الكلبة إيفانكا فرضت أمرا واقعا…

سهيل كيوان

May 24, 2018

قبل أسبوعين دخلتْ ساحة بيتي كلبة، حاولت طردها، ولكنها بعد بضع محاولات، تسلّلت إلى مخزن منخفض السقف تحت بيت الدرج، فيه بعضُ العتاد الزراعي والخردة.
قرفصتُ ودقّقت النظر في ظلمة المخزن، فالتقت عيناي بعينيها، فأسبلَتْهُما باستعطاف، وما لبثتُ أن سمعتُ أصواتاً خافتة، فأصغيت جيّداً، واتضح لي أنها وضعت عدداً من الجراء، فأيقنت أنني في ورطة، كيف أُخرجها وجراؤها بأمس الحاجة لها الآن؟!
مرتّ في ذهني مشاهد كثيرين من البشر، الذين يحاولون العثور على ملجأ آمن، من عرب وغير عرب، من أفارقة وغيرهم.
رأيت غرقى، وعالقين على أسيجة الحدود المُكهربة، رأيت أولئك الذين خانهم حظهم، فوقعوا في براثن وحوش آدمية، فنهبوهم وأذلوهم وقتلوهم. رأيت بؤس وعذاب أولئك الذين قضوا في شاحنة التبريد على حدود المجر- النمسا، بعد ستة عقود من أولئك الذين قضوا في خزان المياه على حدود العراق – الكويت.
أكثر ما يؤلم، هو العجز عن مساعدة أقرب الناس إليك، وأقصد أولئك الذين يخنقهم الحصار، لا سبيل لمساعدتهم بشكل فردي، ولا جمعيات أو أحزاب، حتى ذوو القربى يطعنونهم ويسهمون بمنع الغذاء والدواء والعمل عنهم، فقد أمسك بزمام الدول القادرة على التأثير، أناس فقدوا إنسانيتهم.
شعَرتْ الكلبةُ بالأمان بعد أن أطعمتها وسقيتها، فخرجت من الظل لتعبّر لي عن شكرها وامتنانها.
في البداية أشفقت عليها، ثم شعرت باحترام تجاهها، وهي تقوم بحركات مسرحية لتنال إعجابي، وهذا لأجل جرائها أكثر مما هو لأجلها.
دخلتُ إلى الشبكة العنكبوتية، وبحثت عن معاني حركات الجسد لدى الكلاب، وفهمت أنها تقول لي: «أنا محتاجة للطفك وحنانك، أنا ممتنة لك».
التقطت صورة لها ونشرتها على صفحتي في الفيسبوك، وكتبت بضع كلمات، فجاءت ردود كثيرة، منهم من يريد جرواً ليربيه، ومنهم من قدّم نصائح في كيفية التعامل معها، وتحدث البعض عن إمكانية الربح من بيع الجراء، بحسب صورتها، فإن الواحد من جرائها يباع بمئات الدولارات، كل هذا ولم أرَ الجراء بعد، ولا أعرف لونها، فقط سمعت أصواتها.
فوجئت من عدد الذين شاركوا المنشور في الفيسبوك، فدخلت إلى صفحات بعضهم، أكثرها باللغة العبرية راحوا يتناقلونها، وفوجئت بعناوين مثل: «هذه الكلبة في مكان خطر، لقد وضعت جراءها في بيت في مجد الكروم» «أنقذوها، واو مستعجل، أنقذوها».
ووصلتني رسائل تحوي عناوين جمعيات وأشخاص يهتمون بالكلاب والحيوانات البيتية مثل (كل حي) و(أعطوا الحيوانات لتعيش) وغيرها، دخلت بعض صفحاتها ووجدت قصصاً عن إنقاذ حيوانات، أبرزها عمليات إنقاذ حيوانات تركها أصحابها في القرى الحدودية أيام عدوان عام 2006 على لبنان، والبارز بينها هو التبرعات التي وصلت من جمعية أمريكية تحمل اسم (حيّ).
من خلال التعقيبات لدى بعض من نقلوا منشوري مع الصورة، لاحظت تلميحات بأن مجرد وجود الكلبة في قرية عربية هو خطر عليها وعلى جرائها، وشعرت بتواطؤ بعض العرب في هذا التقييم، بنفس المنطق السياسي الذي ينافق فيه بعض العرب للأجنبي، ليظهروا أنفسهم مختلفين عن قومهم، فهم معتدلون وحضاريون، وغيرهم متطرّف وهمجي.
إحدى السيدات العربيات تبرّعت مشكورة لطمأنة بعض القلقين بأن كتبت لهم تعقيبات: « يبدو لي أنه يعاملها بطريقة مقبولة، كما يبدو من دوافع دينية»، فأرسلت لها رسالة على الخاص:» شكراً على توضيحك للأمر، معاملتي للكلبة ليست من دوافع دينية فقط».
لأن رسالتها تعني أنني لولا الرّادع الديني لآذيتها، وهذا غير صحيح، وليس كل عربي غير متدين ممكن أن يؤذي الحيوانات.
أحضرتُ من مركز تجاري منتوجات خاصة بالكلاب، طعام، ومواد مطهرة لحمياتها وجرائها من الطفيليات.
خلال هذا، لم يغب عن بالي أولئك المحرومون من مياه الشرب النظيفة، ومن الطمأنينة والحدِّ الأدنى من متطلبات الحياة.
عندما بدأت في كتابة المقالة، خطر في بالي أيضاً، أن الكتابة عن كلبة مشرّدة وجرائها قد تستفز مشاعر البعض، وقد يقولون: «نحن بإيش وأنت بإيش»؟، فهناك مواضيع أهم بكثير من هذه، هناك بشر جائعون ومطاردون ومحاصرون ومعرّضون للموت، بل إن هناك من يجري تشريدهم في هذه اللحظات، وهذا كله صحيح، ولكنني للأسف ومثلي ملايين لم نستطع أن نقدم شيئاً لهؤلاء الناس، سوى الكلمات، وهم أخوتنا.
صحيح أن آلام الإنسان أعمق وأهمّ من آلام الحيوان، لأننا نفهمها ونستوعبها أكثر، ولأن الإنسان يستطيع التعبير عن ألمه أكثر من الحيوان، ولكنها في النهاية موضوعة لا تتجزأ، فأنا لا أتصوّر نازيّاً يعطف على الحيوانات الضعيفة مثلاً، وقد يشهر مسدسه ويقتلها بلا سبب، كذلك لا أتصور إنساناً يملك الحد الأدنى من الإنسانية، يقتل حيواناً أو يعرّضه للهلاك – ليس لمأكل – بشكل مقصود.
أكثر الظن أن سيارة مرت من شارع عكا صفد وألقت بهذه الكلبة إلى مصيرها المجهول، وعلى الأرجح أن صاحبها يهودي، لأنها تستجيب لبعض الكلمات العبرية، وهي محظوظة، إذ وجدت مكاناً وضعت فيه حَمْلِها، وبلا شك أن لها إسماً أجهله.
أخيراً تمكنت من رؤية جرائها، فهذه لا تشبهها أبداً، فهي ذات فروة بيضاء وعين لازوردية وأخرى عسلية، بينما جراؤها كلها سود، باستثناء اثنين أو ثلاثة مختلفين.
يا ترى، لو عرف جميع أولئك الذين قلقوا لمصير الجراء، واستعدوا لمساعدتها بأنها سود، هل ستبقى لديهم الرغبة نفسها لإنقاذها؟ لا شك عندي بأن العنصرية أيضاً تلاحق الكلاب السود، وهذا ليس اكتشافاً جديداً، الكلاب السود تعاني من عنصرية البشر تجاهها.
على كل حال، بعد شهرين أو ثلاثة، إن شاء الله، سوف أقوم بعملية تسفير لهذه الضيفة الكريمة إلى إحدى الجمعيات، بعد أن أكون قد برّأت ذمّتي منها ومن صغارها، ولكن حتى ذلك الحين، لا أدري ماذا تخبئ الأيام، وإلى أين ستصل العلاقة التي بدأت تتوثق بيننا، خصوصاً بعد أن صارت تتدلّع، وتظهر لي في كل يوم موهبة جديدة من مواهبها الجميلة، وبالمناسبة أطلقت عليها اسم إيفانكا، ويبدو أنها تقبّلت الإسم الجديد، وبدأت تستجيب له.

الكلبة إيفانكا فرضت أمرا واقعا…

سهيل كيوان

- -

9 تعليقات

  1. لي بنت متزوجة ومحجبة لكني تفاجأت بإقتنائها كلب صغير برضا زوجها ضعيف الشخصية! حين تزورني يجلس كلبها بحديقة منزلي وأنا محبوس بالبيت!! ولا حول ولا قوة الا بالله

  2. بوركت على هذا المقال السلس الذي يحاكي الواقع الانساني وينتقده بكل حذافيره…
    الرحمة والرأفة بالحيوان هي واجب انساني لا جدال فيه ولكن ماذا عن الرفق بالانسان في ظل ما نشهده في بلاد الشام وفي فلسطين وفي بلاد العرب والمسلمين ..!! لا رحمة بإنسان ولا بحيوان ولا حتى بجماد..
    ‎ام ان هذه الرحمة والإنسانية أصبحت تتجزأ في ثقافة الغاب التي نشهدها جميعنا في هذا العصر وأحداث الان وخصوصاً لدى مدعيها ..عن الكلاب السود التي ذكرتها حتى رئيسهم لم يدافع عنهم في عهده ..
    كاتبنا الانساني وانا اصغي لصدى ما كتبته لم اسمع سوى ذاك الصوت السوري الذي استجدى به صاحبه وهو يتوسل غزاة وطنه الذين يرفعون في بلادهم شعارات الرفق بالحيوان مستجدياً (طيب عاملونا مثل الحيوانات ) ..

  3. *حياك الله أخ سهيل المبدع كعادتك.
    لقد أثرت نقطة مهمة لون الجراء(أسود)
    وقد يعرضها (لعنصرية) من قبل العنصريين؟!
    *زد على ذلك؛- بعض الناس الجهلة يخافون
    من القطط والكلاب(السوداء) بحجة
    تقمصها من قبل (الجن) وخاصة إذا
    ظهرت ف الليل..!!؟
    *عموما يا عمي مبروك عليك(ايفانكا)
    تجربة جديدة مفيدة وملهمة..
    سلام

  4. عندما وصلت الى باريس قبل 40 عاما راعني اهتمام الفرنسيين بالكلاب و الحيوانات الاليفة و منها القرود. ولفت نظري ان ام المهندس الذي يدربني تعمل في نفس المصنع في جمع القمامة، بينما لديه كلبين كبيرين ينفق عليهما بسخاء من راتبه الجيد.
    الحقيقة ان هذا المشهد و امثاله قد تكرر في زياراتي لاكثر من بلد غربي و شغل تفكيري الى ان وصلت الى هذه الخلاصة:
    - ان تربية الحيوانات الاليفة موجودة في كل المجتمعات وفي كل الازمنة من قبيل التسلية و العاطفة و المنفعة و خاصة الكلاب و القطط. وان زيادة او نقصان هذه الظاهرة مرتبطة بالبيئة و مقدار المنفعة مقابل الكلفة
    - ان زيادة الاهتمام في الكلاب و القطط في المجتمعات الغربية هو لتعويض العلاقات الاجتماعية وقلة الاولاد فالحيوان هو الجليس
    - زيادة الاهتمام في مآسي الحيوانات عموما مثل الحيوانات الضالة، او التي في حوزة آخرين، او المذبوحات مثل الخرفان او الحيتان المنتحرة او الطيور الملوثة بالبترول، في جانب منه تعويض او الهاء عن السكوت على او حتى المشاركة في ذبح الآدميين و تشريدهم و تدمير البيئة. وهذا يفسر ما جاء في المقال من خشية بعض المستوطنين الصهاينة على مصير الكلبة في بيت عربي. فهم يعلمون و في قرارة انفسهم انهم مشاركون في جريمة انسانية يعوضون عنه بالتعاطف مع حيوان او شجرة

  5. مقالاتك اخي سهيل بدأت تتسم بطابع الكيوانية(نسبة الى كيوان) وهي نماذج من التمازج السردي والساتيرا , شمولية ورمزية في آنٍ واحد , الساتيرا اخي سهيل تضحكنا وتبكينا, تأخذنا الى حيث لا نريد, وتحاول التنكيد بمرارة واقعنا دون الاستطاعة في التفنيد؟!!.
    من ليس في قلبه شفقة على الحيوان,لا يستطيع استبدال قسوتة بشفقة على الانسان !!! اهل مجد الكروم هم اهلاً للشفقة والرحمة على الحيوان وعلى الانسان , وللمصداقية نقول ان هذه السلوكيات الاخلاقية هي من شيمة الفلسطيني؟!!
    الكون وكل ما فيه مبني وقائم على التناقض(النقيضين)الابيض نفيضه الاسود والاشقر نقيضه الاسمر(آآآه من شقارك يا سهيل)والخير نقيضه الشر وهكذا الى ما لا نهاية!! وبما اننا في سيرة السواد فنستعين بقول الشاعر ” ولولا سواد المسك ما انباع غاليا.
    لقد ظُلمت هذه الكلبة باطلاق هذا الاسم عليه كاشارة الاخ السوري !! ونحن نقول اخي سهيل ان هذه المخلوقة عندما حلت كضيفة في مرابعكم كانت كلبة وعند اطلاقك عليها هذا الاسم اصبحت كلبة بنت كلب والسلام
    مع تحياتي لمتابعيك واخص بالذكر الاخت سماهرالقارئة الوفية لطروحاتك.

  6. صباح يفوح برائحة البحر والحرية ,مقالتك كاتبنا قصصية رمزبة رائعة تهدف للتعبير عن وجهة نظر سياسية وهي بحث الكائنات الحيه من بشر وحيوان عن ملجا يضمن الامن والامان وعن منفس لاختناقهم وسط الوطن الذي اغتصب وسالت دماء عذريته في كل مكان وعن قيود نفسية تدعى عنصرية كبلنا بها عالمنا الموحش , عنصرية اتجاه الضعيف ومنكسر الجناح واتجاه اسود اللون ومختلفي العرق والطائفة والدين .
    انيس شوشان الشاعر التونسي يقول باحدى قصائده: ” انا ما جئت هنا كي عن احوالكم اسال ولا جئت لاثبت انني الافضل بل جئت فقط للدفاع عن فكرة في عالم فيه حرية الافكار تقتل جئت حاملا كل اشيائي لاعلان التمرد على كل مجتمع من بشريته قد تجرد جئت لاعلان انتمائي لكل طفل مشرد لكل طفل من ارضه اطرد لكل طفل اغتالوا طفولته ومن البراءة جرد وانتمائي لاناس باسم اللون جعلوهم عبيد وانتمائي لكل شعب باسم عرق وطائفة ابيد “.ابدعت كاتبنا في رمزية مقالك المبطن بهموم المهمشين والمستضعفين والمشردين الباحثين عن وطن ,ايها الضارب بعرض الحائط كل ظلم وبهتان في دنيانا المظلمة ,بورك بك وبرمزيتك وبابداعاتك ودير بالك على ايفانكا.

  7. اخي السوري اخي الفلسطيني

    انا الكلب ابن ستين كلب في نظر حامي عزتي لان السيدة ايفانكا تساوي عنده 100 مليون دولار نعم يا مؤمن 100 مليون دولار اما انا فلا اساوي حتى تعريفة على حد تعبير اخواننا المصريين

  8. العزيز سهيل
    لقد عبرت بشكل رائع اولا عن انسانيتك وثانيا بذلك الاسلوب السهل والممتع

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left