عمرو خالد: إذ تطيح دجاجة بإمبراطورية الداعية

سامح المحاريق

May 25, 2018

كتبت قبل سنوات طويلة عن عمرو خالد منتقداً بعض المعالجات التي يقدمها حول السيرة النبوية وطريقته في استنباط النتائج، واستهتاره بالانضباط العلمي والمنطقي، ليخلص إلى نتائج تناسب جمهوره، وهي ليست بالضرورة الحقيقة.
وتلقيت عشرات الانتقادات التي انتصرت للداعية وحملت كثيراً من الاتهامات الصريحة والمبطنة لآرائي، ومنها بالطبع أنني أتخذ موقفاً معادياً من الإسلام، فالاقتراب من عمرو خالد وقتها كان مغامرة في ظل انتشار دراويشه وأتباعه ومعجبيه، وبالطبع أجد نفسي اليوم في حالة من الاتساق وأنا أشاهد الأيام تثبت صحة افتراضاتي، بينما ينفض عن الداعية صاحب النجومية الواسعة كثير من معجبيه مع الوقت.
الدعاية التي قدمها عمرو خالد عن أحد أصناف الدجاج في فيديو مصور على صفحته لم تكن هفوته الأولى، ولن تكون الأخيرة، ويمكن أن الأمر أو المقام ما عادا مناسبين لتوجيه النقد للداعية ومواقفه وأفكاره، ولكن للتأمل في ظاهرة المعجبين الذين تكاثروا حوله واعتبروه ناطقاً رسمياً بتصورهم الخاص للإسلام، وهم الجمهور نفسه الذي انصرف لغيره من الدعاة، الذين يقدمون البضاعة نفسها مع تنويعات مختلفة في الأسلوب، بدون أن يحققوا تغييراً جوهرياً في المعالجة.
يجد عمرو خالد وغيره من الدعاة أنفسم أمام تاريخ يثير الاختلاف ويغري بجميع أساليب الاجتزاء والانتقاء، وأمام ضحالة أدوات المعرفة التي يمكن أن تهذب المرويات، وأن تضعها أمام ميزان العقل، يقومون بتقديمها بأداء تمثيلي والوصول إلى النتيجة التي تسترضي الجمهور، فمثلاً يجدون حلولاً للقضايا الاقتصادية من خلال التضخيم في أهمية الزكاة من الناحية الاقتصادية، علماً بأنها لم تكن أصلاً من موارد الدولة، ولم يكن الهدف منها تحقيق العدالة الاجتماعية، أو إطلاق التنمية، وإنما تنظيم العناية بالطبقات الأكثر حاجة في المجتمع، بينما يقدم النص الديني تصوراً أوسع للعدالة في توزيع الثروة تقوم على الإلزام لا مجرد التشجيع، والحضارة الإسلامية لم تنتظر بالطبع موارد مالية تنحصر في ربع العشر من الثروات الخاصة للمسلمين، من أجل أن تحقق وجودها في التاريخ وتطورها، كما أن النوايا الحسنة لم تكن هي التي تدفع المسلمين لأداء هذه الواجبات، وإنما نظام متطور نسبياً في وقته، استطاع أن يقتبس ويوظف أساليب إدارة الدولة التي كانت محلاً للتطبيق في الإمبراطوريتين الفارسية والرومانية.
الإسلام الفرداني القائم على تحقيق الخلاص الذاتي، تلك النسخة المخففة من الإسلام بوصفه منهجاً شاملاً، هي التي حملها عمرو خالد، وهي نسخة تقوم على شيء من الأنانية، وتحول المسلم إلى مجرد آلة حاسبة تسعى لتحقيق النقاط وجمعها من أجل الحصول على الثواب الأخروي، مع المهادنة والمسالمة لكل مثالب الواقع والحياة الدنيوية. هذه النسخة من الدعاة لم يتذكرها التاريخ على الإطلاق، بينما كان يتوقف ملياً وطويلاً عند تجربة فقيه مثل العز بن عبد السلام صاحب الدور الكبير في التحشيد لمواجهة تقدم التتار تجاه مصر، وهو الرجل الذي توارت آراؤه الفقهية أمام وجوده المتوثب في المجتمع، ودوره الجريء في نقد السلطة ومواجهتها واتخاذ المبادرة في المجتمع، وإن كانت جولة في آرائه الفقهية تقود إلى نتيجة أنه كان متسامحاً في العديد من المسائل، ومتفهماً للمجتمع ومتقبلاً للاختلاف والتعدد والتنوع، وتشدده لم يكن إلا في مواجهة السلطة وتجاوزاتها وتراخيها، وهو نموذج يختلف تماماً عن دعاة التلفزيون الذين يحاولون البقاء في دائرة المضمون والإمساك بالعصا من المنتصف.
تلقيت ذات يوم دعوة من صديق إلى مزرعة شخص حقق نجاحاً مادياً كبيراً، في الفترة نفسها التي كنت أوجه تحذيرات عالية النبرة من عمرو خالد وتوابعه، وكان من برنامج ذلك اليوم حضور داعية محلي ليحبب الحضور في الدين، ويستعرض بعضاً من فصول عظمته، وأدركت وقتها أن الجمهور الذي يستهدفه عمرو خالد وغيره يبحث عن الوصول إلى معادلة يستكمل خلالها مكاسبه في السماء، بعد حصوله على حصة معقولة من المكاسب على الأرض، ورفضت هذه الدعوة لأنني كنت أعرف مقدماً المحتوى الذي سيقدمه الداعية، الذي ارتضى على نفسه أن يكون فقرة هامشية في احتفالية اجتماعية كان يمكن أن يعوض وجوده فيها ساحر أو مهرج أو مطرب، فالأمر في النهاية يتعلق باستهلاك الوقت وتسلية الحضور، وإن تكن بالطبع النية مختلفة للغاية في الحالتين، ولا أمتلك أن أشكك في صفاء نية صاحب الدعوة في ذلك الوقت.
تنهار دولة عمرو خالد وتتوالى الفضائح المرتبطة بمسيرته، وأخطرها الأحاديث حول حصول جمعيته «صناع الحياة» على مبالغ طائلة من أموال دافعي الضرائب قدمتها وزارة الخارجية البريطانية، وبالتأكيد فإن هذه الأموال لم تصرف بدون أهداف وأغراض لتوجيه الخطاب الإسلامي بما يتوافق مع الرؤية البريطانية وصناعة التأثير الذي تريده الجهة الدافعة، وكانت جريدة «الاندبندنت» قد قدمت قبل أعوام طويلة تقريراً حول تسويق خالد لنفسه في بريطانيا، وتقديمه لأشكال بيانية تثبت أن تأثيره في العالم العربي يفوق ما تمتلك أوبرا وينفري في الولايات المتحدة، ويبدو أن هذه الجولات أثمرت الكثير، خاصة أن رسالة الدكتوراه التي يقال إنه تحصل عليها من جامعة ويلز حملت عنوان «الإسلام والتعايش مع الغرب»، لتكشف عن قدرات تجارية متميزة لعمرو خالد، يبدو أنها تعكس مجال خبرته الأصلية في المحاسبة.
بوصفه أحد الاستثمارات الغربية في مجال الدعوة الإسلامية، يبدو أن خالد هو فصل جديد من فشل الاستشراق في قراءة الإسلام بصورة جيدة، وهو صفقة خاسرة أخرى وربما لن تكون الأخيرة، وبعد أن كانت بعض الأحاديث تدور حول تأهيله ليشكل زعامة سياسية تدخل في نطاق مشاريع الإسلام السياسي، فإن شخصيته التي تميل لتحقيق المكاسب وتكديسها جعلته يدخل في التخبط، وينكشف بصورة مثيرة للرثاء، لأن الأطراف التي كانت تسكت عن عشوائيته وتهافته سحبت عنه غطاء التجاهل، وجعلته يظهر أمام الجميع متردداً ومتأرجحاً ومذعوراً، حين أدرك أن عليه أحياناً التضحية بالثروة والشهرة التي جاءته من خلال التجارة بالدين، فلم يدرك خالد أن أتباعه يريدون من الإسلام أن يكون حلاً فعلياً لقضايا التخلف والجهل والفقر والاستبداد، وأنهم يبحثون عن جنة في الأرض قبل السماء، وأن كل بضاعته لا تستطيع أن تقدم حلاً حقيقياً وجذرياً، ولا تجرؤ على ذلك، وكان فشله يتتابع في أن يستجمع نفسه وأن يقول كلمة (لا) وبقي قاموسه منحصراً في (نعم) و(حاضر) و(ليت) ومن وقت إلى آخر (ربما)، وذلك تحديداً ما يجعله (لطيفاً) و(مستأنساً) و(مسالماً)، ولكن ما يحتاجه المسلم العادي اليوم هو من يتحدث عنه ومن يمثله، لا من يغني عليه.
كاتب أردني

 عمرو خالد: إذ تطيح دجاجة بإمبراطورية الداعية

سامح المحاريق

- -

5 تعليقات

  1. ” وأخطرها الأحاديث حول حصول جمعيته «صناع الحياة» على مبالغ طائلة من أموال دافعي الضرائب قدمتها وزارة الخارجية البريطانية، وبالتأكيد فإن هذه الأموال لم تصرف بدون أهداف وأغراض لتوجيه الخطاب الإسلامي بما يتوافق مع الرؤية البريطانية وصناعة التأثير الذي تريده الجهة الدافعة”
    (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ۗ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ)

  2. بالرغم من كل ذلك فهو أفضل من العلماء الكبار الذين أيدوا الإنقلاب الدموي بمصر أو حصار قطر أو بيع فلسطين, إلخ. ولا حول ولا قوة الا بالله

  3. شكرًا لكاتب المقال.
    عمرو خالد، من اول يوم كان يبيع الاوهام لاصحاب النفوس البائسة، كان يستهتر بالعقل قبل النقل. لقد ميَّع الخطاب الديني، وشوه رسالته النبيلة.
    اتبثت الأيام ان مابني على باطل فهو باطل. و ان عمرو غير خالد ولايمكن له الخلود في ساحة الفكر التي مجدها عظماء كبار كإبن رشد، ابن خلدون، و الجابري….

  4. May be Dr Amro Khaled has made a mistake by his video that promotes the wataniah chicken, but that shouldn’t be an excuse for some people who have a grudge against him to be so vindictive .

  5. سلاما أخي الكروي.
    والله إني جد مستغرب من أنك لا تدري أن عمرو أيد الإنقلاب في تسجيل مصور أذاعه التلفزيون المصري.
    وأنا أكثر من مستغرب من جهلك أن عمرو من أشباه الدعاة

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left