أحمد قعبور: نواجه لحظة تحد كبيرة وسكوت الفنان يعني تنحيه جانباً

رمضانيات تحكي عن بيروت اللقاء ومدينة قيد الغناء والأمل والفرح

زهرة مرعي

May 26, 2018

بيروت ـ «القدس العربي»: مشوقة رمضانيات بيروت أيام زمان، والفنان أحمد قعبور من بين قلة تحفظ هذا التراث الإنساني والاجتماعي ويقدمه بصفاء وحنين. صحيح أن قلة تعرف بعضاً من الحياة الودية التي كانت للناس ماضياً، لكن الحضور في رمضانيات أحمد قعبور يتشوقون لكل تفصيل، بما فيها تعبير «يا أبي» البيروتي الأصيل المستعصي تقليده على كثيرين.
في رمضانياته جمع قعبور وعلى طاولة ممتدة أسرة «ما شاء الله وبارك» فيها من كافة الأجيال، يمتهن أفرادها العزف والغناء. بالمناسبة لم يكن لهذه الأسرة سوى ابنة واحدة هي فرح، عازفة البزق مدللة بين أخوة كثر، فيما توسط «الحاج» أحمد و»الحاجة» نادين الأبناء. جلسة عائلية امتدت فيها الذكريات من «حي المصطبة» في الطريق الجديدة، إلى ما قبل 20 سنة ونيف حين كان لقعبور الفنان عطاء جميل من خلال شاشة تلفزيون «المستقبل».
وبما أن الجلسة عائلية حضرت الدشداشة، والبيجاما المقلمة، والقلوسة تعتلي رأس خالد صبيح. كذلك الـ»روب دو شامبر» الذي خلعه أحمد قعبور حين ارتفعت حرارة الـ»مصطبة» ومنع ابنه المشاغب أحمد الخطيب، عازف الإيقاع من الفعلة نفسها «ما بيصير يا أبي» فهو يرتدي الـ»بروتيل» الأبيض. واكتمل عقد العائلة مع وصول زياد، حفيد قعبور إلى حضن جده، فتواصلت أجيال من عائلة محمود الرشيدي.
صاحب «أناديكم» يستعد لإطلاق «سي دي» من 18 أغنية بعد شهر رمضان، اجهتد في تقديم حفلاته في مترو المدينة بصيغة غنائية مسرحية، وتواصل وسجالات بين الخشبة والجمهور، وعدنا بجديد مختلف فيه مساحة للحب.
مع أحمد قعبور هذا الحوار:
○ رمضانيات2018 استمدت الغذاء من حي المصطبة في الطريق الجديدة. بعيداً عن ذاك الحنين الدافئ ماذا تقول عن رمضانيات حاضرنا؟
• مع مرور الوقت والعيش وفق إيقاع سريع جداً، يبدو أننا نخسر أشياءً بالتدريج بحكم الواقع. وكلما تقدم الزمن وتقدمنا معه في العمر نبذل جهداً للقبض على ملامح ذاكرة قبل الإندثار. يبدو لي الواقع أبعد من البحث عن الذاكرة، وهو يتمثل في البحث عن أمر مفقود، في بيروت وكافة المدن المشرقية نظراً لما يمر به من أزمات كيانية. وهي أزمات تنعكس على الناس، وعلى هويتهم وشخصيتهم، ومعنى أفراحهم. حاولت في الحفلات الرمضانية استعادة أكثر من أغنية سابقة للمناسبة التي أفهمها بطريقة مغايرة كما لاحظت. أولاً كي أستعيد طفولة، فنحن نتقدم عمراً نحو طفولتنا وليس شيخوختنا. وهذا هو السر الذي يجمع الأجداد بالأحفاد. والرسالة الثالثة أن بيروت لا تزال مدينة قيد الغناء، الأمل والفرح. مدينة تحمل ثقافة الحياة رغم كل ما جرى ويجري فيها وفي البلد، من محاولات لتغيير الهوية الثقافية. بيروت هي بيروت حين تحب، تغني، تحتفل وتلتقي. وفي الرمضانيات أكدت على هذه المسلمات.
○ »يا أبي.. الحجة نادين والأبناء الكثر» ما شاء الله. هل تعيش زمن محمود الرشيدي؟
• هي استعادة كما سبق القول. أحببت تقديم الأغنيات بقالب مسرحي بحدود. اللمحة المسرحية تساعد في خلق مناخ خاص ويخصب الذاكرة. ولهذا كان الإفتراء على نادين حسن بحيث صارت الحجة، وأعضاء الفرقة أبنائي، والهدف استعادة ذاك المناخ بقالب يجمع بين المرح والرغبة في أن يعيش من يتابعنا الحالة، بحيث نكسر بحدود المسافة بين الخشبة والجمهور، نحدِّثهم عنا، ويتحول العازفون لعائلتنا، وكذلك تحميلهم أدوراً غنائية ومسرحية تساهم في إضفاء الفرح على العرض وتحوله إلى عفوي وتلقائي بمشاركة الجميع. فيما مضى اعتبرت المصطبة بلادي. وعندما قصدتها متأخراً وجدتها صغيرة جداً. يبدو أن الأطفال يرون الأشياء كبيرة أو يحلمون بأن تكون كذلك. نعم أحببت جمع العائلة على المصطبة. وأعدتهم للحظة الحاضرة كي لا نكون معتقلين في الذاكرة. فالإفراط في استعادة الحنين موجع. بحثت عن الذكريات وأحببت العودة لأرض الواقع.
○ أغنية «بيروت هيي الروح» كم تعبر عن بساطة وقوة بيروت التي اختبرها جيلنا؟
• «بيروت هيي الروح» بمعنى واحة الحرية والتلاقي. واحة الاختبار الفني والثقافي والسياسي. هي مختبر المعادلات الثقافية والسياسية الجديدة. قد يُخطئ العالِم في معادلاته أحياناً، فيحرق المختبر. القول أن بيروت هي الروح تأكيد على أن المدينة تكتسب تعريف المدينة حين تكون حضناً للاجئ. مسرحاً للممثل. لحناً للمغني. ملجأً للوافد. وفي الوقت نفسه مدينة تقول كلمتها في اللحظات العصيبة. حوصرت بيروت سنة 1982 قاومت واحترقت ولم ترفع الأعلام البيضاء. مدينة تتعرض أحياناً للخدش أو الجرح، لكنها ترد بالحب وإطلاق الصوت لتعزيز معنى الشراكة. بيروت تكون هي عندما تكون مع الحق، مع المظلوم، مقاومة وحرّة.
○ »قبل 20 سنة ونيف» جملة رددتها هل توقعت أن تصبح محط كلام مع الجمهور؟
• كانت لحظات مرتجلة في العرض استفدت منها بخبرتي المسرحية كوني خريج مسرح وعلاقتي به ليست عابرة. شبك الحضور بمفاتيح الكلام خلال العرض جميل. كما المصطبة، و20 سنة ونيف، والعازفون الذين تحولوا إلى أبنائي. هذا ما أعمل لتأسيسه قبل العرض وأطوره خلاله. وفي كل سهرة قد يذهب العرض في منحى آخر.
○ »لو جمعنا دموع الأرض» أغنية من النوع الإنساني الاجتماعي هل تليق بكافة المناسبات؟
• الجوع ليس مناسبة بل واقعاً نعيشه. تقصدت تقديم هذه الأغنية من كلمات الشاعر محمد العبد الله كي أقول أن بعض الصائمين ينتظرون مدفع الإفطار كخاتمة لصيام اختبروا فيه الجوع. والبعض الآخر يختبر الجوع ولا ينتظر مدفع الإفطار. فهم متروكون، منسيون ومقهورون من الجوع على امتداد 12 شهراً. ثمة مشاهد في الحياة ليس لنا التزام الحياد حيالها إنها لحظات الجوع، القهر واليأس. فالمشهد الغنائي مفتوح عليها جميعها.
○ ميزت العرض «مرت عمي نجاح» عايدة صبرا باطلالتها. كما تذكرت فائق حميصي. هل هي حميمة جمع الحاضر مع الماضي؟
• بكل تأكيد. ولأقول أن صاحب العمل الفني ليس من يكتبه ويلحنه. بل مصادر الإيحاء تشارك فيه. عايدة صبرا أحد أركان»حلونجي يا اسماعيل». استعادة الأغنية بدونها ستكون ناقصة، اتصلت بها ولبت بسرور. استعدنا اللحظة الحلوة. وقلنا في هذه الذاكرة ثمة ما هو جميل.
○ هل ستكون عايدة صبرا في كافة العروض أم ستستضيف استاذك فائق حميصي والأ»نوراك» المنخور؟
• يضحك قعبور ويقول: هي فكرة وتحريض لدعوته.
○ إنتاجك الفني يقع في مرتبة الفن الخالد. هل يؤزم ذلك الدخول في عطاء جديد يتماثل مع ما سبقه؟
• لا. فمن الواضح أن الإنتاجات التي صدرت قبل خمس سنوات لها جمهورها. ومنها الأغنيات ذات الطابع الإنساني. وأخرى أنتجت للتلفزيونات، والأغنيات التي لم أمل يوماً من تقديمها للمؤسسات الرعائية. المشكلة أن نشر تلك الأغنيات يحتاج لجهد آخر مضاف من أجل ترويجها، وهذا لا أملكه. كما أن طبعي ومزاجي لا يستسيغ إدارة الأعمال، لهذا أتابع كافة الأمور إنما بتعب. لكني متأكد من أن العمل الجميل الذي يحمل عناصر الجمال كافة سيجد مكانه مع الوقت. العديد من أغنياتي لم تجد حضوراً بين الناس فور نزولها، لكنها عادت لتنتشر بسرعة. أعتقد أن كل جميل «مع الوقت بيوصل». ووسائل التواصل الجديدة كفيلة بإيصال كل جديد للناس.
○ ما هي العوامل المحفزة لكل جديد فني؟
• اؤمن أن الإنسان مهما كان عمله صحافياً، فناناً أم موظفاً إن لم يكن لديه ما يقوله فهو يعيش الموت بالمعنى المجازي. لدي ما أقوله. وفعل القول يعطي قيمة لكياني الإنساني. وفي نظرة إلى دول المشرق لبنان، سوريا، فلسطين، العراق، اليمن وليبيا، نحن أمام مشهد نسمعه ونراه يجسد موت المدن، تجسيدا لموت الجماعات والأنماط الاجتماعية، وللموت الثقافي. ما أقوم به هو محاولة تجسيد معنى الحياة في زمن عزّت فيه الحياة. وتجسيد قيمة الفرح في زمن عزّ فيه الفرح. في امكاننا التعبير عن المأساة والإضاءة عليها، ومواجهتها بنقيضها. والهدف إعلاء معاني العيد، الفرح، التلاقي والأوطان. فنحن في لحظة تفقد الأوطان معناها. لا وجود للحدود. والظلم الواقع على الناس إرهاباً واستبداداً كبير ويدمر كياناتهم. في اعتقادي أن الفنان أمام لحظة تحد كبيرة، سكوته يعني التنحي جانباً. عندي ما أقوله لأجل هذه الحياة وهؤلاء الناس.
○ عبرت قبل التسجيل عن إرهاق لكثرة التزاماتك الفنية. فماذا عنها؟
• بعد استراحة بسيطة إثر رمضان سأقدم إلبوماً جديداً أنجزت تسجيله من 18 أغنية. والتزم بأعمال ذات طابع تربوي موسيقي. وأبذل جهداً للم فرقة موسيقية صغيرة بهدف إطلاق أغنيات جديدة. ومحاولات الكتابة مستمرة. أن أكون مع أكثر من التزام واهتمام هو معنى حياتي.
○ تكتب وتلحن لذاتك فقط لماذا؟
• أعمل وفق الحاجة والضرورة وليس بطلب من شركة إنتاج. في العمل الجديد أربع أغنيات بأصوات أربع نساء هنّ فنانات وصديقات. ايفون الهاشم غنت عن تعنيف المرأة. أغنية عاطفية لأمل كعوش. «يا ستي ليكي ليكي» أغنية قديمة لي أعدت توزيعها أدتها نادين حسن. وغنت شانتال بيطار حول المخطوفين والمفقودين منذ الحرب الأهلية. عنوان جديدي «لمّا تغيبي».
○ هل تختار أن تُعرف بأغنية أناديكم، صبح الصباح أم علوّ البيارق؟
• استيقظ على صبح الصباح، تعلو شمس النهار قليلاً إلى علّو البيارق ثم أعود بذاكرتي إلى أناديكم. الأغنية منزل بعدة نوافذ تطل على مشاهدة عدة، ولا تفضيل عندي.
○ هل تعود بنا إلى ظروف ولادة نشيد أناديكم من شعر توفيق زيّاد وهو باكورتك في عمر الـ19 سنة؟
• في بداية الحرب الأهلية سنة 1975 ومع تعرض الأحياء السكنية لقصف عشوائي، كنت واحداً من مجموعة شكلت لجنة لتأمين احتياجات الأهالي من مواد تموينية، لقاحات للأطفال وغير ذلك. كانت رغبتي بالمسرح والسينما، ولم يخطر لي التلحين والغناء. في ليلة كانت مهمتي حراسة ليلية للمواد التموينية الموجودة في مدرسة رسمية تحولت للخدمات الاجتماعية. الكهرباء مقطوعة وبرفقتي ديوان شعر قرأت قصيدة «أشد على أياديكم» على ضوء الشموع. ومع أصوات القصف البعيد المكثف شعرت برغبة جامحة في إطلاق الصوت، وكانت «أناديكم» ولم أكن أدرك أن اللحن سوف يحلق. وعندما أسمعتها في الصباح لوالدي، طلب مني متابعة العمل على القصيدة ووصف اللحن بالمميز.

أحمد قعبور: نواجه لحظة تحد كبيرة وسكوت الفنان يعني تنحيه جانباً
رمضانيات تحكي عن بيروت اللقاء ومدينة قيد الغناء والأمل والفرح
زهرة مرعي
- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left