طهران وأخطار التوسّع فوق الطاقة

جلبير الأشقر

May 23, 2018

قبل ثلاثين عاماً، صدر كتابٌ سميك للمؤرخ البريطاني ـ الأمريكي بول كيندي تصدّر قائمة المبيعات في حينه، وقد نُقل إلى العربية تحت عنوان «نشوء وسقوط القوى العظمى». وشأنه في ذلك شأن كافة الكتب غير الخيالية الأكثر مبيعاً عند صدورها، كان رواج كتاب كيندي عائداً لتناسبه مع «روح الزمن». في ذلك الزمن، كانت تسود في الغرب مخاوف من أن سياسة التصعيد الأقصى للنفقات العسكرية التي انتهجتها إدارة الرئيس الأمريكي الراحل رونالد ريغان سوف تؤدّي إلى خراب اقتصادي وتفاقم «أفول الإمبراطورية الأمريكية» الذي بلغ الحديث عنه ذروة في عهد الرئيس السابق جيمي كارتر.
وتكاد أطروحة الكتاب الرئيسية تكون بديهية: هي الفكرة القائلة إن المبالغة في التمدّد فوق الطاقة تؤدّي إلى الانهيار. بيد أن الوقائع دحضت تنبؤ الكاتب بالآثار السلبية لنفقات ريغان العسكرية، إذ أن الغاية من تلك النفقات كانت تحديداً تنشيط الاقتصاد الأمريكي من خلال الإنتاج والتكنولوجيا في الحقل العسكري (الذي بات ممزوجاً بالمدني في العصر الإلكتروني)، ودفع الاتحاد السوفييتي إلى الهاوية لعلم واشنطن أن اقتصاده كان في احتضار. وقد نجح رهان ريغان في الحالتين حيث عادت الولايات المتحدة إلى صدارة النموّ الاقتصادي العالمي بدءًا من عهده وفي العقدين اللاحقين، واندثر الاتحاد السوفييتي إلى غير رجعة. والحقيقة أن أطروحة كيندي البديهية إنما انطبقت على الاتحاد السوفييتي وليس على الولايات المتحدة، إذ أن تصاعد النفقات العسكرية من خلال حرب أفغانستان وسباق التسلّح مع واشنطن ساهم مساهمة كبيرة في تسريع انهيار الاتحاد السوفييتي الذي كان مصاباً بركود اقتصادي مزمن منذ السبعينيات.
والمقصود من شرحنا لما سبق هو التذكير بأن التاريخ لا يرحم الإمبراطوريات التي تتمدّد بما يفوق طاقاتها. ونحن اليوم إزاء حالة من هذا القبيل في منطقتنا، إذ أن النظام الإيراني أخذ يخوض في التمدّد العسكري والتوسّع الإمبراطوري منذ أن أتاحت له إدارة جورج دبليو بوش فرصة الهيمنة على العراق قبل خمسة عشر عاماً. وقد تفاقم الأمر بعد أن خلقت الانتفاضة العربية الكبرى لعام 2011 ظروفاً من انفراط عقد بعض الدول، انتهزتها طهران للتمدّد في سوريا وبعدها في اليمن. والحال أن السياسة التوسّعية الإيرانية هي الحجة الأقوى لدى إدارة دونالد ترامب في تبرير الهجوم الذي شنّته هذا الشهر على إيران، بدءًا بنقض الاتفاق النووي الذي أبرمته مع طهران إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما. وسوف تلي ذلك بالتأكيد إجراءات تصعيدية شتى، اقتصادية وعسكرية، بمشاركة إسرائيل حليفة واشنطن في الجانب العسكري.
فلو وضعنا جانباً الحجج غير المُقنعة الخاصة بالملف النووي عينه، تبقى الحجة الدامغة لدى إدارة ترامب في تعاملها مع حلفاء أمريكا الأوروبيين المتمسّكين بالاتفاق، تلك التي لخّصها وزير خارجية ترامب مايك بومبيو في المحاضرة التي ألقاها قبل يومين، قائلاً إن الاتفاق النووي «لم يردع مسعى إيران وراء هيمنة إقليمية»، بل «رأى قادة إيران في الاتفاق إشارة لانطلاق مسيرتهم عبر الشرق الأوسط». وقد عدّد بومبيو الساحات التي غدت طهران تتدخّل فيها بصورة مباشرة: لبنان وسوريا والعراق واليمن وأفغانستان. ومثلما كانت إدارة ريغان تعلم علم اليقين أن الاتحاد السوفييتي لم يعد قادراً على الاستمرار في السباق الإمبراطوري، تعلم إدارة ترامب أن إيران هي أيضاً أعجز من أن تستطيع الاستمرار في نهجها التوسّعي. وقد كان كلام بومبيو في محاضرته قبل يومين واضحاً تماماً في هذا الصدد:
«سوف تُضطرّ إيران إلى الخيار: إما تكافح من أجل إبقاء اقتصادها فوق حالة الخطر في عقر دارها أو تستمرّ في تبديد ثروة ثمينة في الكفاحات في الخارج. فلن تكون لديها الموارد الكافية لممارسة الأمرين معاً… الاقتصاد الإيراني في وضع حرج بسبب قرارات إيرانية سيئة. العمّال لا يتقاضون أجورهم، والإضرابات تحصل يومياً، والريال يتدهور. وبطالة الشباب بلغت مستوى 25 بالمئة المذهل… وقد أظهرَت الاحتجاجات في الشتاء الماضي أن العديدين مستاؤون من النظام الذي يحتفظ لنفسه بما يسلبه من شعبه. والإيرانيون مستاؤون أيضاً من نخبة النظام التي تخصّص مئات ملايين الدولارات لعمليات عسكرية وجماعات إرهابية في الخارج بينما يصرخ الشعب الإيراني من أجل حياة بسيطة مع وظائف وفرص وحرية».
ولن يساعد إيران على الإطلاق أن تكون حليفتها الرئيسية الراهنة في سياستها الإقليمية، ألا وهي روسيا، على أتمّ الاستعداد لعقد صفقة مع إدارة ترامب والأوروبيين تُخرج إيران من سوريا بموجبها لقاء وقف العقوبات المفروضة عليها والمساومة على ملف القرم وأوكرانيا. بكلام آخر، فإن موسكو مستعدة للإسهام في شدّ الخناق على عنق إيران بغية فكّه عن عنقها هي. وقد كان لافتاً جداً تصريح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عند استقباله بشّار الأسد في سوتشي قبل ستة أيام أنه سوف ينبغي على كافة القوات الأجنبية (باستثناء قوات بلاده المتواجدة في سوريا منذ عقود عديدة، طبعاً) أن تنسحب من سوريا. وقد أوضح ممثل بوتين الخاص في سوريا، ألكسندر لافرنتييف، في اليوم التالي أن رئيسه قصد بتصريحه «كافة الوحدات العسكرية الأجنبية في سوريا، بما فيها الأمريكيون والأتراك وحزب الله وبالطبع الإيرانيون».

٭ كاتب وأكاديمي من لبنان

طهران وأخطار التوسّع فوق الطاقة

جلبير الأشقر

- -

3 تعليقات

  1. كل دولة تشعر بان لديها قوة اكبر من جارتها قابلة للتمدد على حساب الجارة الضعيفة وهذا شأن كل الدول والقوى عبر التاريخ وهذا ما عبر عنه ميكيافيل في كتابه الامير في تحذير للمالك الضعيفة. وربط ابن خلدون سقوط الممالك بعد مرورها من مرحلة التقشف والعصبية الى مرحلة الترف وبول كنيدي جعل سقوط القوى العظمى بالعامل الاقتصادي والذي تنبه اليه قبله الامريكي ليفي شتراوس فيلسوف المحافظين الجدد عندما حذر من ان تكاليف التدخلات الخارجية الامبريالية الامريكية تفوق امكانية ميزانية امريكا وعليه لابد لامريكا من وضع يدها على مصادر الطاقة في العالم كي تتحكم بأسعارها وتجني الشركات الامريكية ارباحا كبيرة تغطي تكاليف التدخلات الخارجية والتمدد الامبريالي وهذا مادعا اليه ايضا بريجنسكي في ضرورة السيطرة على اوراسيا لأنها منطفة انتاج الطاقة في العالم، وهذا ما أنقذ الاقتصاد الامريكي ولكن في الحالة الايرانية فإن نظام الملالي عندما شعر بضعف العرب وتشتتهم وصعود قوته كان لابد ان يتمدد ولكن دون مردود اقتصادي يذكر وهذا سيكون عاملا اساسيا في هزيمته كما حصل للاتحاد السوفييتي الراحل الى غير رجعة

  2. التمدد يؤدي إلى التمزق وسوف يأتي اليوم الذي يصبح فيه النظام الإيراني جزء من التاريخ وهذا اليوم بات قريباً جداً بسبب جرائمه في بلاد الشام والله يسلط جنوده على من يشاء وسوف يُقال عاش النظام الإيراني (أو ما يسمى نظام الملالي) أربعين سنة (1979-2019) لا رحمة الله عليه!

  3. ايران تعيش في وهم اعادة الامبراطورية الفارسية التي أنهتها الجيوش العربية بقيادة خالد بن الوليد وسعد بن ابي وقّاص والنعمان بن المقرن وحلول الاسلام محل المجوسية.

    مايزيد قوة الوهم عند الإيرانيين هو تشتت العرب وقبول حكامهم الانضواء تحت مظلات الدول الكبرى او مظلة ايران لكي يبقوا في مواقعهم ولو كلفهم ذلك دمار بلدانهم وقتل شعوبهم وأمثلة سوريا والعراق ولبنان واليمن واضحة تظن فيها ايران انها تملك اليد العليا
    ايران تساعد في التدمير والقتل لكي تزيد من ضعف العرب وتظن انها ستستولي على بلاد العرب
    ان ايران تنفق مالها على مشاريع خيالية ولكنها في الحقيقة تبدد امكانياتها على اوهام خلف ستار مذهبي وخلف الادعاء بالدفاع عن الفلسطينيين
    وهي تريد على زعمها ان تحول قيادة الاسلام اليها وان تكون هي من يستلم القضية الفلسطينية ويقود العرب

    قال نزار قباني رحمه الله في قصيدته ” مرسوم باقالة خالد بن الوليد”

    سرقوا منا الزمان العربي
    سرقوا فاطمة الزهراء
    من بيت النبي
    ………..
    …………
    ياصلاح الدين
    هذا زمن الردة
    والمد الشعوبي القوي
    سرقوا بيت ابي بكر
    وألقوا القبض في الليل
    على ال النبي
    فشريفات قريش
    صرن يغسلن صحون الأجنبي
    ياصلاح الدين
    ماذا تنفع الكلمات
    في هذا الزمان الباطني
    ولماذا نكتب الشعر
    وقد نسي العرب
    الكلام العربي

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left