«هلع» اجتماعي بعد صيحات الموت في «صوامع العقبة» بالتزامن مع ضرائب على «الدخل» و«الكلام» الإلكتروني

«خردواتي» أرهق مؤسسات وعالم العطاءات السري... تحت الأضواء

بسام البدارين

May 23, 2018

عمان – «القدس العربي»: اتجهت تداعيات حادثة الانفجار الغباري جنوبي الأردن وتحديداً في منطقة العقبة الاقتصادية إلى المزيد من المساحات الحرجة والمثيرة للجدل بعد الإعلان عن حالة وفاة سادسة في انفجار لا يزال غامضاً نتج عن شرارة كهرباء حسب بيان الادعاء العام خلال عمليات هدم لصوامع القمح في الميناء القديم للمدينة البحرية.
وتزايدت على نحو ملموس المؤشرات التي تدفع بتفصيلات هذا الانفجار نحو زوايا سياسية واجتماعية مقلقة في توقيت حساس قوامه انشغال حكومة الرئيس هاني الملقي بالإعلان بالتزامن عن تشريعين جديدين يثيران أصلاً ضجة واسعة النطاق الأول هو قانون المعدل للضريبة. والثاني له علاقة بتصنيف ما يسمى بالجرائم الإلكترونية وتغليظ عقوباتها وفرض المزيد من القيود عليها.
التوقيت ووسط مناخ من التشكيك والتساؤل بدا عنصراً ضاغطاً على الحكومة خصوصاً أنها اتهمت بعد حادثة العقبة الأخيرة بالتقصير والاستهتار بدماء الأردنيين.
الجديد الأبرز في الانفجار المشار إليه يتعلق بحجم الهلع الاجتماعي المتعاطف مع الضحايا باعتبارهم من الطبقات العاملة والفقيرة في جنوب الأردن حيث تسبب الحادث الناتج رسمياً عن الإهمال بشروط السلامة العامة بمقتل ستة مواطنين واصابة ستة آخرين بحالة الموت السريري. ونتج هذا التعاطف عن تداول شريطي فيديو تسمع فيهما أصوات الضحايا داخل الصوامع المهدومة وهم محاصرون بالغبار المشتعل.
الضحايا وحسب ما ظهر في الأشرطة كانوا يصرخون أثناء مواجهة الموت ويصيحون مطالبين بالدفاع المدني قبل حضور معداته ويعلنون الشهادة في مشهد إنساني قاسٍ وخشن ألهب مشاعر الرأي العام مجدداً والتي تم التعبير عنها عبر وسائط التواصل الاجتماعي بتجديد الاتهامات للحكومة بالتقصير والاستهتار بدماء المواطنين. وفي الوقت ذاته وكما حصل في قضية الجرائم العشائرية الطابع قبل أسبوعين وتسريب تسجيلات هاتفية حاول بعض النشطاء المعارضين والحراكيين في الخارج الاستثمار في المشهد الإنساني الناتج عن صيحات الموت داخل صوامع الحبوب في الميناء الذي تقرر هدمه بهدف تسليم مساحة الأرض تحته إلى مستثمر إماراتي اشتراها.
في البعد الإعلامي السياسي لم تقل الحكومة كلمتها بعد. وفي البعد الإداري فيما يخص مقاولات وعطاءات عملية الهدم برزت المزيد من المفاجآت وتخللتها إشارات ملغزة بدون توثيق حول دور شركات مقاولات كبيرة وجديدة ونافذة في السوق في تضمين عطاءات فرعية تسببت بحجم الضحايا الكبير في حادثة الصوامع. في الوقت الذي انتشرت فيه التغريدات الإلكترونية التي تقول بأن مؤسسة الفساد بدأت تفتك بفقراء الأردنيين وتقتلهم.
ظروف إحالة عطاء الهدم أصبحت مثاراً للتكهن والنقاش على المستوى الشعبي خصوصاً أن سلطة إقليم العقبة أعلنت أنها أحالت عطاء هدم الميناء على شركة مقاولات قامت بدورها بإحالة العطاء على مقاول فرعي صغير وجهت دوائر الادعاء القضائي له مبكراً تهمتي التسبب بالوفاة والإيذاء.
نقابة المقاولين فجرت المفاجأة المبكرة عندما أعلنت أن المقاول الفرعي المتسبب بالحادث ليس مسجلاً بصفة قانونية وأن عطاء هذه «المقاولة القاتلة» في صوامع الميناء لم يوثق في النقابة خلافاً للقانون كما صرح نقيب المقاولين احمد اليعقوب. وبطبيعة الحال ترغب نقابة المقاولين في الدفاع عن نفسها وتقدم للرأي العام دليلاً على الكلفة الناتجة عن إحالة عطاءات لمقاولين فرعيين لا يلتزمون بالأسس النقابية والعلمية في قطاع المقاولات مع التلميح إلى أن بعض الشركات الجديدة في السوق تخالف الأسس المهنية والفنية وهي تستخدم نفوذها وعلاقاتها ببعض المؤسسات الرسمية وهو ما لم يثبت بصورة قطعية.
تتجه نقابة المهندسين بدورها للتبرؤ أيضاً من الحادث وتجري تحقيقاً له علاقة بخلفية إحالة ثم تنفيذ عملية هدم ضخمة لميناء بحري بدون الإشراف الهندسي وهي المسألة التي أبلغ عضو مجلس النقابة ورئيس هيئة المكاتب فيها المهندس عبد الله غوشة «القدس العربي» بأن النقابة تتابعها الآن.
تبين مسارات إحالة العطاء قبل الحادثة أن عملية مهنية ضخمة من طراز هدم صوامع الحبوب أحيلت فيما يبدو بشكل غير نظامي ويخلو من المهنية إلى مقاول فرعي غير مسجل من شركة كبيرة حصلت على العطاء أصلاً واسمها «العربية الدولية للإنشاءات». يشك الرأي العام هنا بالتفاصيل في الوقت الذي لا تصدر فيه بيانات إفصاح شفافة لا من الشركة المعنية الكبيرة ولا من سلطة إقليم العقبة تنتهي برواية صلبة ومقنعة لتفسير ما حصل بدلاً من ترك التسريبات والشائعات تنتهك أذهان الأردنيين وتتحدث عن الاستهتار بحياة وأرواح الفقراء منهم.
من المرجح أن العطاء الفرعي قدم ببساطة وبهدف تحقيق أرباح إضافية إلى مؤسسة صغيرة يقال إنها تجارية ومعنية بجمع وبيع «الخردة» وليس إلى مؤسسة معنية ومتخصصة في المقاولات، الأمر الذي يفسر عملياً التراخي في التواصل مع نقابة المقاولين أولاً وتجاهل الإشراف الهندسي ثانياً على اساس ان من حصل على المقاولة الفرعية أصلاً هو «خردواتي» وليس مقاولاً.
حادثة الانفجار الغباري في العقبة بدأت تسلط الأضواء على عالم العطاءات السري والذي قد ينطوي على الكثير من المفاجآت. وهي نهاية لم تحسبها سلطة الإقليم والحكومة ومن المتأمل والمتوقع أن تطيح الحادثة ببعض الرؤوس الكبيرة في الإدارات المعنية بعدما اشتبكت التفاصيل والظروف الغامضة. ويحصل كل ذلك والحكومة تصرّ على إكمال برنامجها بإحالة قانون الضريبة الجديد صاحب السمعة الشعبية الرديئة إلى مجلس النواب أمس الثلاثاء رسمياً كما صرح رئيس الوزراء الدكتور هاني الملقي كما اعتمدت الحكومة قانون الجرائم الإلكترونية الجديد وستحيله مع عقوبات مغلظة وقيود مستجدة إلى البرلمان بهدف احتواء عاصفة التواصل الاجتماعي. ويفرض القانون الجديد عقوبات بالسجن والغرامة المالية على المخالفات المعنية بصفحات التواصل الاجتماعي وبشكل يفرض عقوبات موازية ليس على دخول الأردنيين ورواتبهم فقط ولكن على كلامهم وبوحهم وانتقاداتهم في الفضاء التواصلي.

«هلع» اجتماعي بعد صيحات الموت في «صوامع العقبة» بالتزامن مع ضرائب على «الدخل» و«الكلام» الإلكتروني
«خردواتي» أرهق مؤسسات وعالم العطاءات السري… تحت الأضواء
بسام البدارين
- -

1 COMMENT

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left