كيد الساسة العرب ينتقل إلى دراما رمضان: مسلسلات تحت حراسة أجهزة الدولة

أنور القاسم

May 23, 2018

اتساع مساحة السياسة في دراما رمضان هذا العام يدفعنا إلى طرح سؤال بالغ الأهمية، وهو هل الأعمال الدرامية، التي تم إنتاجها هذا العام جاءت بناءً على تعليمات وتوجهات سياسية مباشرة من رأس الدولة؟
اعتدنا في الماضي أن نرى بعض الدول العربية تستخدم فنا موجها، بالاستعانة بمهارات بعض الكتاب والمخرجين والمسرحيين، عن طريق تقديم الرسالة دون أن تظهر هذه التوجهات، بحيث تصل الأعمال للناس على أنها عمل فني خالص بعيد عن الأغراض والأهداف السياسية وأحيانا الشخصية.
لو بدأنا بالأعمال المصرية المعروضة حاليا نكتشف كيف أجبر منتجو مسلسل «أرض النفاق» على إصدار نسخة ثانية منه، أبدلوا فيها أحد الممثلين، وهو الصحافي والكاتب إبراهيم عيسى، بممثل آخر، لاعتراض المملكة السعودية عليه بسبب مواقفه تجاهها.
ومن المعروف عن إبراهيم عيسى معارضته سياسات السعودية واتهاماته للفكر الوهابي بأنه مصدر التطرّف، وقد ظهر ممثلا في مشاهد من هذا المسلسل قبل أن يضطر المنتجون إلى إعادة تصوير تلك المشاهد مع ممثل آخر، نزولا عند ضغط التلفزيون السعودي.
وظهرت المشكلة، حينما كتب المستشار في الديوان الملكي السعودي سعود القحطان على تويتر قائلا «لا يوجد عاقل يرضى أن يتم استضافة او إعطاء برامج لبعض الإعلاميين العرب، الذين سبق أن أساءوا لقيادتنا ووطننا»، في إشارة إلى إبراهيم عيسى.
وتعكس هذه الأزمة أهمية المسلسلات الرمضانية، التي يتابعها عشرات ملايين المشاهدين في الدول العربية، وكيفية تحميلها مواقف رسمية وتوجيهها واستغلال الشهر الكريم كرافعة لتصفية حسابات سياسية وشخصية لبعض الدول.

السودان غاضب على مصر فنيا أيضا

فجأة، وللمرة الأولى، يعترض السودان على عمل فني هو المسلسل المصري الرمضاني «أبو عمر المصري»، متهما مصر بالافتئات على السودان والإصرار على اختلاق وتكريس صورة نمطية سالبة تلصق تهمة الإرهاب ببعض المواطنين المصريين المقيمين أو الزائرين للسودان.
لماذا الآن، وكلنا نعلم أن الأفلام والمسلسلات المصرية دائما ما تعرض السوداني بصورة البواب الطيب والبسيط المضحك؟
ولم يتوقف الاعتراض على الانتقاد، بل استدعت الخارجية السودانية سفير القاهرة في الخرطوم، أسامة شلتوت، وسلمته احتجاجا رسميا على عرض المسلسل.
هذه «الأزمة الفنية» دفعت كذلك مكرم محمد أحمد، رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مصر، إلى حذف مشاهد من المسلسل، الذي احتجت عليه الخرطوم. كما حدت بشبكة قنوات «أون» للتأكيد بأنها لم تقصد الإساءة للشعب الشقيق.
وهنا بدل التشارك في الأعمال الدرامية بين الدولتين – لقرب الشعبين من بعضهما – تصبح بعض الأعمال مدعاة للشقاق، بدل الاستئناس وتبادل التجارب الإنسانية والشعبية والتقارب المجتمعي، وهي ضرورة قصوى تفرضها ظروف المنطقة حاليا.

ليس للدراما الحكومية السورية من يشتريها

شكلت الأعمال السياسية الحضور الأكبر في موسم الدراما السورية لشهر رمضان الحالي لتعكس أثار الحرب، لكن برؤية واحدة. بعد أن كانت هذه الأعمال مثار إدهاش وجذب على مستوى الدول العربية كافة. وواجه هذا الموسم مقاطعة من القنوات الفضائية العربية التقليدية، التي اعتادت أن تكون الدراما السورية عمودها الفقري وحصانها الرابح في هذا الشهر.
لعل «يوميات مختار» من أبرز مسلسلات هذا العام، وهو يقدم نمطاً جديداً ومختلفاً للدراما السورية يقوم على الشخصية الواحدة.
ويلعب نقيب الفنانين زهير رمضان دور البطولة فيه، حيث يستعيد «عبد السلام البيسة» مختار قرية «أم الطنافس»، الذي قدمه قبل عشرة أعوام في المسلسل الأثير «ضيعة ضايعة».
ويختلف هذا الدور عن «ضيعة ضايعة» أن الشخصية مسروقة من أعمال الكاتب المبدع ممدوح حمادة ومشوهة أيضا، كون الشخصية الأساسية تسلط الضوء على يوميات المختار، عديم الجدوى، المتمسك بمنصب وهمي، والمهمل من قبل الدولة، ليتحول دور المختار الجديد إلى منصب قائد ومنصة انتقاد لدور أنظمة عربية شاركت في المؤامرة على سوريا، كما يقول المختار بنفسه.
وهناك بطبيعة الحال العديد من الأعمال الأخرى، التي تحمّل الخارج كليا ما حصل ويحصل في البلاد، وعما يعانيه السوريون في الداخل والخارج نتيجة ذلك، وتجنح هذه المسلسلات إلى تصفية حسابات، بدل إيجاد حلول والتحول إلى منصات للحوار.
وهنا يظهر الفن السوري «تحت الحراسة»، أو بمعنى أدق محاصرا أمام اختيارين فإما أن يكون منزوع السياسة تماما، وإما ملتزمًا بالسردية الرسمية التي أقرها النظام للأوضاع الحالية.

القات: من نبتة «للفرفشة» إلى خلاف سياسي

تحول «القات» فجأة إلى خلاف بين اليمنيين وتلفزيون الكويت بعد بث الأخير حلقة من برنامج «بلوك غشمرة» تناول فيه الفنان الكويتي حسن البلام علاقة الفنانين اليمنيين بالقات في حفلاتهم.
الحلقة أثارت جدلا يمنيا لم يهدأ، وصلت لانتقاد ما سماه البعض سخرية الكويت، التي يحبها اليمنيون من الحزن اليمني وعادات البلاد. ورغم نشر الفنان الكويتي حسن البلام مقطعاً على «يوتيوب» تضمن توضيحاً منه، وما يشبه الاعتذار لليمنيين عن المقطع التمثيلي، إلا أن منسوب الحساسية بين الدول العربية لم يكن في تاريخه بهذا الكم من السوء والترصد، بحيث ينتقل إلى التلفزيون والأعمال الفنية، وتصبح المزحة قضية سياسية تشغل البلاد عن مآسيها وحروبها الحقيقية.

الأتراك ممنوعون على الفضائيات السعودية والإماراتية

لم تعرض أي قناة سعودية أو إماراتية هذا العام أعمالا تركية، كما جرت العادة في رمضان، وتخوض الدولتان مقاطعة صامتة على الدراما التركية، بعد أن شغلت معظم ساعات البث على قنوات مجموعة «أم بي سي» والفضائيات الإماراتية.
ويأتي هذا الصد السياسي والفني بعد قرار اتخذته قنوات «أم بي سي» في آذار/مارس الماضي، بمقاطعة المسلسلات التركية بسبب التوتر بين أنقرة ودول الخليج.
بينما هادنت الأعمال الدرامية الخليجية هذا العام، ولم تتناول قضايا سياسية، بعد أن تم اقحام بعض الفنانين الخليجيين في قضية حصار قطر، وكانت المرة الأولى في تاريخ الخليج، التي يستخدم فيها الفن كمنصة سياسية عقابية.
والملاحظ أيضا هذا العام ابتعاد هذه القنوات الخليجية عن انتاج أي عمل تاريخي أو إسلامي يستعيد أمجاد العرب، في أحلك ظروفهم، ولم يتم انتاج أي برنامج عن تاريخ القدس، التي تتعرض للتهويد كاملا، رغم أن مسألة نقل السفارة الأمريكية كانت تجهز منذ أكثر من نصف عام، أي قبل رمضان بكثير، وكان من أبسط الإيمان في هذا الشهر استحضار تاريخ القدس في أي عمل فني يليق بهذا الشهر الكريم.

تلفزيونات لبنان… للسياسيين

ولم تشذ محطات التلفزيون اللبنانية عن نظيراتها العربية، بل شكلت معلما تحتذيه باقي الدول العربية، من حيث تبعية القنوات إلى الاقطاعات السياسية في البلاد، وقيام هذه المحطات بتصفية حسابات سياسية على الدوام. بل تستطيع قراءة توجه كل محطة في رمضان الحالي من خلال برامجها ومسلسلاتها، التي تنتجها أو تشتريها من الدول العربية أو الإقليمية الداعمة. فهذه المحطات منقسمة في عروضها بين الدراما السورية والإيرانية والخليجية وبعض المصرية والتركية.
وبعد أن كانت دراما رمضان تحديدا تجمع الفنانين العرب من مختلف المشارب والدول في أعمال مشتركة، تاريخية وإسلامية ومعاصرة، صرنا نتابع محطات تناصب بعضها العداء والفرقة ومد اللسان!

كاتب من أسرة «القدس العربي»

7gaz

كيد الساسة العرب ينتقل إلى دراما رمضان: مسلسلات تحت حراسة أجهزة الدولة

أنور القاسم

- -

1 COMMENT

  1. بالمختصرالمفيد ؛ هذا الذي يجري هوتحديد انتماء ؛ بمعنى : هل الفنّ للفنّ أم هوالفنّ للحياة ؟ والحياة ( العربية ) غالبًا مختزلة في السياسة.
    لقد كانت الثقافة العربية ؛ الجامعة القومية.يبدوأنّ الشيطان يسعى لجعلها مجرد ( دراما ) حزينة.إنّ جسورالعرب البينية ؛ تتقطع ؛ إنه الفزع. لعمري لولا القرآن ؛ لفقدنا القدرة على التواصل باللسان.نخشى أنْ يتحوّل هذا اللسان إلى سنان ذي أسنان.ورغم ذلك تحيا أمة قحطان وعدنان.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left