مجال العمل فإن الأمر يختلف، وهنا يبذل ذلك الموظف، أو بالأحرى، ذلك «الشريك»، كل طاقته في سبيل تقديم أفضل ما عنده، ولا يعود يتهرب من العمل، أو يحاول أن يضيع وقته وساعاته لأنه يدرك أنه سيكون له نصيب من وفرة الإنتاج أو نجاح المؤسسة. هذه المعادلة البسيطة تم تطبيقها في أكثر من مكان، وكانت نتيجتها مبهرة، ليس فقط لناحية كثافة الانتاج وجودته، ولكن أيضاً لناحية الإبداع والابتكار، ففكرة الشراكة توفر كذلك أجواء إبداع حرة يساهم فيها الجميع.
مثل هذا المثال يمكن أن يتم توسيعه بصورة أكبر للقول إن العلاقة بين الشعب والحاكم تتبع السنة ذاتها، وهنا نجد الفرق في الهمة والإحساس بالمسؤولية والإبداع المجتمعي بين مثال الحاكم الذي يتعامل مع رعيته كشركاء له، وذلك الذي لا يرى فيهم إلا مجرد عبيد. هناك نقطة أخرى ميزت الواقع اليوناني القديم وهي ظاهرة الميل إلى الحروب التي كانت مرتبطة بجلب أعداد جديدة من العبيد، الذين هم وقود لعملية الإنتاج. هذا الميل أدى للتركيز على مجال الصناعات الحربية دون غيرها من الصناعات الأخرى، فكان أن تطورت آلات القتل بشكل متسارع في حين لم تتطور الصناعات الحضارية الأخرى إلا بشكل بطيء.
الأمر يبدو أشبه ببعض دول هذا العصر من التي رأت أنها، ولظرف أو لآخر، تحتاج لأن تحصل على آخر وأقوى المنتجات العسكرية، وأن تطور أبحاثاً في كل مناحي التسلح، بما فيها السلاح النووي، في الوقت الذي كانت تتجاهل فيه كل ما عدا ذلك من بنود. لكن هذا لم يكن الوجه الوحيد للحالة اليونانية، بل كان لها وجه آخر أكثر إشراقاً مرتبط بتطور الفلسفة وعلوم الكلام والرياضيات، وحتى الفنون بأنواعها المختلفة كالنحت والرسم والمسرح.
من المهم توضيح أننا معنيون بالمثال الأثيني هنا، لأن بلاد اليونان الموحدة لم تكن قد وجدت بعد، بل كنا ما نزال نعيش في عصر المدينة – الدولة، حيث توزعت في خريطة المكان مئات المدن التي تنظر لنفسها كجمهوريات، والتي تختلف في بعض الأحيان عن بعضها بعضا بشكل كبير في طريقة الحكم والإدارة. أثينا كانت المثال الأوضح والأشهر لحالة التناقض الحضاري، التي جاءت بدورها كنتيجة للانقسام المجتمعي الصارم بين طبقة عبيد واجبهم القيام بكل ما هو يدوي أو شاق، وطبقة أسياد متفرغة للتنظير والتثاقف والإبداع العقلي غير المادي، أي الذي لا ينتج عنه أي تطوير لأدوات الإنتاج.
كان بإمكان «علوم السادة» أن تكون أكثر فائدة للمجتمع اليوناني، ولكن الفصل التام بين عالمي السادة والعبيد، نتج عنه فصل صارم آخر بين المهن اليدوية والمهن الذهنية، جعل ذلك من الأخيرة محل احتقار لها ولجميع من يحاولون الاقتراب منها. أما المفارقة الأكبر فهي أن هذا الجو المشوّه واللاإنساني وهذه المدينة التي وصفها بعض المؤرخين بأنها كانت غارقة في القذارة، قدمت للعالم النظام الديمقراطي الذي يحظى بتقدير كبير حتى وقتنا الحاضر. كانت الديمقراطية الأثينية مختلفة بطبيعة الحال عما تعنيه الكلمة اليوم، حيث كان الناس يجتمعون في ساحة المدينة للتشاور المباشر وإبداء الرأي في الأمور العامة والقرارات العظيمة، باستثناء العبيد الذين لم يكونوا في الحسبان والنساء.
كثير من الناس يمتدحون حتى الآن الديمقراطية الأثينية كمرحلة وعي مبكر بحقوق وواجبات المواطنة. أن يكون إبداء الرأي والحصول على فرص متساوية للحديث والاستماع للآخرين مسموحاً به للجميع هو أمر جيد ولا شك، لكن علينا ألا ننسى أن هذه الحقوق المتساوية كانت خاصة بالأحرار فقط، وأن هؤلاء الأفراد الذين يحظون بوعي متقدم وثقافة راقية سرعان ما كانوا يتحولون إلى همج بلا إنسانية، حينما يتعلق الأمر بالآخر، سواء كان ذلك الآخر غريباً أو من طبقة العبيد. اللافت هو أن بعض دول الديمقراطية الحديثة اليوم تتميز بـ»الوعي المتناقض» ذاته، فهي تمارس أقصى درجات المشاركة الإنسانية وتساوي الحقوق حينما يتعلق الأمر بمواطني شعبها أو بالشركاء الآخرين في ذلك النادي الذي يطلق على نفسه، للمفارقة، اسم العالم الحر، في حين تنسى هذه الدول كل مبادئها حينما يتعلق الأمر بمواطني ودول العوالم الأخرى.
من يمعن النظر سيجد بلا شك وجوه شبه كثيرة بين المنطق الأثيني وعصرنا. أما الحديث عن ديمقراطية أثينا بإعجاب مطلق ففيه كثير من التضخيم، لأنها ببساطة لم تكن على ذلك القدر من المثالية. يكفي أن نذكر أن هذه الديمقراطية وفي عز توجهها قامت بإعدام فيلسوفها الأشهر سقراط، فقط لأنها لم تحتمل نقده وآراءه. نتفق مع من يرى أن الوقوف على التجربة اليونانية مهم، وأن هذه المرحلة تشكل بلا منازع حجر أساس الحضارة الغربية الحديثة، إلا أن الموضوعية تفرض في الوقت ذاته التحذير من التمادي في الإسقاط الذي يكون في كثير من الأحايين مضللاً ومدفوعاً برغبات إيديولوجية، كمثال من يقرأ الصراع والتنافس الذي كان محتدماً بين أثينا والإمبراطورية الفارسية، كصراع بين حكم استبداد بربري شرقي ونظام ديمقراطية وليدة غربي.
كاتب سوداني

التاريخ لعصرنا: مفارقات الحضارة الأثينية

د. مدى الفاتح

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left