سيرة سميح القاسم المطوقة بالشعر والفكاهة: «إنها مجرد منفضة»

عبد الواحد لؤلؤة

May 26, 2018

هذا عنوان آخر كتاب نثري لآخر شعراء المقاومة الفلسطينية، سميح القاسم، أنجزه في 22/5/2006 ونشرته «دار الراية» في حيفا، فلسطين عام 2011، وذلك قبل وفاته في مستشفى صفد بتاريخ 19/8/2014، بعد ست سنوات من وفاة «نصف البرتقالة الثاني» زميله في شعر المقاومة، الفلسطيني: محمود درويش.
ومنذ أواسط الثمانينات من القرن الماضي وأنا أتابع إنتاج شعراء فلسطين، وأتمنّى لو تُنقل أعمالهم إلى اللغات الأجنبية، ليطّلع العالم المضلل بالدعاوات المعادية، فيُدرك المنصفون أن في فلسطين طاقات أدبية، وشعرية على الخصوص، بالعالم المتمدن حاجة للاطلاع عليها والاحتفاء بها. في عام 2006 التقيت سميح أول مرة في عمان بالأردن، وفاتحتُه عن إمكان ترجمة مختارات من أعماله إلى الإنكليزية واستعدادي للقيام بتلك المهمة الجميلة. وكان ردّ الشاعر كريماً، وقال لي: بوسعك أن تختار ما تشاء من أعمالي مما يستجيب للترجمة بشكل جيد. فبدأت في عام 2010 بالاتصال بالشاعر بطرق شتى، واستشارته في ما اخترت من قصائده للترجمة.
كان يشغلني طوال الوقت إمكان إقناع ناشر في العالم الغربي، يقبل نشر قصائد لشاعر المقاومة الفلسطينية، والعالم ذاك معصوب العينين، في الغالب، عن حقيقة ما يجري في فلسطين، وعن طبيعة المقاومة ضد الاحتلال الأجنبي. وعندما أكملتُ مختارات من أكثر من عشرين من مجموعات الشاعر، وأنجزتُ ترجمتها إلى لغة إنكليزية، تفتقر إلى مقابل الوزن والقافية في العربية، كما تفتقر، وهو الأسوأ، إلى صيغة المثنى في الإسم والصفة والضمائر، وإلى مقابلات دقيقة للكثير من المفردات الشعرية العربية المألوفة مثل: السنابل، الخجل، العتاب… وغيرها كثير، إلى جانب صيغة المؤنث في الأسماء والصفات… بدأتُ حملة البحث عن ناشر جيد، وكانت خيبات الأمل مع ناشرين فيهم «عروق عربية». لكن جامعة «آركنساس» الأمريكية لم تكتفِ بالموافقة على النشر، بل أعطت الكتاب «جائزة الترجمة من الأدب العربي» ثم نشَرَتهُ جامعة «سيراكيوز» في نيويورك عام 2015.
وقد شجعني ذلك على المزيد من السعي في هذا المضمار. فكلّمتُ سميح عن إمكان ترجمة «إنها مجرد منفضة»، وقد أهداني نسخة من الكتاب عام 2013 بالبريد من بلدته التي لم يفارقها «الرامة» في الجليل، وصلتني بسرعة إلى مقامي في كمبردج، وما كان ذلك ليحدث لو كنت في بلد عربي! فأنجزتُ ترجمة ذلك الكتاب العجيب بشَغَف.
وبدأتُ البحث عن ناشر في بريطانيا هذه المرة. الخيبات نفسها، منها إعراض «غير مِهَني» من ناشر «ذي أصول لبنانية». لكن ناشراً كبيراً في لندن «أوستن ماكولي» وافق على النشر وسيصدر الكتاب قريباً جداً.
«إنها مجرد منفضة» كتاب أكبر من سيرة حياة، يشدّك إلى قراءته بشغف، لأنه كتاب مطوّق بروح الفكاهة، المُرّة أحياناً. فهو يضع للكتاب عنواناً فرعياً: «الجزء قبل الأخير». ماذا كان الشاعر يريد أن يستزيد بعد أكثر من 350 صفحة، مع كثير من الصور النادرة للشاعر وأصحابه، وبعض المشاهير من معاصريه، تغطي أكثر من 66 سنة من حياته منذ طفولته؟ والطرفة الأخرى ثلاثة أسطر ونصف تحت العنوان في الصفحة الأولى من الكتاب، بأسلوب كتّاب السيرة في عصور العربية الخوالي: «لأبي محمد سميح بن محمد بن القاسم بن محمد بن الحسين… بن… بن…» فخشينا أن يصل به إلى آدم! وهذه السيرة في «الجزء قبل الأخير» لا تنقسم إلى فصول ومراحل، بل هي صور وأحداث متداخلة، كما هي الحياة والأحداث. ومن هنا نضارتها وانسيابيتها. فرأيت أن أضع للسيرة أرقاماً تشير إلى نهاية حدث، وبداية آخر، لكي لا تختلط الصورة في ذهن القارئ الأجنبي، خصوصاً لأن هناك تداخلات طبيعية بين الأحداث والأسماء والتواريخ. «لا مكان تبدأ من جغرافيته. ولا زمان تنطلق من إيقاعه». هكذا تبدأ هذه السيرة ـ الرواية. من أول صورة تنفجر المرارة مع الفكاهة «إنها قطع من أثاث السيرة الذاتية… تخلص إلى نتيجة عنقودية كالقنبلة العنقودية تماما. توقيتات متفاوتة وانفجارات مفاجئة. تتلوها التوابيت المُعَدّة سلفاً والتوابيت الطارئة والأكفان غير المتوقعة». هذه قفزة إلى الأمام لنشرئبّ إلى ما سيحدث، خلاف القفزة إلى الماضي «فلاش باك» الذي نعرفه، لكننا هنا في توقّع شيء لا نعرفه. وهنا براعة الرواية ـ السيرة. هذه السيرة لا تشبه بعض ما يرويه أصحاب السياسة والفنون لإقامة أنصاب لهم مع ذَرْذَرَة كثير من أسماء المشاهير تدعيماً لما يريدون من شهرة لهم أنفسهم. لكنها سيرة – رواية تصوّر حياة المثقف، والشاعر بخاصة، الذي يعيش تحت الاحتلال الأجنبي عيشة سجين في وطنه. هذه صورة الحياة في فلسطين المحتلة، مما لا يعرفه حتى المُنصِفون وغير الملوّثين بالدعاوات المعادية. ولكنها ليست «دعاوة مضادة بالمعنى الصحافي». أنها صُوَر صادقة عن أحداث فعليّة وأشخاص بأعيانهم وأماكن ومُدن وبلدات لا يعرفها في الغالب سوى أهل فلسطين ممن بقي منهم في البلاد بعد نكبة 1948. صُوَر عن بلدة الشاعر «الرامة» وعن مدرسته الأولى، حيث أتقن لغة العدوّ فصارت أداة فاعلة بيده للنقاش، حول القضيّة بلغةٍ يفهمها العدوّ.
وإتقان سميح لغة العدو المحتل، والترجمة منها وإليها، مسألة في غاية الأهمية. بهذه المعرفة استطاع سميح، مثل غيره من المثقفين تحت الاحتلال، ان يُسمع صوت الفلسطيني للعدو، بلغة يفهمها، في الاجتماعات العامة، والمحاضرات، وحوارات على الراديو والتلفزيون. وقد حمَلته هذه المعرفة اللغوية، إضافة إلى ثقافته التي اكتسبها من قراءاته الخاصة، وتجاربه في الحياة في ظروف الاحتلال، إلى «صداقات» مع شخصيات سياسية وصحافية وثقافية، شكّلت وسيلة مهمة لشرح القضية الفلسطينية لكي لا يبقى في الساحة سوى صوت واحد. وقد كسب سميح تقاربا مهماً، إن لم تكن صداقة مع شخصيات مؤثرة في ظروف الاحتلال. ولكنها صداقة نكَد: «ومن نَكَد الدنيا على الحُرّ أن يرى/عدواً له ما من صداقته بُدّ».
ومن النتائج الجانبية لمعرفة لغة العدو والمواجهة معه سواء في مركز شرطة التحقيق أو في السجون التي يتعرض لها الفلسطيني تحت الاحتلال، حادثتان طريفتان في غرابتهما. الأولى حادثة تلك الفتاة اليهودية التي جاءت مع والدتها من بولندا إلى فلسطين المحتلة لتنعم بعيش لم يتيسر لها في بولندا. كيف «وقَعَت في غرام» الفلسطيني من «الأغيار» الأعداء؟ سميح بثقافته ولغته وحماسته لوطنه اجتذبت تلك الفتاة التي لم تجد فيه «عدواً» بل إنساناً «قابلاً للحب». هذا يعني أن الإنسان الفلسطيني مثل غيره في أمور العواطف والإلفة. لكن الفتاة أدركت أنها إزاء «حب مستحيل» بلغة أفلام الأربعينات. ولأنها مؤمنة بقضية سميح، على الرغم من ديانتها وغوايتها السياسية، فقد اختارت يوم احتفال الجيش الإسرائيلي في استعراضه العسكري، وانطلقت بسيارتها الفوكس واكن بسرعة جنونية وصَدَمَت مركبة عسكرية فالتهبت حاملة الجنود بمن فيها ومعها الفتاة البولندية العاشقة وسيارتها «الصرصور».
أما زوجة موشي دايان، فحادثة يصعب تصديقها، لكنها حصلت بشهادة أهل البلد. كان لهذه الإنسانة، زوجة وزير الأمن يومها، جمعية باسم «أبناء سام» تسعى لمناقشة أوضاع الاحتلال والمجتمع الإسرائيلي بين شخصيات متعارضة في الغالب. اتصلت زوجة دايان هاتفياً تدعو سميح للمشاركة في المناظرات، في تل أبيب. فلما أفهمها سميح باستحالة مغادرته «الرامة» لأن زوجها قد حكم عليه بالإقامة الجبرية، جاءت زوجة دايان بنفسها تقود سيارتها من تل أبيب إلى الرامة واصطحبت سميح أمام ذهول الناس، وأخذته إلى الاجتماع حيث أبلى بلاءً حسناً، ثم عادت به إلى منزله.
هذا كتاب يحسُن بالقارئ العربي أن يُمعن النظر فيه.

11ADA

سيرة سميح القاسم المطوقة بالشعر والفكاهة: «إنها مجرد منفضة»

عبد الواحد لؤلؤة

- -

3 تعليقات

  1. صباح الخير استاذنا الكبير د. عبد الواحد لؤلؤة ..
    ما أجمل هذه الرحلة التي يتسابق فيها قطبين من اقطاب الشعر العربي الفلسطيني سميح القايم ومحمود درويش .. في هذا المقال الشيق .
    وكم جميل هذا العطاء استاذنا في الترجمة لهكذا أعمال ابداعية ..
    الغرب بحاجة الى اتضاح الصورة الضبابية التي يتشح بها تفكير الانسان هناك كما حال الطقس الذي تعود عليه ، ولن تمحى انطباعات الغرب عن الشرق من دون وجود عمالقة في شرح ابعاد تفكير الانسان الشرقي العربي من دون فرض الاحكام الجمعية على عموم العرب ، واعتبارهم كتلة بشرية في التفكير والسلوك ، يجب ان تكون لدينا تلسكوبات شبيهه بنتاج استاذنا الكبير الدكتور عبد الواحد لؤلؤة ليرى الاخرين من خلالها صورة واضحة عن العرب .
    امتعتنا بهذه الرحلة الجميلة
    دمت بسعادة
    تحياتي
    نجم الدراجي . بغداد

  2. شكرا للدكتور المتألق لؤلؤة على اسماعه للقارئ الغربي صوت
    -
    شاعر ينحدر من شعب هو الاخر يتقد شعرا
    -
    تحياتي

  3. لقد اعادتني مقالتك سيدي الى ايام الدراسة في العراق حيث كان هناك في منهج اللغة العربية في الاعدادية جزء مخصص لشعراء المقاومة الفلسطينية ونماذج من شعرهم وهم محمود درويش وتوفيق زياد وسميح القاسم وكانت في ذلك الوقت القضية الفلسطينية متوهجة والكل مستعد لعمل اي شيء من اجلها وليس كما في زماننا هذا فتحية لك لنقل ادبهم الى الانكليزية ليعرفوا مثقفيهم ما يعانيه الشعب المحتل فتلك جزء من دعم المقاومة وبالتاكيد ليس بالغريب عليك هذا الامر فشكرا لك

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left