العراق: استراحة بين الشوطين… بانتظار صافرة تشكيل الحكومة

صادق الطائي

May 23, 2018

انتهى الصراع الانتخابي العراقي، انتخابات تخللها تشنج واتهامات ومقاطعة أفرزت مشاركة ضعيفة، كل هذه الأمور باتت أمورا عادية ومتوقعة في الشأن العراقي. لكن في كل انتخابات العالم ينتهي الأمر بعد الانتهاء من الانتخاب وإعلان النتائج، بعد يوم، أو كحد أقصى يومين، ليعرف الناخب هل سيتم تشكيل الحكومة من الكتلة أو الحزب الذي صوت له، أم سيكون صوته قد صب في صالح المعارضة البرلمانية وحكومة الظل التي ستمارس دورها الرقابي على الحكومة، بالاضافة إلى دورها التشريعي في البرلمان. هذا حال بقية خلق الله، أما نحن في العراق فإن ديمقراطيتنا مازالت تسير في حقل الألغام منذ 15 عاما.
عندما تنتهي انتخاباتنا وتعلن النتائج بعد أن ينفد صبرنا ونحن نترقب، سنستمع لسيل الاتهامات بالتلاعب والتزوير، التي ستوجه إلى المفوضية العليا للانتخابات، ومعها يبدأ صراخ الكتل والاحزاب متهمة الأخر المجهول المسؤول عن المؤامرة التي دبرت ضدها ومنعتها من أن تنال حقها الذي حصلت عليه وفقا لمراقبيها في المراكز الانتخابية، وتطالب بإعادة العد والفرز، بل يتمادى البعض ويطالب باعادة الأنتخابات تحت وصاية أو اشراف الأمم المتحدة. وكأن الامم المتحدة متفرغة لشؤون العراق، وأنها طوع أمر احزابه السياسية المتصارعة مع بعضها بعضا طوال عمرها، علما بأن هنالك بعثة للامم المتحدة وممثلا للأمين العام في العراق، وتمت مراقبة الانتخابات من منظمات دولية ومحلية، وقد حصلت بعض الخروقات والتجاوزات القانونية في الانتخابات الأخيرة، وطالب ممثل الأمين العام للامم المتحدة في العراق المفوضية العليا للانتخابات بالنظر في الشكاوى المرفوعة، والبت بها بأسرع وقت.
انتخابات العراق أشبه بلعبة كرة القدم، الشوط الأول فيها هو صناديق الانتخاب، تتلوه استراحة بين الشوطين يتم فيها الانشغال بتكوين تحالفات جديدة غير التي اعلنت قبل الانتخابات، والتي انتخب على أساسها المواطن، لينطلق الشوط الثاني من المباراة مع الصافرة التي تعلن البدء في مشوار تشكيل الحكومة والاتفاق على الرئاسات الثلاث (رئيس الجمهورية الكردي ورئيس الوزراء الشيعي ورئيس البرلمان السني) القاعدة التي لم يشر لها الدستور لكنها بعد ثلاث دورات برلمانية أصبحت قاعدة اقوى من المواد الدستورية. في الدورة الانتخابية الأولى كان تشكيل الحكومة واضحا، وتكليف رئيس الجمهورية لرئيس الكتلة الاكبر لا يحتاج تدقيقا كبيرا، لكن المشكلة ابتدأت في انتخابات 2010 حين فازت قائمة «العراقية» برئاسة اياد علاوي بـ91 مقعدا، متفوقة على قائمة «دولة القانون» برئاسة نوري المالكي التي حصدت 89 مقعدا، لكن المالكي، التف على الامر ليشكل كتلة جديدة مع بقية الكتل الشيعية لتكوين كتلة عرفت بـ»الائتلاف الوطني الموحد» في البرلمان، ومع النظر في شكوى «العراقية» في المحكمة الاتحادية العليا، افتت المحكمة مفسرة الدستور بان الكتلة الاكبر لا علاقة لها بالقوائم الانتخابية، انما هي الكتل البرلمانية المتشكلة تحت قبة البرلمان، ومنذ ذلك التاريخ اصبح الفوز الانتخابي لا يعني الفوز الحقيقي، إنما هو أمر أشبه بالفريق الذي خرج من الشوط الاول متفوقا على خصمه بهدف، وقد يحدث في الشوط الثاني من المباراة ما يغير النتيجة، لذلك نحن الان ننتظر الشوط الثاني من مباراة انتخابات 2018.
اذن، كيف سيتم تشكيل الكتل تحت قبة البرلمان؟ يبدو حتى الان أن هنالك خطين واضحين، معيار التفريق بينهما قائم على مدى القرب أو البعد عن إيران، أو السعودية، أي ان الاستقطاب الاقليمي – الطائفي هو المعيار المميز الان لتشكيل الائتلافات، اذ نجد ان الكثير من الاخبار التي يتم تداولها والتي لم تتضح مصداقيتها بعد، تصف الدور الايراني عبر تحرك بعض القيادات الايرانية لعقد طاولة مستديرة، يتم فيها تجميع الكتل الشيعية لتكوين الكتلة الاكبر في البرلمان لتكلف بتشكيل الحكومة، وهذا التحرك ابتدأ بقائمة «الفتح» بقيادة العامري والمكونة اساسا من فصائل الحشد الشعبي، التي تعد الأقرب لإيران تتبعها قائمة «دولة القانون» بقيادة المالكي وبعض الكتل الصغيرة.
بينما نجد على الجانب الآخر، وفق هذه المسطرة، أن كتلة «سائرون» المكونة من ائتلاف صدري – شيوعي هي الأبعد عن ايران، وهي تحاول أن تلتقي مع قائمة «النصر» التي يقودها حيدر العبادي، والتي يمكن أن نصفها بأنها تقف في منتصف المسافة بين الاستقطابين الايراني والسعودي، يضاف إلى الائتلاف قائمة «تيار الحكمة» التي يقودها عمار الحكيم القريبة نوعا ما من إيران، وقد أشار عدد من المراقبين إلى تغريدات وتصريحات بعض القيادات السعودية، وأهمها تصريح وزير الدولة لشؤون الخليج بوزارة الخارجية السعودية ثامر السبهان بهذا الخصوص كمؤشر على قرب هذه الكتلة من المزاج السعودي.
يتبع هذه التقسيم التفاف وتمحور يوصف بالبراغماتية الساعية للحصول على مكان في الخلطة العراقية المقبلة، وهذا الأمر تقوم به كتل متوسطة الحجم مثل «الحزب الديمقراطي الكردستاني» بقيادة بارزاني و»الوطنية» بقيادة علاوي وقائمة «القرار العراقي» السنية، بالاضافة إلى بعض الكتل الصغيرة. اذن هل اتضح المشهد الان؟ ومن هو مرشح الكتل التي ذكرناها لتولي رئاسة الحكومة المقبلة؟ ما زال المشهد غائما ومضببا وغير واضح، اذ يرى الكثيرون في تولي السيد حيدر العبادي ولاية ثانية امرا متوقعا، سيتم الاتفاق عليه بين الكتل التي حصلت على النسب الاعلى في انتخابات مايو 2018، لكن كيف ينظر العبادي وكتلته للامر؟ هذا ما يمكن الاطلاع عليه في مقال كتبه العبادي مؤخرا في صحيفة «واشنطن بوست» ذكر فيه؛ «ستبذل حكومتي كل ما في وسعها لضمان أن تتم المرحلة الانتقالية إلى الحكومة المقبلة بطريقة مستقرة وشفافة؛ بحيث توفر الأساس لنظام قوي وديمقراطي قائم على حكم القانون. وقد دعوت إلى إجراء الحوار مع الائتلافات الأخرى لتشكيل حكومة مبنية على المعايير الآتية: أجندة قائمة على الإصلاح مبنية على السياسات الناجحة للحكومة الحالية، وتحقيق الازدهار الاقتصادي. والحفاظ على موقفنا الدبلوماسي غير المنحاز تجاه البلدان الأخرى، والمبني على أسس المصالح المتبادلة. وحماية مكاسبنا الأمنية وضمان عدم عودة الجماعات الإرهابية».
لكن المصيبة ان العبادي ذكر في مقاله؛ «أنا لن أفكر إطلاقاً في العمل مع من تلطخت أيديهم بالفساد، أو أولئك الذين يعرفون بالطائفية، ويجب أن يكون المرشحون لشغل الحقائب الوزارية من التكنوقراط، وعلى الحكومة الجديدة أن تمثل الشعب بنحو عابر للعرقية والمذهبية والطائفية». وبنظرة واحدة إلى قائمة العبادي الانتخابية سنكتشف انها مرتع لاخطبوطات الفساد، وأن الاحزاب والتيارات الطائفية هي عماد هذه القائمة، أما قضية التكنوقراط فقد اصبحت نكتة سمجة الكل يتحدث بها بدون وضوح القصد من وراء ذلك.
السيد مقتدى الصدر وقبل خوض الانتخابات ذكر احتمالية أن يكون علي دواي محافظ ميسان وهو من التيار الصدري، هو مرشحه لتولي رئاسة الحكومة، بينما تحدثت تسريبات عن امكانية طرح اسم السيد جعفر الصدر، ابن آية الله محمد باقر الصدر لتولي رئاسة الحكومة، بينما أكد «تيار الحكمة»، عدم طرحه أي ترشيح لمنصب رئاسة الحكومة، وانه لا يقف بالضد من اي اسم يطرح، مبينا انه يختلف مع العبادي في بعض الأمور. وقال القيادي في «تيار الحكمة» رياض عداي في تصريح صحافي؛ إن «تيار الحكمة ليس لديه أي مرشح لرئاسة الحكومة المقبلة الا ان التيار لديه شروط فيمن سيتولى منصب رئاسة الحكومة». وأضاف أنه «لا يوجد خط أحمر على أي مرشح يطرح لرئاسة الحكومة باستثناء رئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي، كونه اخذ استحقاقه بدورتين متتاليتين والحكمة مع التجديد».
بينما على الجانب الاخر نجد ان مرشح كتلة «الفتح» منذ بدء الانتخابات كان هادي العامري، وهذا ما صرح به الشيخ قيس الخزعلي زعيم عصائب اهل الحق المنضوية في ائتلاف الفتح، حيث ذكر الخزعلي خلال تصريحات صحافية أن زعيم منظمة بدر هادي العامري هو مرشح تحالف الفتح لتولي منصب رئاسة الوزراء. بينما مرشح «دولة القانون» هو نوري المالكي الذي يطمح بولاية ثالثة.
ويؤكد عدد من المطالبين بالتجديد بضرورة خروج منصب رئاسة الحكومة من يد حزب الدعوة، الذي شغل رئاسة الحكومة ثلاثة من قياديه على مدى 13 عاما سابقة، وبذلك يكون حظ العبادي قليلا في تولي ولاية ثانية، بينما يرى البعض العكس، وان ائتلاف الصدر مع العبادي سيكون محوره الاساس تولي العبادي ولاية ثانية، وحينها ستكون حصة الاسد للتيار الصدري الذي سيختار عناصر تكنوقراطية لتسنم الوزارات، وهذا ما يخيف الشارع العراقي الذي يتوقع ان يطول تشكيل الحكومة لعدة اشهر، ستنشغل فيها الطبقة السياسية بالشوط الثاني من المباراة لنصل إلى النتيجة ذاتها التي ستنتهي بتقاسم الوزارات وفق قواعد الحكومات السابقة، لندخل دوامة دورة جديدة مدتها اربع سنوات اخرى، فهل سنخرج من هذه الدوامة؟
كاتب عراقي

العراق: استراحة بين الشوطين… بانتظار صافرة تشكيل الحكومة

صادق الطائي

- -

1 COMMENT

  1. الوضع السياسي بالعراق لن يخرج عن ما يريده الولي الفقيه بطهران وبالتالي إنقلاب ميليشياوي على العملية الديموقراطية! ولا حول ولا قوة الا بالله

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left