سينما السوري الراحل عمر أميرالاي: الحياة بوصفها مغامرة لا تنتهي

محمد عبد الرحيم

May 26, 2018

القاهرة ـ «القدس العربي»: يعتبر المخرج السوري عمر أميرالاي (1944 ــ 2011) مثالاً للسينمائي الملتزم بقضايا كانت ولم تزل تؤرق المجتمعات العربية، ورغم التغيرات التي حدثت في خريطة العرب، إلا أن أعماله لم تزل تمتلك الكثير، في ظل أنظمة حاكمة ــ مهما تغيّرت الأسماء ــ تؤكد وجهة نظره التي عانى في سبيلها طيلة حياته. من هذا المنطلق كان اختيار أميرالاي لموضوعات أفلامه، التي مهما تنوعت فقد التزمت موقفاً ناقداً وتقدمياً من قضايا المجتمع السوري، والوطن العربي ككل.

السخرية السوداء

في ظل النظام الحديدي لحزب البعث السوري، لم يجد أميرالاي إلا أسلوب السخرية السوداء، من الحزب وسياساته وتأثيراتها الاجتماعية والنفسية على المواطن السوري. فجاء عمله اللافت «طوفان في بلاد البعث» ليثير عاصفة من النقد، خاصة من قِبل الأقلام المأجورة التي يرعاها النظام لتشن هجوماً عليه، ينتهي به إلى السجن، ثم المنع من السفر لعدة سنوات بعد ذلك. وفي هذا الفيلم يحاول أميرالاي رصد عمليات غسيل المخ، التي يقوم بها حزب البعث لعقول أطفال المدارس، بتلقينهم شعارات الحزب الجوفاء. كما وجد الآثار والحضارة السورية غارقة في قاع البحر. ويرى في فيلمه الأول «محاولة عن سد الفرات» 1970 جريمة فنية، فيقول في مقدمة فيلم «طوفان في بلاد البعث» 2003 «كنت من مؤيدي تحديث بلدي سوريا بأي ثمن، ولو كان الثمن تكريس فيلمي الأول للإشادة بإحدى منجزات حزب البعث الحاكم، بناء سد الفرات. واليوم ألوم نفسي على ما فعلت، فانهيار أحد السدود التي شيدها البعث مؤخراً، كل ذلك يجعلني أعود لأتفقد المكان الذي قادني إليه في يوم من الأيام حماسي الشاب». إن انهيار السدود التي بناها حزب البعث له دلالته الفنية التي أراد أميرالاي التأكيد عليها، فهناك انهيار لمجتمع بالكامل في ظل سياسة حزب وحيد يرى الدولة والوطن من خلاله فقط. وفي فيلمه «الحياة اليومية في قرية سورية» 1972 يتعقب أميرالاي البؤس، فيقدم سرداً يعتمد على وجهتي نظر، فما نسمعه على لسان المسؤولين تقابله صورة الواقع دون رتوش، فحين يقول الطبيب إن الوفيات بين الأطفال قليلة، يطالعنا الواقع الذي تتعقبه الكاميرا بغير ذلك، كما أن معلم المدرسة الذي يسأل الطلاب وجوب الاهتمام بغذائهم، فإننا نسمع ذلك بعد أن نكون قد عرفنا أن غذاء كل من في القرية ليس إلا الخبز والشاي، وأن الأغلبية تعاني فقر الدم. وفي عام 1977 يقوم أميرالاي بتصوير فيلم «الدجاج» ليقدم في سخرية مريرة طبيعة آليات تحول المجتمع من خلال قرية «صدد» السورية الشهيرة بصناعة السجاد، وتحول أهلها إلى تربية الدواجن، ناسية أو متناسية تراثها الثقافي والمهني، ما يعد مؤشراً على دخول نمط صناعي رأسمالي إلى القرية. ويعلق أميرالاي قائلاً «اخترت أن أحكي عن البشر بلغة الحيوان، فذلك نوع من التعبير عن قهر المثقف وعجزه عن إنطاق الناس».

مغامرة الواقع

ومن خلال الأسلوب الوثائقي جاءت أعمال أميرالاي، فالوقائع والخيال الفني يرسما معاً رؤية ووجهة نظر فنية جديرة بانتقاد ما يحدث في هذه المجتمعات الدكتاتورية، فترف الأسلوب الروائي لا يتناسب وما يحدث من وجهة نظره، وبالتالي تصبح السينما مغامرة مستمرة مع الواقع وما يوحي به من أفكار، وأعمال أميرالاي مثالاً لا ينكر في إطار هذه المغامرة. فمحاولة الوصول إلى الحقائق والأسباب، وبناء وتصحيح صورة العلاقات الاجتماعية والإنسانية كانت شاغله الأكبر، فقدم أفلاماً كثيرة عن المجتمع السوري، وفي مراحل متقدمة من مسيرته انتقل إلى صناعة أفلام عن المجتمع العربي ومحاولة صياغة شيء من الوعي لهذا المجتمع. فجاء على سبيل المثال فيلمه «العدو الحميم» 1986 الموجه إلى الغرب، خاصة الجمهور الفرنسي في بدايات اقتران صورة المسلم والعربي بالإرهاب. وفي ما يخص المثقف العربي وإشكالية وجوده صوّر مع المسرحي الراحل سعد الله ونوس فيلم «هناك أشياء كثيرة كان يمكن أن يتحدث عنها المرء» 1997، حيث يظهر ونوس في الفيلم وهو في حالة مرضية سيئة إثر إصابته بمرض السرطان، متحدثاً عن الكثير من الآراء السياسية والخيبات التي تلقاها كمثقف من جرّاء السياسة العربية وتحديداً هزيمة 1967، حيث يقول «وعندما تأكدت لنا الهزيمة بإعلان استقالة عبد الناصر أحسست أني سأموت تلك اللحظة، أحسست أني أختنق، بكيت وبكيت وكان لديّ الشعور أن تلك هي النهاية، نهاية ماذا لا أدري». لقد استطاع أميرالاي أن يربط حالة تداعي المثقف العربي بمرض ونوس، كمعادل للثقافة العربية المحتضرة. وفي فيلم «الرجل ذو النعل الذهبي» 2000، يعرض أميرالاي لعلاقة المثقف بصاحب السلطة ورأس المال، من خلال التصوير مع رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري، ويعتبر الفيلم مواجهة أو مغامرة كما يسميها أميرالاي نفسه بين مخرج سينمائي يساري، يعتبر مشاركته في ثورة الطلاب في فرنسا عام 1968 إحدى أبرز مكوناته، وبين رجل المال والأعمال. ليقول أميرالاي في وعي حاد عبارة شديدة الدلالة «استوقفتني نعل رفيق الحريري الجديدة، والمفارقة بين رغبته بمعرفة الناس، ونعاله التي لا تعرف غبار الشوارع». ولتستمر هذه المغامرة العقلية والروحية، وقد غيّب الموت صاحبها قبل إتمامها، حيث ذكر أحد المقربين منه أنه كان ينوي عمل فيلم عن صديق له لم يره منذ الطفولة ليكتشف أنه أصبح إمام مسجد، فدفع به هذا الاكتشاف إلى التفكير بفيلم عن الفتن المذهبية. وقبل أسبوع من وفاته وقّع أميرالاي إعلاناً لشخصيات سورية مستقلة تأييداً لاحتجاجات الشوارع وقتها.

مسيرته الفنية وأعماله

أنجز أميرالاي خلال رحلته أكثر من 20 فيلماً وثائقياً عالجت مشكلات المجتمع السوري والعربي، وخاصة مشكلة الحريات وتعسف السلطات الحاكمة. كما أن معظم أفلامه محظورة في سوريا. ولد أميرالاي في دمشق عام 1944 ودرس المسرح في جامعة مسرح الأمم المتحدة في باريس عامي 1966ــ 1967 ثم التحق بالمعهد العالي للدراسات السينمائية في باريس، لكنّه انقطع عن الدراسة بسبب أحداث الطلبة عام 1968 ليعود بعدها إلى سوريا.
من أعماله «الحياة اليومية في قرية سورية» 1974، و»الدجاج» 1977، و»مصائب قوم» 1981، و»رائحة الجنة» 1982، و»الحب الموءود» 1983، و»العدوّ الحميم» 1986، و»شرقي عدن» 1988، و»إلى جناب بناظير بوتو» 1990، و»نور وظلال» 1994، و»المدرس» 1995، و»هناك أشياء كثيرة كان يمكن أن يتحدث عنها المرء» 1997، و»طبق السردين» 1997، و»الرجل ذو النعل الذهبي» 2000، و»الطوفان» 2003.

11ADA

سينما السوري الراحل عمر أميرالاي: الحياة بوصفها مغامرة لا تنتهي

محمد عبد الرحيم

- -

1 COMMENT

  1. الرحمة على هذا المخجرج والفنان الحقيقي عمؤ اميرالي ..
    لكن انه زمن الصغار فلاتكن كبيرا
    انه زمن الاقزام فلا تكن عملاقا
    ..وعمر اميرالي كان كبيرا وعملاقا وفنانا حقيقيا.
    فلمه الدجاج فلم عظبم عن قريتي هو وثاءقي يتكلم فيه عن القرية في زمن البعث وتغير مهنتها
    الرحمة للمبدع الكبير

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left