العراق على طريق التعافي

عماد شقور

May 25, 2018

ما يعرفه ويلمسه شعب العراق حقيقة، وهذه الحقيقة هي بشرى للشعوب العربية بشكل عام، وللشعب الفلسطيني بشكل خاص: العراق على طريق التعافي.
إذ بعد ثلاثة عقود تقريبا من بدء مآسي العراق، المستمرة بذيولها ونهاياتها حتى هذه الأيام، التي بدأت بالقرار غير الحكيم للرئيس العراقي الراحل صدام حسين، بغزو دولة الكويت والسعي الى ضمها واعتبارها «محافظة عراقية»، بدأت تلوح في الأفق منذ الاطاحة بحكومة نوري المالكي قبل نحو أربعة اعوام، وتسلم رئيس الحكومة العراقية الحالي حيدر العبادي، وإن على استحياء، بشائر انقشاع الغيمة السوداء التي غطت سماء العراق، واستمرت هذه البشائر في الوضوح، الى ان تجلّت بشكل مقنع ومثير للأمل، مع نشر نتائج الانتخابات البرلمانية هناك، التي اكّدت بروز وتقدم الاحزاب التي ترفع راية الهوية الوطنية العراقية، فوق وأعلى، وقبْل كل راية وهوية اخرى، من طائفية أو دينية أو عرقية أو غيرها.
ولعل أكبر وأوضح اثبات على ذلك تقدم قائمة «سائرون» المتحالفة مع الشيوعيين، والتي يتزعمها رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر، وتفوق قوائم وأحزاب أقرب الى الوطنية العراقية، على قوائم يتهمها كثيرون بتقديم هويات شتى على الهوية الوطنية العراقية. مأساة العراق العصرية، التي تبدو ملامح بدء انقشاعها هذه الأيام، بدأت، كما يعرف الجميع، بعد حرب دامت ثماني سنوات مع إيران، وانتهت ويد العراق هي العليا، وإن كانت مثخنة بالجراح، كما هو الحال في كل حرب. وخرجت إيران منها وهي منهكة القوى، وكما عبّر عن ذلك الزعيم الإيراني وقتها، آية الله الخميني، الذي اطاحت ثورته بالشاه محمد رضا بهلوي، الحليف الاسلامي الأقوى لإسرائيل، عندما تحدث عن «تجرع السم»، في توصيفه لحالته وهو يقبل بإنهاء تلك الحرب.
كان غزو عراق صدام حسين للكويت، عملية كارثية بكل معاني الكلمة. زادها بؤسا ودمارا ما ترتب عليها من حشد امريكي لجيوش أكثر من ثلاثين دولة، بعضها عربية، من مصر حسني مبارك، وحتى سوريا حافظ الأسد، ناهيك عن دول الخليج العربي، وغيرها. لكن الاكثر تضررا من ضرب العراق، بعد شعب العراق طبعا، هو الشعب الفلسطيني. وكانت إسرائيل هي الاكثراستفادة من ضرب العراق، في تلك الحرب سنة 1991، التي أعطاها غزو امريكا وحلفائها للعراق سنة 2003، اسم «حرب الخليج الاولى»، وسماها الرئيس العراقي، قبل اندلاعها «أُم المعارك». ولو اعترف صدام حسين بهزيمته في «أُم المعارك» وتجرع السم على غرار السياسي المحنك الذي يهمه مستقبل شعبه وبلده، الإمام الخميني، وتصرف بما يتماشى مع الاعتراف بالهزيمة، لجنّب نفسه وشعبه والعراق كله وفلسطين والعرب، كارثة «أُخت المعارك».
شيء من التاريخ لا يضيرنا هنا، إذ لم يكن التهديد، ثم غزو العراق للكويت، هو الاول من نوعه. ففي نهاية خمسينيات القرن الماضي، هدد الزعيم العراقي، وأول رئيس لجمهورية العراق بعد الإطاحة بالحكم الملكي هناك، عبد الكريم قاسم، بغزو العراق للكويت. وعندما تبين أن التهديد جدي، ولاحت مخاطر نتائج مأساوية له في حال تحول من تهديد إلى عمليات عسكرية على الارض، استنجدت دولة الكويت بالعرب، ولم يتردد الزعيم العربي الخالد، جمال عبد الناصر، في الاستجابة للكويت، فأرسل تهديدا لعبد الكريم قاسم، وعزز التهديد بإرسال قوات عسكرية مصرية الى الحدود الكويتية العراقية. تراجع عبد الكريم قاسم عن نيته غزو الكويت. وتقول بعض مصادر ذلك الزمان، أن الكويت قدّرت لعبد الناصر هذا الموقف القومي العربي، وارسلت له مبلغا، يقول بعضهم أنه بحدود خمسين مليون دولار، ويتابع هذا «البعض»، إن عبد الناصر حول المبلغ ليكون مساهمة من مصر في إنشاء «بنك القاهرة عمان»، ومثّل مصر في مجلس إدارته عضو في «تنظيم الضباط الأحرار»، وإن لم يكن عضوا في «مجلس قيادة الثورة».
هذا عن التاريخ الذي يبدو قديما. اما في التاريخ الاقل قِدَما، (واقول ذلك بدون ان يكون القصد نكء جراح) ان الزعيم الفلسطيني الخالد، ياسر عرفات، حاول دفع العرب للسير في طريق على غرار طريق عبد الناصر، وحل القضية ورفع الغبن والظلم الذي لحق بالكويت، بقوى عربية. لكن هذا التوجه قوبل بالتشكيك في حقيقة موقفه، ودفع الفلسطينيون جميعا، في الكويت وغير الكويت، ثمنا باهظا لهذا التفسير لموقف ابو عمار.
ما تقدم ايضا تاريخ. فماذا عن أيامنا؟ وماذا عن المستقبل؟
في ايامنا، ومنذ أربع سنين تقريبا، أُصيب العراق تحت قيادة نوري المالكي، بكارثة استيلاء «داعش» على الموصل، ثاني اكبر مدن العراق بعد العاصمة بغداد، ونتج عن ذلك ما يشبه فرط الجيش العراقي، على غرار ما أصاب ذلك الجيش العربي العريق سنة 2003، بقرار امريكي لصالح اسرائيل.
تسلم رئيس الحكومة العراقية الحالي، حيدر العبادي، المسؤولية الأولى في البلاد وهي في حال مزرٍ على كل صعيد تقريبا، أمنيا: على صعيد أمن الدولة والوطن، وعلى صعيد أمن الطوائف والعرقيات والأديان، بل وأمن المواطنين كأفراد. وسياسيا: على صعيد الولاءات للطائفة والعِرق والدين، وأخطر من ذلك الولاءات للأجنبي: إيرانية، ونعرات طائفية شيعية؛ وداعشية دموية متخلفة مشبوهة، ونعرات طائفية سُنِّية؛ وعرقية: كردية (مظلومة)، ومحاطة من كل الجهات بعرقيات معادية، (وإن كان أخفها العرقية العربية)؛ وتركية: من تركمان في مناطق الإقليم الكردي وكركوك، الغنية بمنابع النفط؛ وامريكية: من «زعماء» عملاء ورموز فساد. ثم، اقتصاديا: استيلاء طوائف وعصابات على العديد من آبار ومنابع البترول؛ وفساد غير مسبوق من القيادة الرسمية في الدولة، ومن زعماء طوائف وميليشيات محلية؛ وانحسار في الاستثمارات الأجنبية؛ وعداوات مع الشمال: تركيا؛ ومع الجنوب: السعودية والكويت خصوصا. ثم طال ذلك كل ما يمكن أن يخطر على البال من أنواع النشاطات: من التعليم، مرورا بالفنون والثقافة، وصولا الى الرياضة.
صورة بالغة القتامة والسواد للعراق كما سلمها المالكي للعبادي. وفي خلال ثلاث سنوات ونصف السنة، بدأت تظهر للعراق ملامح وجه مختلف: تعاون بدون عمالة وتبعية لإيران؛ وتعاون بدون تبعية وعمالة لامريكا؛ وتعاون بدون تبعية عمالة مع تركيا، وإن وصل الحد بتهديد حكومة العبادي لتركيا بـ»إعادة جنودها في أكفان» إن هي حاولت غزو مناطق فيها أقليات تركمانية كبيرة؛ وأهم من كل ذلك: بدء تعاون على أسس قومية واضحة مع السعودية والكويت وبقية دول الخليج.
بدون أن ننسى تطورات وتحسن وتقدم ملموس على صعيد إعادة بناء الجيش العراقي، ليصبح درعا للوطن، وعلى صعيد الأمن الفردي للمواطنين؛ ومحاربة الفساد المستشري في السلطة، وفي المجتمع الممزق طائفيا وعرقيا، واستعادة السيطرة على موارد الثروة النفطية في البلاد. بدون أن ننسى في هذا السياق، الإشارة، بل والتوقف مليا عند التركيز على الكفاءة المشهودة في معالجة «القضية الكردية»، خاصة بعد تفجر الأزمة التي نشبت بسبب الاستفتاء في إقليم كردستان العراق، (ولي في هذا السياق موقف وقناعة بضرورة وبفائدة اعتماد سياسة عربية مختلفة في كل ما له علاقة بالأقليات الكردية في العراق وسوريا)، وحصر تحميل الزعامات الكردية للمسؤولية عن كل مخرجات ذلك الاستفتاء، بمعنى التعامل بحكمة وهدوء وإيجابية بالغة مع المواطنين الأكراد في العراق وفي الإقليم خاصة.
لا يكتمل هذا العرض لصورة الأوضاع الحالية في العراق، بدون أن نشير هنا الى تطور رمزي، ولكنه شديد الدلالة: ففي السابع عشر من مارس الماضي، اعلن رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم «الفيفا»، جياني إنفانتينو، رفع الحظر عن استضافة العراق للمباريات الدولية، والذي فُرض على العراق منذ غزو الكويت سنة 1990. واقتصر رفع الحظر هذا على ثلاث فقط من مدن العراق: البصرة وكربلاء واربيل. ورغم ان ان هذا الرفع جزئي إلا أنه يشكل اعترافا دوليا ببدء عودة العراق إلى ما كانه سابقا.
يضاف الى كل ذلك، ان الانتخابات البرلمانية العراقية قبل اسبوعين، اعادت للاذهان تجربة تونس في احتكام الناس في الدولة الوطنية الى صناديق الاقتراع، لينعم المجتمع بالديمقراطية التي هو جدير بها.
هذا جيد للعرب. هذا ممتاز لفلسطين. هذا مقلق لايران. هذا خبر سيئ لإسرائيل.
كاتب فلسطيني

 العراق على طريق التعافي

عماد شقور

- -

1 COMMENT

  1. مآسي العراق بدأت منذ اربعة عقود و ليس ثلاث. مآسي العراق بدأت مع الحرب العراقية الايرانية في 1979. و السبب هو نفس الخطأ الذي ارتكبه العرب في مفاصل تاريخية قبل ذلك و بعد ذلك حتى اليوم. و هو التحالف (او التوافق) مع العدو الحقيقي ضد الشقيق او الجار الازلي.
    لايوجد حالة اوضح من حالتنا. فاسرائيل هي العدو المباشر الغازي المغتصب المقتحم لعالمنا. و العدو الحقيقي هو كل من يحمي و يدعم و يقيم هذا الكيان الاسرائيلي الاجرامي في عالمنا. وهو امريكا و بريطانيا و المانيا.
    التعامل مع العدو المباشر و الحقيقي يجب ان يتم بحذر دائم كما التعامل مع افعى خطيرة. بينما يكون التعامل مع الاشقاء و الجيران الازليين على اساس التعايش و البحث عن حلول المشاكل. لانه لا يمكن ازالة هذا الشقيق او الجار. و لان اثار الجراح ان حدثت تبقى ماثلة و قريبة.
    العراق او بالاحرى عراق صدام دخل حرب مدمرة ضد ايران لم يستفد منها الا امريكا و اسرائيل. ثم دخلت العرب حرب مدمرة ضد العراق عندما دخل الكويت لم يستفد منها سوى امريكا و اسرائيل. ولأن الجرح كان عميقا وماثلا اتبعوها (امريكا و اسرائيل و العرب) بحرب اكثر دمارا في 2003 كان المستفيد الاكبر منها ايران العدو المشترك لهؤلاء
    وما زلنا نرتكب نفس الخطأ التحالف (او التوافق) مع عدو مباشر و عدو حقيقي ضد جار قريب او شقيق.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left