«سائرون» ولعبة التحليق بعيدا عن الفلك الإيراني وفي داخله

رائد الحامد

May 24, 2018

رافق موعد إجراء الانتخابات مشهد إقليمي شديد التعقيد، سادته توترات سياسية بين الولايات المتحدة وإيران، وهما اللاعبان الأساسيان في العراق، اللذان يريد كل منهما الاستحواذ على مساحة أوسع من النفوذ السياسي في العراق.
وحذر مسؤولون أمريكيون، منهم وزير الدفاع جيمس ماتيس، من خطورة التدخل الإيراني في الانتخابات واستخدامها المال للتأثير على المرشحين والمصوتين لصالح الأطراف الحليفة لها. ويوجه مسؤولون ايرانيون اتهامات مماثلة للولايات المتحدة، منهم علي اكبر ولايتي مستشار المرشد الأعلى، الذي تحدث عن «رسالة» ستوجهها الانتخابات العراقية إلى الولايات المتحدة ودول الجوار التي تتدخل بالانتخابات بأن «لا مكان لها في المنطقة». لكن التصريحات والاتهامات المتبادلة بين الولايات المتحدة وايران لا تعني الكثير، فلكل منهما مناطق نفوذ تقليدي وحلفاء يدينون لهما بالولاء، واحيانا يلتقي بعض الحلفاء على الولاء المزدوج والتبعية لهما في وقت واحد.
تدرك الولايات المتحدة وايران ضرورة احترام أحدهما الآخر، والعمل معا بدون تنسيق مباشر على الساحة العراقية، وفق أساسيات تحكمها مصلحة كل منهما بما لا يتعارض مع مصلحة الآخر؛ وهو واقع اللقاء الإيراني الأمريكي في العراق منذ مرحلة التمهيد لغزو العراق، وما بعده، وحتى اليوم. وجدت إيران في غزو العراق فرصة واقعية لتمدد نفوذها عبر حدودها مع العراق إلى مركز القرار ببغداد، ومنها الى شواطئ البحر الأبيض المتوسط عبر دمشق وبيروت، مستخدمة استراتيجيات متعددة الأبعاد تبتدأ بتشجيع الشيعة على المشاركة الأكبر في العملية السياسية والمنافسة السياسية للهيمنة على القرار والسيطرة على مؤسسات الدولة وثرواتها من خلال القوى الحليفة لها، سواء داخل المؤسسة الأمنية والعسكرية، أو المجموعات الشيعية المسلحة التي تدين لها بالولاء بدرجات متفاوتة.
وبعد انتهاء الحرب على تنظيم الدولة في ديسمبر2017 بدت إيران هي القوة الإقليمية الأكثر وجودا على الأرض والأكثر نفوذا من الولايات المتحدة وغيرها؛ لكن لا يبدو واضحا إن كانت إيران ستتدخل بشكل علني في صياغة تحالفات تشكيل الكتلة النيابية الأكبر، لتسمية رئيس الوزراء وتشكيل الحكومة المقبلة.
مما لا شك فيه، ان الانتخابات جرت في أجواء عامة، تغلبت عليها الرغبة في الخروج من دائرة الاستقطابات الطائفية والعرقية، من خلال تشكيل تحالفات «عابرة للطائفية»، لكن هذا التوجه لم يكن مؤثرا في اتجاهات الرأي العام والتصويت لصالح المرشح من المكون الطائفي أو العرقي ذاته؛ وفي أحيان قليلة كانت المناطقية تلعب هي الأخرى دورا إلى جانب الانتماء العشائري.
وبعيدا عن الخطاب الدعائي الذي رافق حملة قائمة «سائرون»، فإن واقع ما سيواجه الكتلة الفائزة بتشكيل الحكومة، سواء نجح التيار الصدري بتشكيل كتلة نيابية من كيانات متعددة وصولا إلى 165 مقعدا، أو لم ينجح وبذلك سيكون تحالف «الفتح» الذي يقوده هادي العامري الممثل للحشد الشعبي هو المؤهل لتشكيل الحكومة. ستواجه ائتلاف «سائرون» بتحالفه المتوقع مع ائتلاف «النصر» بقيادة رئيس الوزراء حيدر العبادي، عقبات الحصول على أكبر عدد من المقاعد في مجلس النواب لتشكيل الكتلة النيابية الأكبر؛ وقد يكون ذلك ممكنا في حال الاتفاق مع «ائتلاف الحكمة» الذي يقوده رئيس المجلس الأعلى الإسلامي عمار الحكيم الذي ابتعد هو الاخر عن إيران بعد أن فك ارتباط مرجعيته الدينية عن المرشد الأعلى للثورة علي خامنئي وتقليد المرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني.
كما سيكون أمام ائتلاف «سائرون» فرصة للتحالف مع ائتلاف «الوطنية» بقيادة اياد علاوي وكتل أخرى من بينها ائتلاف «القرار» الذي يقوده أسامة النجيفي وكتل أخرى أقل تأثيرا؛ وهو تحالف سيتم دعمه من السعودية، وإلى حد ما من الولايات المتحدة مع تحفظات مؤكدة على دور الجناح المسلح للتيار الصدري في أعمال القتل الطائفي بين عامي 2006 و2008 وهجمات «مفترضة» على قوات الاحتلال بين عامي 2003 و2011.
وتراهن السعودية على تحالف «سائرون» الذي سبق أن استقبل ولي عهد المملكة رئيس التيار الصدري مقتدى الصدر في رهان على دعم من يتم وصفهم بانهم من الشيعة «العروبيين» الذين يمكن لهم ان يلعبوا دورا في سحب العراق بعيدا عن النفوذ الايراني؛ لكن هذا الرهان سيصطدم بعقبات «قد» لا يستطيع رئيس التيار الصدري الذي يقود ائتلاف «سائرون» القفز عليها. ومع ان موقف التيار الصدري لا يزال غامضا، أو على الأقل يفتقر الى الصراحة من مسائل تتعلق بالنفوذ الإيراني والتدخل في الشأن العراقي، لكن رئيس التيار الذي يتجنب الحديث عن ايران بشكل مباشر، فهو في أسوأ الأحوال يتبنى خطابا «عروبيا» مقبولا من دول الجوار الإقليمي المعنية بالشان العراقي، التي تطمح من خلال الدعم «متعدد الجوانب» للتيار الصدري استعادة العراق الى محيطه العربي، بعيدا عن دائرة النفوذ الإيراني. لكن رؤية كتلك تصطدم حتما بقوة ونفوذ فصائل الحشد الشعبي المسلحة، أو أجنحتها السياسية المؤتلفة في إطار ائتلاف «الفتح» الذي يطمح لوضع العراق بشكل ما في «دائرة» النفوذ والتبعية لإيران، حيث سبق لأكثر من أربعين فصيلا من فصائل الحشد الشعبي ان أعلنت بشكل رسمي «بيعتها» الشرعية للمرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي.
وتهتم ايران بشكل جدي لتجنيب العراق الدخول في حرب أهلية ستكون هذه المرة شيعية شيعية، بعد غياب العرب السنة بشكل شبه كامل عن المشهد السياسي وذوبان كياناتهم السياسية في الكتل الشيعية. كما أن ايران تهتم بان يكون على رأس السلطة التنفيذية شخصية شيعية قوية مثل شخصية نوري المالكي، ليكون قراره قرارا إيرانيا صرفا، وبخلاف هذا فهي ترغب بأن تكون هناك شخصية شيعية ضعيفة الأداء يمكنّها ذلك من التغلغل في مراكز صنع القرار بشكل أوسع لتنفيذ سياساتها في العراق؛ كما ان شخصية شيعية «مهزوزة» مثل شخصية العبادي ستكون حاجة إيرانية لوجودها طالما امتلكت هذه الشخصية علاقات واسعة بالمجتمع الدولي والولايات المتحدة «قد» تشكل بوابة عبور لإيران لتجنب بعض آثار العقوبات المحتملة، بعد قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي.
كاتب عراقي

«سائرون» ولعبة التحليق بعيدا عن الفلك الإيراني وفي داخله

رائد الحامد

- -

1 COMMENT

  1. سيكون الأكراد بيضة القبان في تشكيل الحكومة العراقية الجديدة ! ولا حول ولا قوة الا بالله

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left