ملوك الطوائف ولا استفادة من دروس النكبة

د. فايز رشيد

May 24, 2018

لا فائدة من الاستمرار في توصيف الوضع العربي، فالتركيز على هذا الأمر»كمن ينفخ في قربة ماء مثقوبة»، فهو أشبه ما يكون بعصر «ملوك الطوائف» في الأندلس، الذين كان الواحد منهم يتآمر مع فيرناندو وإيزابيلا على حساب شقيقه، إلى أن استفرد الملكان الإسبانيان بهم واحداً واحدا وصولا إلى سقوط غرناطة آخر معاقل العرب في الأندلس.
وقد خلّدت إسبانيا مكان بكاء الصغيرعلى مُلكٍ أضاعه، فعلى بعد 60 كم من المدينة يوجد نُصب سمي «زفرة العربي الأخيرة». بالفعل صدق النبيّ الكريم القول «مثلما تكونوا يُوّلى عليكم»، مع الإدراك لما خُطط لهذه الأمة، بأن ينشغل ربّ الأسرة فيها آناء الليل وأطراف النهار في تحصيل قوت يومه، كي يبتعد عن هموم السياسة، لكن هذا المواطن العربي رضي باستدراجه إلى الصراعات الطائفية والمذهبية والإثنية المقيتة، بدليل أن زمننا الحالي يشهد مظاهر دالّة كثيرة، منها مثلاً، إقبال الآلاف على حفلة غنائية لفنانة من درجة ثانية أو ثالثة، بينما مظهر للتضامن مع الشعب الفلسطيني، أو حضور ندوة سياسية جادة، لا يؤمهما إلا أفراد يعدون على الإصابع، باستثناء مظاهرات الشعب اليمني المليونية في شوارع صنعاء المنهكة هي والمدن الأخرى في اليمن بويلات الحرب والجوع والعدوان والكوليرا، من قبل الذين أرادوا تحويل سعادته إلى تعاسة، وربما هذا الأمر، شكّل سببا من أسبابٍ كثيرة أخرى لاستهداف هذا الشعب العربي الأصيل، وكذلك، باستثناء بعض التظاهرات الأخرى القليلة، التي تجري في العواصم والمدن العربية. ولو استرجعنا التاريخ وتذكرنا دعوة الحبيب بورقيبة الرئيس التونسي السابق في زيارته للضفة الغربية عام 1965 إلى قبول الفلسطينيين بقرار التقسيم، للاحظنا كيف أن العواصم والمدن العربية امتلأت بعشرات بل مئات الآلاف من المتظاهرين احتجاجا على هذا الطرح، وقامت الدنيا حينها ولم تقعد استنكارا لدعوته، عندها ندرك أن الزمن آنذاك هو غير زمننا الحالي.
العرب للأسف لا يقرأون التاريخ، ولا يستفيدون من دروسه، ولو كان عكس ذلك، لأصبح الواقع العربي على غير ما هو عليه الآن، بدليل أن التحالفات الأندلسية السابقة ذاتها، تجري الآن علنا مع العدو الصهيوني وحليفته الاستراتيجية الولايات المتحدة ضد الأخ الشقيق، وهذا ما خططت له إسرائيل منذ عام 2004 في مؤتمر هرتسيليا الاستراتيجي الخامس، ووصلت إليه بامتياز في السنوات الأخيرة، بالطبع رغم اختلاف الزمان والمكان بين المظهرين المتشابهين في المضمون والدلالات. هذا التشابه بالضرورة يقودنا إلى التطرق إلى العلاقة الجدلية بين الزمان والمكان في السياسة العربية، فوظيفة الفلسفة عند هيغل هي استيعاب الزمان بالأفكار لإعادة صياغته والتعبير عنه من خلال المفاهيم المكانية، سياسية، اقتصادية، اجتماعية كانت أم غيرها، وفي هذا الإطار اقترن الزمان بالعقل. لذلك، فإن السياسة هي تنفيذ الضروري عن طريق خلق الإمكانية، ولكن في وقت محدد وقبل فوات الأوان، كتنفيذ واجبات تقتضيها الضرورة، فالقاسم المشترك بين السياسة والفلسفة هو تعريف الوعي العام الإنساني، والوعي الخاص الوطني المحلي والعام، للأسف ما يحدث في العالم العربي هو خارج إطار الزمان والمكان، لذا سيكون من السهل بعدها فهم عملية الانسحاب العربي التدريجية من التاريخ والجغرافيا.
في موضوع النكبة، فمن الضرورة بمكان، أن تشكلّ لنا في ذكراها السبعين محطة للمراجعة الشاملة، أين أخطأنا وأين أصبنا بالمعنيين الاستراتيجي والتكتيكي؟ أما على صعيد العدو، فعلينا الإدراك إلى أيّ مدى وصلت المتغيرات في داخله؟ كما إدراك ماهية ثغراته الكثيرة ونقاط ضعفه، وهل أن أداة الثورة الفلسطينية تشكلّ سنداً لها أو عائقاً أمامها؟ بالتالي ما هي الشروط التي لم نحسن استغلالها، أو ننتبه إليها في المرحلة الماضية، كما متطلبات واشتراطات مرحلة التحرر الوطني؟ ثم التساؤل الأهم حول واقع المشروع الوطني الفلسطيني حالياً؟ ومدى تأثير التراجعات والمتغيرات العربية عليه؟ إضافة بالطبع إلى أسئلة أخرى شديدة الأهمية. نقول ذلك، كحاجة ملموسة واشتراط موضوعي لمعرفة العدو، لا للمعرفة فقط، وإنما لرسم الاستراتيجيات اللازمة في الصراع مع هذا العدو.
الذي يحصل للأسف، أننا نغرق في الفئوية التنظيمية على حساب الوحدة والجبهة الوطنية العريضة للفصائل الفلسطينية، كاشتراط في معارك مرحلة التحرر الوطني. وكمثال بسيط على صحة ما نقول: تصريح القيادي في حماس بأن 50 شهيدا من ضحايا مسيرة العودة، هم من الحركة، الأمر الذي استفادت منه الصحافة الإسرائيلية على أوسع وجه، كما التراشق الإعلامي اليومي والحاد بين طرفي الانقسام. ليدرك الإخوة أن الفلسطيني يستشهد من أجل وطنه أولا وثانيا ورابعا، أما التنظيم فوسيلته النضالية من أجل الكفاح في سبيل قضيته.
للأسف، يجري هذا في الوقت الذي تتردد فيه الأنباء عن أن الولايات المتحدة ستعلن عن «صفقة القرن» رسميا بعد شهر رمضان وقبل العيد (ليكون عيدية للفلسطينيين من «المحسن» المؤمن ترامب)، إضافة إلى ما يتردد من أنباء عن اتفاق جرى مع العاصمة المصرية، بعد زيارة رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إليها، وأهم بنوده رفع الحصار عن غزة، بدءًا، بفتح مصر للمعبر، وما نشرته إحدى الصحف العربية («الحياة»، الجمعة 18 مايو الحالي) حول توسيط واشنطن لـ «دولة عربية»- لم تسمّها ـ لإقناع حماس بقبول «صفقة القرن»، وأن الولايات المتحدة أرسلت مندوبيها إلى هذه الدولة العربية للبحث في الأوضاع الإنسانية والأمنية والسياسية في قطاع غزة، كما إقناع حماس بعدم اعتراض الحلّ الأمريكي . وكما أشارت الصحيفة ذاتها، إلى أن هذه الأفكار قيد الدراسة من قبل الأطراف المعنية.
مما لا شك فيه أيضا، أن السلطة الفلسطينية وباعتمادها على نهج واستراتيجية المفاوضات، في الوقت الذي تؤكد فيه إسرائيل وحليفتها الاستراتيجية الأمريكية حقائقهما على الأرض: اعتراف أمريكي بكامل مدينة القدس عاصمة لإسرائيل، وألا حق لعودة اللاجئين الفلسطينيين لوطنهم، وألا وقف للاستيطان، وألا دولة ثالثة ستقام بين النهر والبحر غير إسرائيل، إلى آخر الاشتراطات الإسرائيلية الأخرى، هذا النهج الاستراتيجي التفاوضي فقد مبررات وجوده واعتماده نهجا. بمعنى آخر فإن غياب ما يشير إلى إزالة أسباب الانقسام السياسي السلبي الفلسطيني، يغري العدو الصهيوني وحليفته الأمريكية بالنفاذ من ثغرات هذا الانقسام وتهيئة عوامل استمرار وجوده من أجل تمرير «صفقة القرن»، التي هي ليست أكثر من محاولة تصفية للقضية الفلسطينية.
للأسف، كان من الممكن أن تكون الذكرى السبعين للنكبة محطة للمراجعة الفلسطينية الشاملة، من أجل الاستفادة من كلّ أخطاء الماضي، وتثبيت الأسس الاستراتيجية الكفيلة بانتزاع حقوقنا الوطنية الفلسطينية من براثن هذا العدو، الذي لا ولن يعترف بها إلا بالقوة، هذا العدو الذي لم ولن يرسّم حدود دولته بعد، طمعا في احتلال المزيد من الأراضي العربية، فهناك تحليلات سياسية أمريكية، مدعّمة بمعلومات من مصادر مطّلعة في الإدارة الأمريكية تشي، بأن الخطوة التالية اللرئيس ترامب (بعد قراره حول القدس) الاعتراف بهضبة الجولان العربية السورية أرضا إسرائيلية. مع العلم أن إسرائيل ضمتها إليها عام 1981.
إن صلابة الموقف الفلسطيني القائم على الثوابت الوطنية، والمبني على الوحدة الوطنية، واعتماد التكتيكات السياسية الصحيحة، كما رفض المشاريع المشبوهة لتصفية قضيتنا الوطنية، والإلغاء الصريح لاتفاقيات أوسلو وتداعياتها، وتجاوز الانقسام وإصلاح مؤسسات م.ت.ف. كما المراجعة الشاملة وعقد مجلس وطني فلسطيني توحيدي، هذه الخطوات وغيرها، تؤسس لتصليب الوضع الفلسطيني من جهة، ومن جهة أخرى، سوف لن يستطيع أي نظام رسمي عربي والحالة هذه تجاوز الفلسطينيين، ولن يمتلك أحد الجرأة على انتقاد الموقف الفلسطيني، أو الضغط عليه للقبول بما لا يريد. هذا الموقف الصلب سيؤسس لجبهة شعبية وطنية عريضة حيث يلتحم العاملان الخاص الوطني والعام القومي في إطار وحدوي عضوي متين.
كاتب فلسطيني

ملوك الطوائف ولا استفادة من دروس النكبة

د. فايز رشيد

- -

4 تعليقات

  1. حديث: كما تكونوا يولى عليكم. رواه الديلمي في مسند الفردوس عن أبي بكرة، ورواه البيهقي عن أبي إسحاق السبيعي مرسلاً.
    وقد ضعفه غير واحد من أهل العلم، منهم من المتقدمين الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله ومن المتأخرين الشيخ الألباني رحمه الله فقد جمع طرقه في سلسلة الأحاديث الضعيفة 1/490
    وحكم عليه بالضعف. ثم قال: والواقع يكذبه، فإن التاريخ حدثنا عن تولي حكام أخيار بعد حكام أشرار والشعب هو هو.
    – منقول من إسلام ويب – ولا حول ولا قوة الا بالله

  2. من المعروف بان هذا الكيان المغتصب لا يعترف بأي قرار أممي لا يناسبه، ولا بأتفاقيات موقعة كاتفاقية اوسلو، مما ادى الى دعوة الرئيس عباس في خطابه أمام الدورة الـ70 للأمم المتحدة إن الجانب الفلسطيني لا يمكنه الاستمرار بالالتزام بالاتفاقيات الموقعة مع إسرائيل، ما دامت مصّرة على عدم الالتزام بها. كان هذا بالفعل ما يتوجب عمله والألتزام به، لكن الغريب بالأمر بأن الرئيس الفلسطيني حتى بعد صدور القرار الأمريكي بخصوص القدس بدأ بالبحث عن وسيط نزيه وهو يعلم علم اليقين بان هذا الكيان لن ينفّذ ما قد يتم الأتفاق عليه. ولهذه الأسباب ان ما اورده الدكتور فايز رشيد في الجزء الأخير من مقال اليوم هو الطريق السليم الواجب سلوكه من اجل تحقيق اماني شعبنا الأبي.

  3. اخر زفرات المورو و ليس العرب و المورو هم مسلمو شمال افريقيا و الاندلس ومنها اسم موريطانيا او مروك المغرب باللغة الفرنسية و مناك جبهة المورو الاسلامية في جنوب الفلبين عندما لاحظ الاسبان تشابه العادات و التقاليد بين المسلمين في شمال افريقيا و بين المسلمين في الفلبين اطلقوا اسم المورو على مسلمي الفلبين …هذا لتصحيح فقط

  4. شكراً أخي فايز رشيد, وضع مأساوي احتارت فيه عقولنا جميعا عموم الخلق منا ومفكرين وأدباء ومثقفين وكتّاب, ونكاد لانصدق مايحدث لنا.أشبه بكابوس لانستيطع الإستيقاظ منه. أشبه ما يكون بعصر «ملوك الطوائف» في الأندلس, أم أشبه بالإمارات التي انقضت عليها الحملات الصليبية لتهزمها واحدة تلو الأخرى, أم أنه زمن أسوأ بكثير مما عرفناه أو يخطر ببالنا. لابد أنه ينقصنا شيء لم نكتشفه بعد لفهم هذا المأزق الخضاري للخروج منه, حيث أن دعوات العقل والمنطق لم تفلح حتى الآن في تغيير المسار الهائج لهذا الانهيار المتتالي, الذي نعيشه يوما بعد الآخر. ليس لدي ماأقوله أكثر من ذلك, لكني اتمنى أن نستطيع على الأقل في الوقت الحاضر وقف هذا الانهيار والسقوط المتتابع. قد يكون كما جاء في الجزء الأخير من المقال أو بادرة أمل أخرى كتب عنها آخرون (مثلا الياس خوري في مقاله الثلاثاء الماضي), أو ربما نكتشف الشيء الذي ينقصنا لفهم هذا الواقع المؤلم والمأساوي ونرى البصيص في نهاية النفق, فهل هناك بارقة أمل في الأفق, دعائي إلى الله.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left