باسم الجسر في «فؤاد شهاب رئيس الجمهورية اللبنانية (1958 إلى 1964)»: كان عروبياً مؤيداً لفلسطين وغير معاد للغرب

سمير ناصيف

May 26, 2018

لماذا يشعر كثيرون من متابعي الوضع السياسي في لبنان بأهمية مراجعة كتاب عن رئيس الجمهورية الراحل فؤاد شهاب (تولى الحكم من عام 1958 إلى
1964) ودوره في تاريخ لبنان في هذه المرحلة؟
هناك أسباب عديدة لذلك، أهمها ان شهاب حاول خلال رئاسته لبنان إنشاء دولة المؤسسات وتجاوز مصالح الزعماء الطائفيين الذين تنافسوا مؤخراً على مقاعد المجلس النيابي اللبناني والمناصب الوزارية بالطريقة التي تنافسوا فيها على هذه المقاعد في منتصف القرن الماضي وأواخره والتي قادت البلد إلى حربين أهليتين (إحداهما انطلقت في عام 1958 والأخرى في عام 1975) والحرب الثانية استمرت لمدة 15 سنة وما زالت انعكاساتها السياسية والاجتماعية متواجدة حتى الساعة.
وبالإضافة إلى ذلك للتأكيد على ان أكثرية الشعب اللبناني ومعظم قادته يؤيدون القضية الفلسطينية ويرفضون الوحشية الإسرائيلية في التعامل مع الشعب الفلسطيني وحقوقه ويتعاطفون مع المقاومة الفلسطينية للاحتلال بطريقة أو بأخرى حتى أولئك منهم من الذين اتهموا بغير ذلك.
الكتاب الذي نراجعه كتبه الإعلامي والمسؤول اللبناني السابق الدكتور باسم الجسر منذ سنوات، ولكنه صدر هذا العام في نسخة مترجمة إلى الإنكليزية لفؤاد ناصيف. وشمل أربعة أقسام تناول الأول، دور فؤاد شهاب كمؤسس للجيش اللبناني، بعد حصول لبنان على استقلاله عام 1943 وضم القسم الثاني ما حققه شهاب كرئيس للجمهورية من إنجازات، وعَرضَ الثالث نشاطات الرئيس بعد امتناعه عن التجديد لنفسه في الرئاسة (الذي كان متاحاً له) واكتفائه بمراقبة الأوضاع في البلد وإسداء النصيحة لمن طلبها من الذين أداروا الشؤون العامة حتى عام 1970 وإلى حين وفاته وهو في الـ71 من عمره، عام 1973.
لعل القسم الأهم في الكتاب بالنسبة للقراء العرب ان كاتبه الدكتور الجسر الذي كان محللاً سياسياً وإعلامياً مرموقا ومستشاراً لشهاب قبل ان يترأس «معهد العالم العربي» في باريس ويحتل مناصب عالمية بارزة. وقد رأى فيه ان دولاً أجنبية استغلت الوضع اللبناني في منتصف ستينيات القرن الماضي تمهيداً لضرب الوجود الفلسطيني المسلح والمقاوم في لبنان خوفاً من استخدام جنوب لبنان لشن هجمات من جانب المقاومة الفلسطينية على إسرائيل (ص 69) وأن إصلاحات الجنرال الرئيس فؤاد شهاب تعطلت، إلى حد ما، بعد انطلاق معارضة شرسة ضد نظام شهاب قادها ما سُمي بـ «الحلف الثلاثي» بقيادة الزعماء (كميل شمعون، بيار الجميل وريمون اده) بحجة ان جهاز المخابرات اللبناني (المكتب الثاني) تدخل أكثر مما يجب في الشؤون السياسية والحياتية للبنانيين في تلك الفترة.
غير ان الجسر يعتبر ان أحد صمامات الأمان لنظام الرئيس شهاب كانت علاقته الجيدة بالرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر خلال حكميهما لبلديهما، وانه بعد خسارة مصر لحرب 1967 وتضاؤل نفوذ عبد الناصر في المنطقة برمتها أصبحت الدولة التي وضع ركائزها وأسسها شهاب حتى منتصف الستينيات وأكمل مهمة قيادتها الرئيس شارل حلو (الذي اختاره شهاب لخلافته) أكثر هشاشة وفي وضع أصعب.
فتصاعدُ دور السياسيين المعارضين لنهج القومية العربية الذي قاده عبد الناصر في المنطقة ولبنان والفشل العربي في حرب 1967 ساهما في عرقلة نجاح المشروع الشهابي في لبنان لبناء دولة المواطنة والمؤسسات. وهذا أمر يتحسر عليه كثيرون من اللبنانيين، حتى من الذين كانوا يعارضون شهاب. ويعتبر بعضهم ان حرب 1975 الأهلية في لبنان ما كانت حصلت لو استمر النهج الشهابي في إدارة البلد وفي تحقيق النمو السياسي والاجتماعي.
يذكر الجسر في الصفحة (40) ان لقاء هاما جداً جرى بين الرئيسين فؤاد شهاب وجمال عبد الناصر في خيمة على مسافة واحدة من الحدود اللبنانية والسورية في 25 آذار (مارس) 1959 وتقرر فيه الاتفاق على التعاون بين لبنان والجمهورية العربية المتحدة (مصر وسوريا بقيادة عبد الناصر) بعد أن كانت علاقة مصر متوترة بلبنان في فترة قيادة الرئيس اللبناني السابق كميل شمعون (1952 ـ 1958). وقد أصر شهاب على إجراء اللقاء في هذا الموقع المحايد لتأكيد استقلالية لبنان وعدم تبعيته لنظام الرئيس عبد الناصر.
ومما ساهم (إلى حد ما) في إضعاف مشروع الشهابية في لبنان كان انفصال سوريا عن وحدتها مع مصر عام 1961. وهذا الأمر، حسب الجسر، دفع بالرئيس شهاب إلى التريث في قبول التجديد في رئاسة البلد عام 1964 مع انه امتلك تأييد أكثر من ثلثي أعضاء المجلس النيابي آنذاك الذي ينتخب الرئيس.
ويعتبر الجسر ان العوامل المذكورة غيرت المعادلة في لبنان وأدت بعد عام 1967 إلى ابتعاد الرئيس شارل حلو عن الشهابيين والشهابية بعد ان كانت علاقته جيدة بهما في السنتين الأوليين من عهده، وأصبح قريباً على قادة «الحلف الثلاثي» برغم عدم تخليه كلياً عن علاقته مع شهاب ومؤيديه. وهذا الأمر أدى إلى نجاح الرئيس سليمان فرنجية في الفوز في انتخابات الرئاسة اللبنانية على مرشح المجموعة الشهابية الياس سركيس بفارق صوت واحد في عام 1970.
ولعل الصفحة (90) من الكتاب تتضمن معلومة هامة جداً عن قناعات الرئيس فؤاد شهاب الشخصية الوطنية بالنسبة للقضية الفلسطينية وهي تناقض بعض مواقف الذين اتهموه بدفع وتحريض مخابراته (المكتب الثاني) على التنكيل بالمقاومة الفلسطينية والضغط عليها في المخيمات.
فيذكر الجسر أن شهاب استقبل قائداً فلسطينياً بارزاً (قبل فترة وجيزة على وفاته عام 1973) كان جاء لزيارته والاستماع لنصائحه عن الأوضاع في البلد وقال شهاب له ما يلي: «بالنسبة لوجودكم ونشاطاتكم المسلحة في لبنان، أعتقد ان حملكم السلاح في العلن والمجاهرة به سيؤدي على احتقان من جانب بعض الجهات وربما إلى مواجهات بينكم وبين الجيش اللبناني الذي قانونياً هو وحده يملك الحق في حمل السلاح في العلن كمؤسسة مخولة هذا الأمر من الدولة اللبنانية. وبالتالي، ماذا تنتظرون إذا حدث خلاف بين الجيش وبينكم، أو بين الشرطة اللبنانية وأي جهة أخرى مسلحة علناً؟
عليكم التنسيق في عملياتكم ووجودكم المسلح مع قيادة الجيش اللبناني بسرية تامة لكي تتجنبوا ان يطلق الجيش النار على رجالكم لدى عودتهم من تنفيذ مهماتهم المقاومة في حال عدم معرفة الجيش بما يجري».
وأكد الجسر وجود شاهد على هذا اللقاء الفلسطيني القيادي الذي جرى مع شهاب مفضلاً عدم ذكر الأسماء. ولعل الجسر كان الشاهد لأنه كان مقرباً جداً من شهاب ويحظى بثقته (كمستشاره الإعلامي) وقريباً من المقاومة الفلسطينية، في الوقت عينه، ولكن هذا السر يبقى في جعبته.
ويضيف، ان القائد الفلسطيني قال لشهاب: «من الصعب إبلاغ الجيش مسبقاً عن عملياتنا لعدم وجود ثقة بين الجانبين» فأجابه شهاب ان إسرائيل هي المستفيدة من عدم وجود ثقة بينكم وبين الجيش، وأخشى ان تتفاقم الأمور بينكما» (ص91). وقد صحّت تنبيهات شهاب للمقاومة لاحقاً.
وهذا يعني ان شهاب كان ينصح قائداً فلسطينياً باعتماد السرية في المقاومة سعياً لعدم إنجاح إسرائيل في إيقاع اشتباك بين المقاومة والجيش. وتوفي شهاب في 25 نيسان/ابريل 1973 بعد أسابيع على هذه النصيحة التي لم يؤخذ بها آنذاك، ولكن حركات المقاومة عموماً أخذت بها في العقود اللاحقة وحققت نتائج أفضل في عملياتها.
فؤاد شهاب، حسب باسم الجسر، لم يكن رئيساً معادياً للغرب والدول الغربية. بعكس ذلك، كانت علاقته كرئيس للبنان جيدة بالمعسكرين الغربي والشرقي (أمريكا وفرنسا والاتحاد السوفييتي) وخلال عهده، شارك لبنان في مؤتمرات «دول عدم الانحياز» برغم ميله شخصياً كرئيس نحو سياسات فرنسا في عهد الجنرال ديغول (بشكل خاص) علماً انه خدم وترأس كتيبة تابعة للجيش الفرنسي في لبنان قبل الاستقلال وكان متزوجاً من امرأة فرنسية واعتمد في كثير من الأحيان على مشورة مستشارين اقتصاديين وتنمويين فرنسيين.
الأهم، في رأي المؤلف ان الرئيس شهاب كان ضد تدخل السفارات الأجنبية والعربية السافر في الشؤون اللبنانية، حتى من جانب دول لم تعاديه ولم يعاديها (ص 123). والعروبة بالنسبة إلى شهاب، لم يكن انتماء يسارياً ايديولوجياً ضد الدول الغربية بل تعاون لبنان كدولة عربية مستقلة مع باقي دول العالم، العربية والدولية، وخصوصاً بالنسبة للدفاع عن القضية الفلسطينية وعبر جامعة الدول العربية.
وكان شهاب حسب الجسر يرفض ان تستخدم أي دولة أجنبية الأرض اللبنانية للاعتداء على دولة عربية أخرى ويفضل اعتماد الحياد في الصراعات العربية ـ العربية. (ص 124 ـ 125).
وفي الصفحة (145) وما تلاها، يشير الجسر في عرضه «لما تبقى من الشهابية» في لبنان قائلا ان الشهابية لم تفشل في تحقيق إصلاحات جذرية على الصعيدين السياسي والاقتصادي ـ الاجتماعي في لبنان وان هناك شبه اجماع في لبنان الآن على أهمية الأثر الذي تركه شهاب في بناء مؤسسات الدولة الحديثة والعدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد وفي تضامن لبنان مع الدول والشعوب العربية وقضاياها المحقة.
وفي مقتطفات أوردها الجسر في نهاية كتابه عما قاله عن شهاب قادة لبنانيون بعد وفاته كانت كلمات القائد (الراحل) كمال جنبلاط لافتة حيث قال «لبنان خسره، شعب لبنان لم يستحقه. كان أحد القلائل الذين يمكن اعتبارهم رجال دولة في لبنان وغيابه يترك ثغرة واسعة في لبنان الوطن، يصعب سدها». (ص 162)
ويُذكر ان الكتاب صَدَر بالإنكليزية في الذكرى الـ45 لوفاة الرئيس فؤاد شهاب.

Bassem el Jisr: Fouad Chehab (President of the Lebanese Republic, 1958 – 1964)
Translated by: Fouad Nassif
Saer Al Mashrek, Beirut 2018
165 Pages.

باسم الجسر في «فؤاد شهاب رئيس الجمهورية اللبنانية (1958 إلى 1964)»: كان عروبياً مؤيداً لفلسطين وغير معاد للغرب

سمير ناصيف

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left